spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 68
كلمة العدد: الذين إذا رأيت أحدهم كأنك رأيتهم جميعا
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
المرحوم الشيخ أبو توفيق حمزة حلبي طباعة ارسال لصديق
الشيخ ابو توفيق حمزة من أقطاب رجال الدين الدروز في البلاد . عاش حوالي تسعين سنة, ماراً بالعهد العثماني, وعهد الإنتداب وبدولة اسرائيل.
 لقد نشأ الشيخ ابو توفيق حمزة حلبي يتيما,ً فقد توفي والده عام 1916 وعمره سنة ونصف, وتوفيت والدته بعد ذلك بقليل وعمره سنتان, وقد أوصى والده الشيخ ابو علي محمد, والشيخ ابو يوسف حسين نصر الدين, ان يكونا وصيين على الشيخ حمزة وأخيه الشيخ صالح . لم تكن الحياة سهلة بالنسبة للطفلين الصغيرين اليتيمين. لقد كانت ايام ما بعد الحرب العالمية الاولى, والجبخانة والمشاكل السياسية والاقتصادية, وكانت الأوضاع الاقتصادية قاسية, حيث كان مصدر الرزق الوحيد والبسيط هو الزراعة. وكان التعامل مع الأرض هو الذي يخلق القوت اليومي لمعظم الناس وكذلك تربية الماشية, وقد كانت دالية الكرمل قرية صغيرة في العشرينات والثلاثينات, وكانت تعاني من هجمات من الجيران, مما جعل سكان القرية يتكاتفون ويتعاضدون ويدعمون واحدهم الآخر. وهكذا نشا الشيخ حمزة في جو من الضائقة الاقتصادية العامة, وفي وضع يتم قاس ٍ, لكنه تربّى على التعاون المتبادل والتكاتف المشترك, خاصة وقد أوصى والده عمه الشيخ أبوعلي محمد والشيخ ابويوسف حسين نصر الدين برعاية الطفلين الصغيرين.
 وقد تخطّت قرية دالية الكرمل, فترة الانتداب بكل مشاكلها وأوضاعها. وفي الاربعينات استطاع الشيخ حمزة ان يبني له اسرة, وأن يصبح شخصية لها وزنها وقيمتها في المجتمع في القرية. وقد شبّ وكبر وهو متدين ومرافق لرجال الدين, ولا عجب فقد كان عمّه ومربيه الشيخ ابو علي محمد, إمام الخلوة الكبرى في القرية, وكان يرافقه دائما,ً خاصة في تجواله عند رجال الدين في القرى الدرزية, وفي استقبال الضيوف الذين كانوا يصلون من كل حدب وصوب من كل مكان, وكانوا يجدون في الخلوة هدفاً لزيارتهم ومرجعاً دينياً ومقصداً مرغوباً. فكان الشيخ حمزة الذي عُرف بالكرم والسخاء, يشارك في نصيبه مع باقي مشايخ الخلوة في واجبات الضيافة, وفي الصرف على الخلوة واحتياجاتها. وقد كان الشيخ حمزة رفيق الصبا للشيخ ابو محمد نور الدين حلبي, وفي الثمانينات, وعندما تمّ فتح الحدود بين لبنان واسرائيل, كان للشيخ حمزة دور كبير وهام في استقبال الضيوف من لبنان, الذين توافدوا بجموعهم الى الكرمل والجليل, وقد فتح الشيخ نور الدين بيته والخلوة التي أسسها مع الشيخ حمزة على مصراعيها أمام كل قاصد ومتدين من لبنان, فوجد هؤلاء هنا كل مساعدة وكل عون, وأثبتت الطائفة, بواسطة الشيخ ابو محمد أطال الله في عمره, وبواسطة المرحوم الشيخ ابو توفيق, أصالتها وعراقتها وتجنّدها للدعم والمساعدة, خاصة في حرب الشوف المجيدة. كما رافق الشيخ ابو توفيق, فضيلة المرحوم الشيخ امين, والشيخ ابو محمد وباقي المشايخ, في جولاتهم وزياراتهم المتكررة للمقامات وللخلوات ولرجال الدين وللأقطاب الكبار في لبنان. وفي تلك الفترة ساد جو من اللقاء الروحي على أعلى المستويات, بين رجال الدين في لبنان واسرائيل, وذلك بعد انقطاع دام سنوات طويلة, وكان الشيخ ابو توفيق حمزة ركناً من أركان هذا التواصل الروحي, وهذا اللقاء التاريخي, وهذا الإنتعاش المذهبي, الذي استمرّ فترة, وللأسف الشديد أغلِقت الحدود, لكن تأثير تلك الحقبة من التواصل ما زال موجوداً, ويذكره الكبير والصغير بالشوق والتقدير.
لقد تميّز المرحوم الشيخ ابو توفيق حمزة, بمواقفه وبآرائه وأفكاره المتشددة في عدة مواضيع. الموضوع الأول هو الأرض, فقد كان متمسكاً ومتشبثاً بالأرض, لأن الأرض كانت وما زالت تحمل نوعا من القداسة بالنسبة للمواطن الدرزي. وقد كانت مصدر خير وبركة لأهالي قريتي دالية الكرمل وعسفيا. وإذا نظرنا الى تلك الفترة, يمكننا أن نقدّر الدور الكبير التي قام به مزارعو عسفيا ودالية الكرمل في منتصف القرن العشرين. فقد كان عدد المزارعين وأصحاب البيوت في القريتين في تلك الفترة, لا يزيد عن ثلاثمائة شخص, وهذا العدد القليل استطاع ان يستنبت مساحات هائلة من الأراضي في الكرمل وفي المنصورة في مرج ابن عامر. وإذا اخذنا بعين الإعتبار, ان الكرمل قبل قيام الدولة, كان مسكونا بعدة قرى عربية وكذلك مرج ابن عامر, وكان اكتظاظ سكاني كبير, وبالرغم من هذا الوضع, فقد حقق سكان دالية الكرمل وعسفيا إنجازا كبيرا بكدّهم وجدّهم ونشاطهم, وزرعوا كل هذه المساحات الواسعة واستثمروها. وكان طبعاً من بينهم, المرحوم الشيخ ابو توفيق, فنشأ مع حبه للأرض وبذل كل شيء من أجل حمايتها والدفاع عنها. واليوم يستمر بنفس الدور ابنه الصغير الشيخ كمال حمزة حلبي الذي يقوم بالدفاع عن الأراضي في دالية الكرمل وعسفيا.
وعندما فُرض قانون التجنيد الإلزامي على الشباب الدروز, كان الشيخ ابو توفيق من أوائل المشايخ الذين أصرّوا, وطالبوا بإعفاء الشباب الدروز المتدينين من الخدمة العسكرية, وقد تمّت الموافقة على ذلك, وما زال هذا النظام سائداً حتى يومنا هذا, حيث يحصل الشباب المتدينون على إعفاء تام من الخدمة. وفي الخمسينات, ساد نظام الحكم العسكري في البلاد, وقد عارض الشيخ ابو توفيق في حينه, هذا النظام وطالب بإلغائه, وتم ذلك في اوائل الستينات. وقد كانت للشيخ ابو توفيق مواقف معروفة ومشهورة في القضايا الداخلية للطائفة الدرزية, فكان له رأي وكان له موقف, لكنه كان دائماً يحث الجميع على انتهاج طريق الدين, وعلى التقيّد بالمذهب الحنيف, وعلى المحافظة على التقاليد, وعلى اتباع سبل الإرشاد والهدى والإيمان. لقد كان الشيخ حمزة كثير المطالعة, محبا للقراءة, فبالإضافة الى قيامه بواجباته الدينية, كان يحب مراجعة كتب التاريخ والمصادر التي تتحدث عن الطائفة الدرزية وأوضاعها. كما أنه أحب مطالعة الأدب العام, وكان ملمّاً بالتاريخ الإسلامي والتاريخ العام, وكانت له ثقافة واسعة, حيث تميّز من بين أبناء جيله, الذين لم يحصلوا على قسط وافر من التعليم والثقافة. وكان الشيخ ابو توفيق منذ صغره يجيد القراءة والكتابة, فكان يحرر اي منشور يصدر بعد اجتماع ما للمشايخ, وكان يرد على الرسائل التي تصل للمشايخ, وكانت له مبادرات كتابية هامة, فكان اذا رأى موقفا ما, من قبل شخص وأعجبه, يسرع بالكتابة اليه ويشكره على ذلك. وكان دائماً على إطلاع عمّا يجري في الطائفة وفي الدولة وفي العالم, وكان من يجلس معه يشعر ان له ثقافة دينية راسخة, وله كذلك ثقافة دنيوية شاملة. وقد كانت تربطه علاقات وثيقة بشخصيات اسلامية ومسيحية ويهودية, وهناك مراسلات بينه وبين عدد كبير من الشخصيات. وكان الشيخ ابو توفيق دائب النشاط والحركة, يشترك في كل المناسبات الاجتماعية والتنظيمية في القرية, وقد كان في السنوات الأخيرة نشيطا مع باقي المشايخ في مواضيع اجتماعية هامّة, مثل مكافحة المخدرات, ومنع الغرباء من التسرب للقرية وتنقية الأجواء بين الناس والمحافظة على الجيل الجديد من الإنصهار في المجتمع الغربي, وظواهر كثيرة أخرى. والمُطلع على الأمور, يجد إسمه على كل منشور صدر عن المشايخ, وكان طبعاً هذا المنشور بخطه. وكتاباته وفي فترة الخمسينات والستينات وعندما كان غالبية الناس لا يعرفون القراءة والكتابة, كان الشيخ ابو توفيق من القلائل, الذين يقرأون ويكتبون, فكان عدد كبير من السكان يلجأ اليه ليكتب لهم الرسائل والوصايا.
وكان الشيخ ابو توفيق دائم الحركة والنشاط, لكنه أقعد في الأشهر الأخيرة, وتحمل هذا الوضع بالصبر والايمان, الى ان وافاه الأجل في الثاني عشر من شهر آب 2004. وقد جرت له جنازة كبيرة, بحضور رجال الدين من كافة القرى الدرزية ورؤساء المجالس المحلية, وعدد كبير من أعيان المجتمع العربي وجمهور غفير من المواطنين الدروز. وقد ألقى نجله الشيخ ابو حمزة توفيق حلبي كلمة جاء فيها :
" بسم الله الرحمن الرحيم
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
كل من عليها فان ٍ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، سبحانه واحد أحد فرد صمد، سبحانه وتعال يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. عليه نتكل وإليه المرجع والمصير، حكم على عباده بالفناء وهو الدائم الباقي الحي الذي لا يموت.
حضرات المشيعين الكرام أيها المشايخ الأجلاّء
بقلوب يعصرها الألم ونفوس تستلهم الرضى والتسليم لمشيئته تعالى أقف موقفي هذا وليس بقدرتي ان أزيد على ما قاله الشيوخ والإخوان ولكن كلمة وفاء، كلمة وفاء قصيرة لإنسان له عليّ الفضل الكبير.
لقد نشأ المرحوم الوالد يتيماً صغيراً بعد رحيل المرحوم جدنا توفيق صالح الحلبي، فتربّى في بيت جده المرحوم صالح محمد الحلبي، ولما صار شاباً يافعاً رعاه عمه المرحوم ابو علي محمد الذي كان بيته مرجعاً لكل قاصد من الإخوان. وهكذا لازمَ منذ صغره كبار الشيوخ فزاده ذلك معرفة واتصالاً بمشايخ من قرى عديدة ففتح لنا بيتاً في كل بلدة وفي كل ناحية.
ايها الشيوخ الأجلاء:
لقد ذكر الوالد أهله وإخوانه وأبناء بلده بالخير فأحب الناس وعاملهم بالأخوّة فما زاده ذلك إلا احتراماً من الجميع.
وكانت وصيّته لنا ان نستمرّ بهذا النهج وهو احترام الناس وذكر المعروف والأعمال الصالحة الطيبة والمساعدة.
فمما سمعناه منه مراراً انه بالإضافة لما شمله به الأهل والأقارب من العطف والعناية فقد كان يذكر دائماً فضل المرحوم الشيخ محمد معدي صديق والده الذي كان يبعث سنوياً لهم بمؤونة بيتية كبيرة في تلك الأيام العصيبة، ولم ينسَ فضل جيرانه من مشايخ آل نصر الدين بكرمهم ورعايتهم له ولأخوته.
أهلنا وإخواننا أيها المشايخ الأفاضل نعاهدكم ان نبقى على العهد حافظين، ولوصية الوالد ذاكرين.
بإسمي وبإسم الأهل والأقارب هنا وفي كل مكان، أتقدم بأسمى آيات التقدير والعرفان وأعمق معاني الوفاء والإمتنان لكل من شاركنا مصابنا هذا سائلينه تعالى ان يعظّم أجركم ويجزل ثوابكم وأن يوافيكم عنا خير جزاء وإنّا لله وإنا اليه راجعون.
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.