spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 94
عائـة نصـر الـدين
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129


 
مقامات في رؤوس الجبال طباعة ارسال لصديق
بقلم الدكتور سلمان حمود فلاح
إن من يبحث في مواقع المقامات الدرزية, يجد ان الأغلبية الساحقة منها, موجودة في الجبال, وقسم كبير من هذه الموجودة في الجبال, موجود في أماكن شاهقة منها. وهذه الظاهرة متكررة في سوريا ولبنان وإسرائيل وفي كل مكان يتواجد فيه دروز.  ولأول وهلة يبدو هذا الأمر طبيعيا,ً لأن الدروز أنفسهم سكنوا عادة في الجبال, حفاظاً على عزلتهم وإنزوائهم الديني, وهروباً من المطاردات والملاحقات السياسية والمذهبية. ولكن اذا تفحصنا الظاهرة بعمق أكثر, نجد ان هناك اسباب جوهرية لوجود المقامات في الجبال, سنتوقف عليها بعد أن نستعرض بعض المزايا للمقامات والأماكن المقدسة عند الموحدين الدروز.

المقامات والأماكن المقدسة الدرزية مكوّنة من مبان ,ٍ أقيمت إمّا حول الضريح, او حول مغارة, او في مكان تواجد فيه نبي او ولي, له أهمية لدى الطائفة الدرزية.  والمجتمع الدرزي يُولي أهمية كبيرة للأماكن المقدسة, فيشملها برعايته ويحافظ عليها ويهتم بصيانتها ويقوم بزيارتها وإيفاء النذور فيها, ويوثق العلاقة بين السكان من الدروز وبين المكان المقدس. وفي السابق  كان الناس فقراء, وكانت أوضاعهم الإقتصادية صعبة وقاسية, لكنهم وفي أصعب الظروف, كانوا يجدون مبلغاً ما يتبرّعون به للمقام. وكانت العلاقة بين الأهالي وبين المقام علاقة وثيقة متينة, حيث ان سكان القرية التي تواجد بجانبها مكان مقدس, يؤمنون بحق وحقيق, ان الولي او النبي الذي يمثله المكان المقدس, يحمي القرية ويذود عنها, ويبارك تطورها, ويمكن اللجوء اليه في اوقات الضيق والمحن والمشاكل.

 وكل مكان مقدس في قرية او بجانب قرية, يؤدي عملاً تأديبياً وتثقيفياً وتربوياً من الدرجة الأولى. فكأنه يكاد يفرض على السكان سلطة غير طبيعية, حيث ان معظم الأهالي يخافون من عمل اي شيء مشين, او مخالف لقوانين المجتمع, وإلا فسيقوم الولي او النبي, بمعاقبتهم وتأديبهم وتأنيبهم. وهذه الرهبة تجعل عدداً لا بأس به من السكان, خائفاً دائماً من عمل اي شيء خطأ, خوفاً من ان يُكتشَف بواسطة صاحب المقام, ورهبة من وجود أمور غيبية مصدرها المكان نفسه. وفي كل قرية تسمع الناس هناك يقولون, عندما يكونون في وضع يجب ان يصدّقوا او لا يصدقوا انسانا ما, فهم يقولون ان خير حكم هو اللجوء الى قبر ولي, او الى مقام نبي, ليبرهن الانسان عن صدقه أمام قبر الولي القريب. والحوادث التي يذكرها المواطنون الدروز كثيرة ومتنوعة. فكثيراً ما نسمع عن أناس حاولوا الخداع والمراوغة, واقسموا كذبا وأصيبوا فيما بعد بضرر, يُعتقد انه نتيجة لأنهم أقسموا في المقام كذبا. والمجتمع الدرزي عادة مغلق, وحوادث كهذه تسري فيه بسرعة, وهي تشكّل عملية تربية اجتماعية وتهذيب أخلاقي فائق, حيث ان حدثا كهذا, يمكن ان يردع أناسا كثيرين من اي تصرف غير مناسب وغير لائق. وهذه الفضيلة التربوية, تجتمع الى جانب حسنات وفوائد أخرى للمقامات, فالمقام هو رمز ديني ملموس, وهو مصدر وحي للمؤمنين, ومرجع ومركز استناد كبير الشأن. والزيارات السنوية التي تجري في المقامات المختلفة, لها فائدة عظيمة من ناحية غرس الإيمان والعقيدة الثابتة في نفوس المؤمنين, وكل تظاهرة جماعية تقوي وترسّخ في نفوس المؤمنين العقيدة أكثر وأكثر. 

 وبالإضافة الى ذلك, فنجد ان المواطنين يقدّمون القرابين والنذور في الأماكن المقدسة, بعد ان حُلّت لهم مشكلة ما. فمن انسان شُفي من مرض, الى إمرأة لم تلد, الى إبن كان غائبا وعاد, الى جندي نجا من حرب او من خطر, وحوادث كثيرة أخرى, كل هذه لحظات ضيق ويأس, يفقد فيه المرء كل ثقته النفسية, ويعلق كل آماله بالولي او النبي الذي يبتهل اليه لأن يسعفه. وهنا كذلك توجد نقطة ضوء كبيرة وهامة, وهي الأمل والرجاء,  فالمذهب الدرزي وكل المذاهب الأخرى, تحث الناس على الايمان بالله, سبحانه وتعالى, وبالقدر المحتوم, وتشجّعهم على الاعتماد على الله, سبحانه وتعالى, وعدم اليأس من رحمته. وهذا الأمل أنقذ الكثيرين وساعدهم, وغيّر أحوالهم وفرّج كربتهم, لذلك ليس  من باب العقيدة فقط, يحترم الناس الأماكن المقدسة, وإنما لأنها تثبت لهم عمليا ان فيها جدوى كبيرة.
وإذا عُدنا الى تحليل الأسباب التي تجعل الأماكن المقدسة في رؤوس الجبال الشاهقة نستنتج ما يلي :

 السبب الرئيسي هو لجوء الدروز الى الجبال هربا من الملاحقات الدينية وخوفا من مطاردتهم والقضاء عليهم منذ عهد الدعوة بسبب معتقدهم

 الدروز أنفسهم يسكنون في الجبال العالية. ومن الطبيعي ان يتبع السكان الولي او النبي الذي يقدّسونه, فيسكنون الى جانبه وبجواره, وإن كان على الجبال فلا يبعدون عنه كثيراً. وقد تعوّد الدروز على هذه الحياة, واستطاعوا في السابق ان يبنوا بيوتا لهم في اماكن شاهقة, وأن ينقلوا أدوات ومواد للبناء على الجمال والحيوانات القوية, متحمّلين بذلك مشقة كبيرة, ولكنهم وبعد ان ينجزوا العمل ينعمون بالراحة والاستقلال.

 وجود الأضرحة والمقامات في اماكن عالية, يكسبها رهبة وهالة من القوة والضخامة والسمو. إن من يرى مقاماً مثل مقام سيدنا سبلان (ع) او مقام النبي ايوب (ع) او غيره فإنه يلمس العظمة والضخامة والقوة, والبأس الشديد من مجرد الموقع, لذلك يعتقد الجميع ويؤمنون, بأن وراء المقام قوة مقدسة, تسيّر أمور الناس وتفرض عليهم سلطتها لمصلحتهم ومن اجلهم.

 على الأماكن المقدسة, ان تكون بعيدة عن الناس, وعن ضوضاء السوق وعن الأماكن الصاخبة، وهذا صحيح بصورة عامة وبالنسبة لكافة الديانات. وإذا كان المقام في وسط القرية, فإنه خاضع لتأثيرات سلبية أحيانا, لمجرد انه قريب من ضوضاء القرية, وكلما بعد المقام, كلما اكتسب الموقع والمركز الذي يليق به في نفوس المؤمنين. وإحدى المزايا التي ترافق المؤمن الدرزي, هي أنه عليه أن يبذل مشقة ما في سبيل إيمانه, ولذلك فكلما كان المقام بعيدا, واضطر المؤمن أن يتعب للوصول, إليه كلما كسب المؤمن أجرا أكبر.

 المجتمع الديني الدرزي متأثر كثيرا بالمجتمع الصوفي, والجو الإنعزالي والنزعة التقشفية, التي دعا إليها كبار الصوفيين والزهاد في التاريخ, الذين يحظون بمنزلة كبيرة في نظر الموحدين الدروز. والصوفية بجوهرها, هي حركة نحو انفراد الإنسان مع خالقه, وقد عاش معظم الصوفيين, في أماكن منعزلة في رؤوس الجبال, وأصبحت أماكن سكناهم أو قبورهم مع الوقت مقامات ومزارات.
 المجتمع التوحيدي الدرزي هو مجتمع زراعي, وكل مؤمن يحب الأرض والطبيعة والهواء الطلق والأشجار والخضرة والجبال الشاهقة, وكل هذه الأشياء تمثل في نظر الموحد الدرزي, القدرة الإلهية العظيمة التي خلقت الطبيعة وما فيها, ووجود المقامات في الأماكن الطبيعية, يغطي جانبا هاما من جوانب الإيمان العميق عند الموحدين الدروز.

 المتدين الدرزي يمارس إيمانه العميق, بواسطة حفظ الكتب الدينية عن ظهر قلب ومراجعتها المستمرة, وقد وجدت الأماكن المقدسة والمقامات كذلك, من أجل المكوث فيها وحفظ آيات الدين, وهذا طبعا أكثر سهولة في الأماكن البعيدة منه في وسط القرية.

هذه بعض الأسباب التي تفسر, حسب رأينا, معنى وجود أكثرية الأماكن المقدسة في أماكن نائية وعلى رؤوس الجبال, وهذا الموضوع نطرحه للمثقفين الدروز, كأطروحة للكتوراه, كي يخضع للبحث العلمي والدراسة الجدية. وهنا علينا أن ننوه, أن وجود مقام في وسط القرية, أو قريبا منها, لا يقلل من أهميته, وله حسناته وفوائده, لربما نبحثها ونستعرضها في مقال آخر.
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.