spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 52
كلمة العدد: كي لا يضيع هذا المجد هباءً
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131


 
كلمة العدد: أن تكون في قلب النار ولا تكتوي طباعة ارسال لصديق
 أن تكون في قلب النار ولا تكتوي

حدّثنا الأخ أبو لطفي امل نصر الدين, انه سمع من فضيلة المرحوم الشيخ جمال الدين شجاع, شيخ البياضة,أن المعلم كمال جنبلاط, جاء يوماً الى المشايخ, معلناً أنه سيحلق شعره, ويتحوّل الى الدين ويصبح واحداً منهم. وقد فوجئ, أن المشايخ رفضوا طلبه بإصرار, ليس لأنه غير لائق للدين, أو أن شيئاً ما ينقصه, وإنما لأن الطائفة الدرزية بحاجة ماسّة الى إنسان في مركزه العالمي, وفي موقعه العربي, وفي مرتبته الفلسفية, وفي وظيفته السياسية, وفي مسلكه الإعلامي, وفي منزلته الأدبية, وكل هذه الخصال لا تجتمع في انسان واحد, وإذا تديّن فإنه سيضعفها, وبذلك يضعف مكانة الطائفة الدرزية في المنطقة وبين الشعوب. وقد قبل المعلم كمال جنبلاط, خاطر المشايخ ورأيهم, وانصاع لتعليماتهم واستمر في طريقه الذي أكسبه شهرة عالمية كأحد الفلاسفة الروحانيين الكبار في القرن العشرين.
ومن هنا نستشف, ان المجتمع الديني الدرزي, والهيئة الروحية التوحيدية, والمشايخ القيّمون على إدارة الشؤون الدينية, لهم بُعد نظر, ولهم تفكير سليم, ولهم قدرة على التكيّف حسب الظروف, من منطلق مصلحة الطائفة الدرزية, ومن منطلق الحفاظ على جوهر المذهب, وعلى سلامة أبناء الطائفة, وعلى استمرار المسيرة التوحيدية قُدماً.  بُعد النظر هذا, والتفكير العميق الذي امتاز به القيّمون على الدين في كل العصور, هو الذي حافظ، بعونه تعالى, على سلامة الطائفة وعِزتها واستمرارها. ومن هنا نلاحظ, ان رجال الدين أنفسهم, الذين يحبذون طبعاً ان يكون كل أبناء الطائفة متدينين، هؤلاء رجال الدين أنفسهم, يعترفون ان هناك حالات خاصة, يكون فيها الإنسان عنصراً هاماً في المجتمع, حتى ولو لم يكن متدينا,ً وأنه طالما الإنسان المتدين حيّاً فلا يُقطع منه الرجاء بأن يتحوّل الى الدين, وإذا كان مسلكه شريفاً, وعمله نافعا,ً فإن ذلك يعوّض الكثير من حقيقة عدم تديّنه. والعكس هو الصحيح, فالمتّبع والمعروف والشائع ان الأغلبية الساحقة ممن اتخذوا المسلك الديني الشريف طريقاً لهم, يتقيّدون بتعاليم هذا المسلك, ويتصرفون حسب مبادئه وأصوله, ويظهرون في المجتمع في أحسن مظهر, وأحلى طريق, ممثلين للفضائل الدرزية, كل حسب مقدرته واستطاعته. وكل انسان عاقل, وكل انسان واقعي, لا بد ان يعترف, انه يمكن ان يكون هناك شواذ او انحراف او سوء تصرف عند واحد او أكثر, ممن لبسوا العمامة, وتظاهروا بأنهم متدينون. ان المجتمع الديني الداخلي واثق من نفسه, وواثق من سلامته وصيانته, وهو لا يتأثر من ظهور  حادثة انحراف واحدة او اكثر. ان الذين يتأثرون ويهرّجون ويصخبون عندما تظهر للعيان حادثة شاذة, هم بعض الأوساط في المجتمع الغير متدين, الذين يتخذون موقفاً غير ودي من المتدينين, ويبحثون بالمجهر عن حوادث شاذة او عن تصرف غريب هنا او هناك. ويدخل ضمن هذه الفئة, أناس انتفاعيون مغرضون, لهم مصالح واعتبارات غير الإعتبارات الدينية, فما معنى ان تحاسب آلاف اصحاب العمامات لمجرد ان واحدا او أكثر منهم أساء التصرف ؟ وهل يمكن ان ننسى آلاف المؤمنين الصادقين ونحاسبهم بسبب واحد او أكثر؟ ان هذه النظرة وهذه المعاملة عند الذين أصابهم السُكر والثمل, حينما ظهرت في المجتمع الدرزي بعض الحوادث الغير مألوفة والتي لا يقبلها الدين والمجتمع والعرف, فقد استغل هؤلاء هذه الحوادث, للتشنيع والقذف والتشهير بالدين ورجال الدين والقيمين على شؤون الدين. وهنا لا بد لنا إلا ان نتوقف لحظة, لنقول انه طالما لم تظهر حتى الآن كل الحقائق بالنسبة لهذه الحوادث, وطالما ان التحقيق ما زال مستمرا, والبحث ما زال متواصلا, ولم يصدر بيان قاطع بالنسبة لما حدث, فإننا نظل متحفظين ولا نحكم ولا نتسرع بالحكم, ولا نصدر اي قرار, حتى نتأكد من المعلومات والحقائق. فالتسرع في هذه الحالات هو ظلم, وعادة يمتاز رجال الدين بالتروي والانتظار, والمتسرعون هم اولئك الذين يعتاشون من ترويج المعلومات, ونقل الشبهات, وإلصاق التهم دون التأكد من حقيقتها ومصداقيتها. وإذا أُثبت في النهاية وجود جرم او مخالفة او انحراف, فالمجتمع الدرزي, والحمد لله, فيه الوسائل الكافية والقوانين المناسبة, لمعالجة مثل هذه الحوادث. ولكي نأخذ بعض البُعد التاريخي, لنقيّم الأمور حسب حجمها الطبيعي, نقول انه يوجد في تاريخ الطائفة الدرزية حوادث تَسرّع فيها المجتمع, وحكم بدون تروّ وتبيّن في النهاية ان الواقع والحقيقة كانت تختلف عن ذلك.  وهناك في تاريخ الطائفة الدرزية, حوادث مختلفة لا مجال لذكرها الآن, تثبت انه يمكن ان يشذ بعض الأفراد, ويمكن ان تكون احيانا التهمة باطلة, ويمكن ان ينحرف شخص بسبب خلل عقلي, او ضغط اقوى من قدرته, ونحن ندرك دائماً انه من المتوقع أحيانا,ً ان يتقرّب شاب او رجل من الدين ورجال الدين, ليس حباً في الدين, وإنما لمصلحة او منفعة او غرض في نفسه, او لأنه ارسل من قبل جماعة لغرض غير شريف. وكثيراً ما يُكتشف هذا الإنسان, فالمجتمع الدرزي الديني سليم ومعافى, ولا يتحمل لأمد طويل جسما شاذا غريبا فيه.وهنا نكرر القول المأثور لبعض حكمائنا الذين قسموا رجال الدين إلى خمسة أنواع حسب الداعي إلى تدينهم, فقالوا هناك متدينو الرحمن ومتدينو الإيمان ومتدينو الزمان ومتدينو السلطان ومتدينو الشيطان...
ونحن نستغل هذه الوضع وهذه الفرصة, لنلفت النظر ان المجتمع الدرزي في اسرائيل, هو أشرف وأنقى وأطهر المجتمعات الدرزية في العالم. وليسمح لنا مشايخنا وتيجان رؤوسنا واسيادنا في سوريا ولبنان ان نقول, ان المجتمع الدرزي في اسرائيل, ما زال محافظا على صفائه ونقاوته, بالرغم من اننا موجودون في قلب المعمعة, وبين طواحين المعركة, وفي فوهة البركان الذي يمكن ان يغيّرنا ويشدّنا اليه.  إن الآلاف من أبنائنا منتشرون في كافة انحاء البلاد, في الجامعات, في المراكز الحكومية, في الجيش, في اماكن العمل وفي كل مرفق من مرافق الحياة. وكل شاب من هؤلاء, معرّض لضغوط ولمغريات كثيرة وقوية وجامحة, والأغلبية الساحقة, ومنذ أكثر من خمسين سنة, ما زالت محافظة على نقاوتها وعلى اصالتها وعلى عاداتها. فالشاب الدرزي يقضي سنوات طويلة من حياته خارج قريته, لكنه يعود في النهاية, ويقيم له بيتاً في قريته, ويتزوج احدى بنات طائفته, ويظل عنصرا فعالا في المجتمع الدرزي السليم. وإذا جمعنا الحوادث الانحرافية الشاذة, خلال خمسين سنة نجد ان نسبتها لدرجة قليلة, بحيث تكاد لا تُعتبر لها قيمة في هذا الوضع. وهذه حقيقة نعتز ونفتخر بها, إذ اننا نحافظ هنا على الكيان التوحيدي, وعلى الأصالة المعروفية, وعلى النقاوة الدرزية, سواء كنا متدينين او غير متدينين, وهذا هو اكبر امتحان, واكبر اختبار لمجتمع قليل العدد, يعيش في أغلبية متقدمة, ذات حضارة راقية, وهو ليس منزو ٍ في الجبال, وإنما هو متواجد في كل مكان, ويتفاعل يوما يوما وساعة ساعة مع هذا المجتمع, في كل الوسائل, وفي كل المجالات, لكنه يظل محافظاً راقياً سليماً ونقياً من كل الشوائب. ونحن كمجتمع متطور, معرضون كذلك في السنوات الأخيرة, لكل مغريات التقنيات الحديثة, مثل الفيديو والتفلزيون والانترنت والوسائل العصرية الأخرى, وهذه التقنيات كما يعلم الجميع, فوائدها كثيرة لكن مضارها اكثر. ونحن, والحمد لله, نعرف كيف نصمد أمامها وأمام مغرياتها وأمام تحدياتها, ففي السابق كان على الانسان ان يفتش عن الرذيلة اذا خرج الى المدينة او الى الأماكن المتواجدة فيها, أما اليوم فالرذيلة قد تدخل الى عقر داره في كل لحظة, فإذا استطاع بالرغم من كل ذلك, ان يأمن شرها وان يصون نفسه وأن يبطل مفعولها, فهو بذلك جدير بالتقدير والاحترام.
ونحن لا ننكر ان مجتمعنا تطور في السنوات الأخيرة وتقدّم وأخذ يشعر انه مجتمع عصري  حديث راق ,ٍ وقد  فرض هذا على بعض الأفراد, خاصة بعض الفتيات تغيير الزي او التصرف بحرية, او السماح لأنفسهن بانتهاج خط تحرري، ويظل هذا الوضع عند نسبة قليلة جداً من الناس لا تكاد تُذكر, وهو الثمن الذي يجب ان يقدمه المجتمع الدرزي, للمدنية وللحضارة وللتقدم التكنولوجي السريع. ومع هذا نظل بالنسبة لإخواننا في المجتمعات الدرزية الأخرى, بعيدين عن الواقع الأليم الذي يعيشون فيه. وفي كل الأزمات التي وقع فيها مجتمعنا, وفي كل المشاكل التي واجهها فقد, تصرف بحكمة ورزانة, كجسم سليم معافى لا يطيق الإنحراف, لكنه لا يتحطم أمام أي عقبة صغيرة تواجهه.
وفي هذه الأيام, نحتفل بعيد سيدنا سبلان عليه السلام, وفي هذا العيد تجتمع كل أركان الطائفة, في المقام الشريف للذكر والصلاة والتداول في الشؤون العامة. وكان سيدنا سبلان (ع)  قد استطاع أن يعيش في مغارة نائية بعيدا عن المدنية والناس, لكننا اليوم لا نستطيع نحن أن نفعل ذلك, فعلينا أن نروض أنفسنا على مواجهة المدنية الزائفة والحضارة السطحية, بأن نصون نفوسنا وأن نحافظ على سلامتنا.وقد برهنا خلال ألف سنة, أننا نستطيع ذلك بقوانا الذاتية ومقدراتنا, ولا عجب في ذلك, فليست الحكمة أن تكون بعيدا عن النار ولا تكتوي بها, إنما الحكمة هي أن تكون في قلب النار ولا تكتوي...


وكل عام وانتم بخير


سميح ناطور


دالية الكرمل
ايلول ‏2004
 


 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.