spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 101
قرية أبو سنان
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 140
العدد 139
العدد 138
العدد 137
العدد 136


 
كلمة العدد: وهم في طريقهم إلى الواحات... طباعة ارسال لصديق
وهم في طريقهم إلى الواحات...

قبل سنوات, بادر المرحوم الشيخ ابو حسين لبيب ابو ركن, قاضي المحكمة الدينية المذهبية الدرزية, الى اقامة بيت واسع, لمناسبات الوفيات والإجتماعات الدينية, في قلب قرية عسفيا. وقد أطلِق عليه إسم "بيت بركات", نسبة الى نجله المرحوم, الذي توفي في حادث طرق. وقد أصرّ المرحوم الشيخ لبيب, ان لا يُدفن  نجله المأسوف على شبابه, إلا بحضور السائق الذي تسبب في الوفاة وخروجه من المعتقل, لأنه اعتبر الحدث قضاءً وقدراً, وهذه من شِيم المشايخ الأفاضل الكرام. وقد دُعي فضيلة المرحوم الشيخ امين طريف, لافتتاح البيت, ودعي كذلك مندوبو الحكومة ووجهاء  الطائفة الدرزية وأعيانها وجمهور غفير. وصدف ان كان ذلك اليوم يوما ماطراً ملبداّ بالغيوم, فانقطع  التيار الكهربائي منذ ساعات الصباح, لكن المراسيم كان يجب ان تتم, لأن الوفود حضرت, ولم يكن هناك داع ٍ لتـأجيل الإحتفال, بسبب انقطاع التيار الكهربائي. وقد بدأ الاحتفال في موعده, حسب التخطيط وسار على ما يرام, واضطر الخطباء الى رفع أصواتهم, لأن مكبر الصوت لم يشتغل, وجلس الجمهور في جو شبه معتم, لكنه كان مشعّاً بالإيمان. وتكلم الخطباء, حتى جاء دور فضيلة المرحوم الشيخ امين ليلقي الكلمة المركزية. وما أن وقف فضيلته, ونطق بعبارة "بسم الله الرحمن الرحيم", حتى تجدد التيار الكهربائي, وشعّت الأنوار في القاعة, ودبّت الحرارة في مكبر الصوت, ووقف الجميع مذهولين مستهجنين هذا الحدث, وما كان من قنصل جمهورية مصر العربية, إلا أن وقف وقال : أشهد بالله ان فضيلة الشيخ هو ولي من الأولياء...."
هذا الحدث, قد يعتبره بعض الساخرين والمتحذلقين وضعيفي النفوس, أمراً وقع بالصدفة. لكن الأغلبية الساحقة من الحضور, الدروز وغير الدروز, العقلاء والمتزنين, كانوا شهود عيان على إحدى  فضائل المرحوم الشيخ امين طريف. ونحن لا نؤمن بالخرافات, ولا نفسر الأمور بأكثر مما تستحق, ونحكّم المنطق والعقل في كل ما نفكر به ونقوله. وقد شاهدنا وقرأنا وسمعنا من مصادر مختلفة, عن ظواهر مُستهجنة وقعت في حضرة فضيلة المرحوم الشيخ امين. وكل هذا يجعلنا نؤمن مع المؤمنين, ان فضيلة الشيخ, هو إنسان مميز, وله رسالة, وأنه مبعوث من قبل الله, سبحانه وتعالى, ليرعى ويحمي سكان هذه البلاد, وهذه الجزيرة. 
 ولا أحد ينكر, ان فضيلة المرحوم الشيخ امين طريف, يمتاز بمنزلة تاريخية خاصة, ومكانة غير عادية, فقد كان المرحوم رئيسا لأصغر طائفة في البلاد, وكان زعيما روحياً لإحدى أقل الأقليات عددا في الشرق الأوسط, وكان مسؤولاً عن مجموعة من الناس, لا تملك الذرة ولا تستحوذ على آبار البترول, وليست لها أساطيل تجارية, وليست لها جيوش جرّارة, وليست لها ثروات اقتصادية كبيرة، كل ما لديها هو إستقامتها وإيمانها.
 ومع كل هذا, فرئيسها الروحي, هو الشخصية الدينية الأكثر ذكراً وتواجداً وحضوراً في البلاد, مع أنه انتقل الى جوار ربه قبل احد عشر سنة, وفي هذه الفترة, تُنسى أسماء كثيرة, في خضم الحوادث والمتغيرات والتطورات. لكن اسم الشيخ أمين طريف يظل دائماً على الألسن, وعند كل الطوائف, وفي سائر الأوقات. والظاهرة الغريبة هي ان شخصيات دينية إسلامية مرموقة, كان لها موقع كبير في الأزهر وفي النجف وفي بيروت وفي السعودية وفي ايران وفي أماكن اخرى من العالم الإسلامي, وكذلك شخصيات مسيحية رفيعة المستوى, من كرادلة وبطاركة ومطارنة في اسرائيل وفي لبنان وفي مصر وفي دول مختلفة, وكذلك أسماء يهودية عالية الشأن, ممن  نُصِّب في أعلى المرتبات الدينية اليهودية في اسرائيل.  كل هذه الشخصيات كانت مشهورة وسائدة وذات نفوذ وحضور الى درجة ما, عندما كانت على قيد الحياة, لكنها أدرِجت تقريبا في غياهب النسيان حال وفاتها, ولا يذكرها إلا المقرّبون او المتخصصون او المعنيون بالأمر. إلاّ فضيلة المرحوم الشيخ امين طريف, فإنْ ذكرته أمام المواطن اليهودي, او المواطن المسلم, او المواطن المسيحي, فإنه يذكره بالتقديس والتبجيل والإحترام, وإن ذكرته أمام مسؤولين من أرفع المستويات, يعترفون بمقدرته وجلاله.
 وفي السنوات الأخيرة, وبفضل مساعي فضيلة الشيخ موفق طريف,  وبعد أن ربطت الطائفة الدرزية في البلاد, علاقات وثيقة مع دول العالم, وبعد أن أصبح اسم الدروز متداولا ومقبولا في الجامعات والمؤسسات الدولية, وعند السفراء والقناصل والإرساليات الأجنبية، اصبح إسم فضيلة المرحوم الشيخ امين طريف, إسماً واضحا ومعروفا ومقبولا, لدى هذه الأوساط التي تعرّفتْ حديثاً على الطائفة وزعمائها.
ان المطّلع على تاريخ الطائفة الدرزية, والدارس لأوضاعها, والمؤمن بعراقتها ورسالتها, والمجرَّد من كل العُقد النفسية, ومن الشعور بالنقص, ومن التذلل أمام الآخرين، ليشعر دائما بالفخر والإعتزاز, لوجود نخبة من المشايخ والزعماء الأفاضل الأجلاّء, مرّوا في تاريخ هذه الطائفة, وقاموا بدور حفظ كيانها ووجودها, ورسّخوا جذورها في التاريخ, وأثبتوا ان الطائفة الدرزية, ليست حدثاً عابرا,ً او جماعة هامشية, او فئة في أطراف التاريخ, وإنما هي عنصر أساسي في هذه المنطقة, وفي هذا العالم, وفي هذا الوجود الكبير الضخم, المليء بمئات الطوائف والأديان, والفئات والدول والفِرق والأسماء.
فضيلة المرحوم الشيخ أمين طريف, ينضم لقائمة مبجلة من السادات والأولياء والأتقياء, الذين أرسلهم الله, سبحانه وتعالى, لرعاية هذه الطائفة وحمايتها والذود عنها, والمحافظة على كرامتها, وقد كان لكل شخصية من هذه الشخصيات, دور تاريخي مصيري في المحافظة على كرامة الطائفة, ففضيلة الشيخ أمين, وبمعاونة المشايخ والزعماء والوجهاء, وبعونه تعالى, حافظ على دروز هذه البلاد. والمشايخ المبجلون المرحومون, الشيخ أبو حسن عارف حلاوى, والشيخ ابو محمد صالح العنداري, والشيخ ابو ريدان يوسف شهيب, ومعهم فضيلة الشيخ ابو محمد جواد, أطال الله في عمره, حافظوا على إخواننا دروز لبنان في الحرب الأخيرة, والشيخ ابراهيم الهجري حمى دروز الجبل أثناء حروب إبراهيم باشا, والشيخ أبو علي قسام الحناوي ومعه مشايخ أتقياء حموا دروز لبنان في حوادث الستين, والقائمة طويلة, وهي تضم الشيخ علي الفارس (ر) والشيخ الفاضل (ر) والأمير السيد(ق) والشيخ زين الدين عبد الغفار تقي الدين(ر), وعدد كبير من كبار مشايخ الطائفة على مر التاريخ, رحمهم الله جميعا.
وإذا أردنا ان نتمعّن, في جوهر العلاقة بين رجال الدين والمجتمع الدرزي, على مر العصور, نجد ان جماعة الأجاويد, ولابسي العمائم المكوّرة, والعبي المُقلمة, لم تنقطع يوماً من الأيام من المجتمع الدرزي. وفي كل فترة من الفترات, كان هناك أب روحاني, يستظل بظله أبناء الطائفة,  يعتمدون عليه في اوقات الشدة, وكما نقول دائما, ينتفعون ببركاته. وهذا الشعور أكسب المجتمع الدرزي الحصانة والمناعة والقوة, على تحمّل الصعاب وتجاوز المخاطر والصبر على المحن والشدائد. والطائفة الدرزية ليست تلك الطائفة المدللة التي نعمت في حياتها بالرخاء والطمأنينة والأمن والإستقرار. بل بالعكس, هي طائفة تحمّلت كثيرا,ً وسطور تاريخها مليئة بالملاحقات والمطاردات والغزوات والمناوشات والحروب والمعارك والنضال. وقد صنعت حوادث الزمان من رجال الطائفة رجالاً, وقد ألهبتْ التعدّيات حماس شباب الطائفة وفتيانها. وقد أكسبتْ المشاكل والمحن نساء الطائفة, القوة والقدرة على الصمود بشرف أمام كل التعدّيات.  ولكن وفي كل وقت, أشعِلتْ فيه النيران على رؤوس الجبال, إيذانا للنجدة والنفير, وفي كل مرة, تجمّعت الفرسان على خيولها, تلهج بنشيد المعركة وتستعد للحرب والدفاع. وفي كل مرة, ارتفعت البيارق الشامخة, ترفرف فوق رؤوس الجموع المحتشدة للتضحية من اجل الكرامة,  وفي كل مرة قرعت طبول الحرب, ودقّت إيذاناً باقتراب الموقف الحاسم, والحدث الفاصل, في كل مرة, كان الله, سبحانه وتعالى, يوفر لأبناء هذه الطائفة الكريمة, شخصية دينية واحدة, أو أكثر, ترفرف فوق رؤوس الجميع, وتُسبغ من صفائها ومن ايمانها على رؤوس المحاربين, وتنعش نفوس الفرسان والأبطال, وتتعلق فيها آمال وأمنيات النساء والأطفال والشيوخ والمقعدين, بأن تكون, ببركتها, المعركة منتصرة, والقضية رابحة, وأن يُصدّ العدوان, وأن يندحر المهاجمون, وأن تظل راية هذه الطائفة مرفوعة شامخة في سماء هذه المنطقة.
ونحن نشكر الله ونحمده, انه  يسّر لنا دائما,ً هذا الرمز المعنوي الهائل, وبفضله وبحكمة الله, سبحانه وتعالى, كان النصر حليفنا, وكان الفوز بجانبنا, لأن الدرزي بحكم طبيعته ومذهبه وعقليته وتربيته, لا يتعدّى على أحد. وقد علّمنا شيوخنا وأسيادنا, وأوصتنا تعاليمنا, ان لا نردّ التعدي في المرة الأولى, وأن نصبر, لربما كان ذلك خطأ أو تسرعاً, او عن سوء فهم. وأن نتحمل الضربة الأولى, وأن نسمح ونصفح ونغفر, لكن اذا تكرر ذلك, فعلينا ان ندافع ونقاوم بكل قوتنا, لأننا ندافع عن الشرف, وعن الكرامة, وعن الأرض وعن الدين.
 وفي هذه الأجواء وفي هذه الظروف, كانت الصفوة المختارة من رجالاتنا, تنير لنا الطريق, وتوجّهنا, وتبعث فينا الأمل. وهذه الصفوة المختارة, هي التي بفضلها, وبعونه تعالى, ظلت راية الموحدين والتوحيد, ترفرف خلال الف سنة, في ذرى جبال لبنان, وفي جبل الدروز الأشم, وحول جبل الشيخ, وفي أعالي الكرمل والجليل.
وعندما يقف أحدنا في أعالي الكرمل, وينظر الى الشمال, يرى قمماً بيضاء من الكرامة, منها قمة جبل الجرمق وجبل الشيخ وجبل صنين وجبل الريان وجبل السماق, وعندما ينظر الى الشرق, يرى قمماً بيضاء ناصعة, هي تلك العمامات, التي تتوّج رؤوس فضيلة الشيخ امين وأمثاله من المشايخ الأجلاّء, وهم في طريقهم متوجهون الى الواحات...

والله ولي التوفيق...


سميح ناطور


دالية الكرمل
تشرين اول
2004

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.