spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 120
مشروع التوعية التوحيدية في مقام النبي شعيب عليه السلام
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
عائلة الهجري في التاريخ طباعة ارسال لصديق
بقلم الشيخ حاتم قاسم حلبي
اشتهرت العائلة بعد ظهور الشيخ ابراهيم الهجري الأول الذي وُلد سنة 1804 م في قرية الأشرفية من ضواحي غوطة دمشق. فنشأ وترعرع على ارضها في بيت فقير متواضع, وعلّمه والده الشيخ محمود سلمان زين الدين القراءة والكتابة. فظهرت فيه منذ الصغر علامات النجابة والنبوغ المبكّر ونشاطه وميله الى الروحانيات. ولمّا بلغ سن الرشد اجتهد في دراسة العلوم الروحية وتفقّه في علم دقائق المعلوم الشريف. واشتهر بالورع والتقوى ونقاء السريرة وشفاف البصيرة واصبح إمام زمانه بحيث تجاوزت شهرته حدود سوريا إلى لبنان وفلسطين وامتد تأثيره اليهما, ولم يعرف تاريخ هذه البلاد شخصية دينية مرموقة كشخصية الشيخ ابوحسين ابراهيم الهجري. ثم انتقل الى جبل الدروز وسكن في قرية قنوات واحبّه أهلها واعتُبر كأنه الأب لجميع السكان في قنوات والجبل بأكمله. واصبح في وقت قليل يُعتبر الشخصية التاريخية النادرة التي حبا الله بها ابناء هذه المنطقة. وقد ترك رحمه الله بصمات لا تمحى على صفحات تاريخ هذه الطائفة المجيدة في كافة الميادين. كما ان مواهبه ومؤهّلاته الروحانية والقيادية وبعد ان ظهر للعيان بغزارة علمه وصلاحه وتقواه, أقرّ له سكان الجبل كافة بالسيادة الروحية فأمر ببناء المجالس في كافة القرى وعيّن السُيّاس لها. وحثّ الناس على تلاوة الصلاة وحفظ المعلوم الشريف والتمسك بشروحات الأمير السيد, قدس الله سره. واصبح المرجع الديني المميز لكل الناس. فاحاطوه بهالة من التكريم والقداسة واحتل في نفوسهم مكانة خاصة فكان الشيخ الحكيم والمفتي البصير والمعلم الروحي والمنصف المظلوم من الظالم. كما كان يرفع راية العلم والمعرفة الى جانب راية الجهاد المقدس ضد الغزاة المستعمرين.
وفي احدى الليالي وقف بباب بيته وصعّد نظره الى السماء وقلبه في النجوم فسأله الحضور هل اصابك ألم طارئ إذ تشكو منه؟ فقال لهم: لا يا بعدي انه قادم علينا ايام صعبة وحروب هائلة وهذه إرادته علينا, فما علينا إلا الإتكال والإستعانة بالله العلي القدير. يا لها من بصيرة نيّرة وكأنه يقرأ أحداث المستقبل في كتاب مفتوح.
وخلال ايام معدودة جاء ابراهيم باشا المصري بجيوش جرارة, فاحتل لبنان ثم سوريا, ورفع يد الأتراك منها. وكان الدروز في الجبل في هذا الوقت يتمتعون بامتيازات خاصة او شبه استقلال ذاتي. إذ سُمح لهم بحمل السلاح وأُعفوا من الخدمة الإجبارية. ولهذا فأصبح الجبل ملجأ لكل خائف أو هارب من الظلم والإضطهاد. ولما استتبّ الأمر لإبراهيم باشا في سوريا, بدأ يمارس سياسة البطش والإرهاب. وبدأ بتعميم التجنيد الإجباري في كافة أنحاء سوريا, ولكي ينجح في ذلك, عزم على بسط نفوذه على جبل الدروز ليمنع الهاربين من الجندية واللجوء للجبل. وأيقن ان الجبل في وضعه الحالي عقبة دون تحقيق النظام المركزي. ففرض عليهم التجنيد الإجباري واثقل على كاهلهم شتى أنواع الضرائب والمظالم. فثاروا عليه فحاصرهم في اللجاه تسعة اشهر وجرت بين الفريقين وقائع عديدة كان النصر في أكثرها للدروز, لأن قائدهم الحكيم المخطط للوقائع والمعارك هو الشيخ ابو حسين ابراهيم الهجري. فاستشهد من الدروز ثلثمائة رجل وأما ما أُعلِن عن ادارة ابراهيم باشا فكان عدد قتلاهم ما يقارب السبعين الف رجل. وتلك معجزة ونصر من عند الله.
ولقد توفى الشيخ ابراهيم الهجري الى رحمته تعالى, وهو في سن السادسة والثلاثين من العمر, رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته. ولقد ترك لنا من المكاتبات مجموعة قيّمة كان قد ارسلها الى مشايخ البلاد. وترك أيضاً ديوان شعر روحاني يفيض وجداً وحنيناً.
وبعد وفاته آلت مشيخة العقل الى نجله الشيخ حسين. ولقد كان من أبرز رجال عصره وأحزمهم وأشدهم باساً وأحرصهم على ان تكون كلمة التوحيد هي العليا. وكان طويل الباع في حل المعضلات الاجتماعية وسياسة الموحدين، شجاعاً لا يهاب في الحق لومة لائم ، فصيح اللسان، قوي الحجّة، سليم المنطق، أمره نافذ، وخاطره مقبول، كفوءاً في القيام بأعباء منصبه مع التواضع والتقوى ومحبة الإخوان وعمل الخير والإصلاح الاجتماعي. وأن مواقفه للنهي عن المنكر ولتنفيذ أوامر الدين رفعت من شأن الطائفة بأكملها عندما قال :" الدين له شروط، وبأهله موثوق مربوط، وان أمّة الموحدين اذا لم يحفظوا فروضه وشروطه والتمسك بأوامره ونواهيه. فعرِّفوني باي ديانة تدينون؟ وباي شيء الى الله تتقرّبون؟ ومن اي باب الى الجنة تدخلون؟ ".
هذا يشير ان عمق الوعي الديني والحس الصافي بالمسؤولية والنخوة والحميّة، وبُعد النظر التي تميز بها الشيخ حسين من المقدرة العلمية وحنكته في معالجة قضايا المجتمع. مما رفع من راية الدين ورجال الدين حتى أصبحت كلمتهم نافذة وخاطرهم مقبول ومعزز. وكانت الفترة فيها هدوء من المشاكل والحروب ما اعتبر أكثرية السكان بأن هذا العصر الذهبي زمن الشيخ ابو محمد حسين الهجري . وبعد وفاته انتقلت المشيخة الى نجله الشيخ ابو يوسف حسن الهجري. عُرف عنه رحمه الله انه كان من أهل الورع والتقى. وكان ذا بصيرة نيّرة وفراسة عميقة. وكان يقرأ الأحداث في لوح الغيب، لكنه لم تطل به الحياة حيث قضى شاباً في مقتبل العمر. ولم يمهله الزمن حتى تنعم الأجيال بثمرة مواهبه التي تميّز بها. بل توفي ودُفن في قرية الرحيبة من ضواحي دمشق. وذلك بعد ان فرّ من الجيش التركي الذين أخذوه قسراً للخدمة الإلزامية غير مكترثين بمنصبه الديني ورئاسته الروحية. وكان برفقته بعض المجندين الدروز منهم, ابو طلال وهبة عامر، وقفطان عزام وحمد المغوش وابو هلال هزاع الحلبي وذوقان القلعاني. ولقد بقوا جميعاً في قرية الرحيبة مدة عشرة أيام فاصيب بمرض وأوصى اذا عاجلته المنية بلبس عباءة المشيخة من بعده, الى احمد نجل أخيه مسعود والعلم عند الله . وهكذا كان فقد توفى ودفن في الرحيبة رحمه الله.
وقد نُفذت وصيته وعُين الشيخ احمد ابن الشيخ مسعود ابن الشيخ حسين ابن الشيخ ابي حسين الهجري عميد هذه الأسرة رحمهم الله. وكان الشيخ احمد لم يتجاوز الرابعة والعشرين من العمر. وقد تحتم عليه ان يواجه مهام منصبه المنوط به في تلك السن المبكرة ويواجه قدره ومجابهة هذه التحديّات كما جابهها اسلافه من قبل. ثم بدأ يعمل على قلع بذور أشواك الفساد التي القاها المستعمر في القلوب الضعيفة فأخصب مرعاها. كما دعاه الواجب في الوقت نفسه الى مشاركة أبناء وطنه نضالهم المشرّف لطرد المستعمر التركي ثم الفرنسي ونيل الإستقلال ورفع راية الوطن خفاقة بين رايات الأمم. وأثبت الشيخ احمد انه شخصية فذة نادرة المثال لم يعرف تاريخ هذه المنطقة بشخصية دينية في مصافها غير شخصية جده الأول المرحوم الشيخ ابو حسين ابراهيم الهجري إذ انه كان متواضعاً تقياً حكيماً عالما فقيهاً نيّر البصيرة، عميق الفراسة، قوي الحجة، سليم المنطق، غزير المعرفة، مفتياً للقضايا الدينية والاجتماعية، مرجعاً من المراجع الكبرى لأبناء جيله، طويل الباع في حل المعضلات التي كان يصعب على غيره حلها، شجاعاً في أحكامه لا يداري وجوه ولا يهاب في الحق لومة لائم. وكان رحمه الله الى جانب ذلك كله لا يتهاون في تطبيق فرائض الدين ولا يكف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كما لا يتوانى عن التصدي للبدع أينما ظهرت. فكان متميّزاً بقوة يقينه،وصدق توكله على الله، بحيث لم يتوجه لحل مشكلة او عقد راية إلا ويسهل أمامه كل أمر عسير. كرّس نفسه ووقته لخدمة الدين والمجتمع والسهر على حل مشاكل الناس وقد تظافرت جهوده مع جهود أبناء الجبل ورفع مستوى أبنائه في كافة المجالات الدينية والاجتماعية والعلمية. 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.