spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 128
مكانة سيدنا شعيب (ع) مغروسة في نفوسنا
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144
العدد 143


 
الشيخ ابو صالح سلمان طريف " الكاتب " طباعة ارسال لصديق
1647-1569

بقلم الأستاذ الشيخ عبداللة طريف

الشيخ ابو صالح سلمان طريف الكاتب من الأعلام الذين عاشوا في بلادنا قبل مئات السنين وتركوا أثراً دينياً أدبياً رائعاً ما زال متداولاً في خلواتنا ومذاكراتنا حتى اليوم وهو (المجراوية) وهي الملحمة الدينية البطولية التي يطرب لسماعها المؤمنون في أيام عيد الأضحى المبارك.
ولد الشيخ سلمان بحاصبيا عام 1569 حيث كان آل طريف يسكنون هناك قبل انتقالهم للسكن في قرية جولس.  وكان والده الشيخ حسن وجيهاً من وجهاء العائلة آنذاك وواحداً من أعيان حاصبيا وعُرف عنه انه رجل دين وتقوى مخلصاً في خدمة الموحدين وعمل جاهداً لفض الخلافات وإزالة سوء التفاهم بين الإخوان. وقد سكن في الناحية الجنوبية الشرقية من حاصبيا على الطريق الموصلة للبياضة الزاهرة. عمل الشيخ حسن بالزراعة وكان مجتهداً وقد وفّقه الله وأدرّت عليه زراعته غلالا وافرة. فكان يكرم بكميات كبيرة من محاصيله الزراعية. وقد تحوّل بيته الى مقر لاجتماع الإخوان. وفي تلك الفترة كان أفراد من عائلة ماضي يسكنون بجوار بيت الشيخ حسن في حاصبيا وكان لعائلة ماضي فرع يسكن في قرية جولس في الجليل. ومع الوقت حصلت مصاهرة بين العائلتين وتعرّف آل طريف على آل ماضي في جولس. وعندما وُلد الطفل سلمان ابتهج به والداه وتكرّرت زيارات الأصدقاء والمعارف للمباركة بالمولود الجديد. ومن بين المباركين كان بعض أفراد عائلة ماضي الذين يسكنون في جولس.
نشأ الصبي سلمان في بيئة دينية محافظة وحظي برعاية واهتمام من قبل والديه خاصة والدته التي ذُكر عنها انها رفضت إدخال ثمن اي بضاعة خارجية  لبيتها ولذلك ترعرع ذلك الصبي على اكل الحلال. وقامت أمه بمنحه الرعاية التوحيدية وعوّدته الجلوس متربعاً وتناول الطعام باليد اليمنى والبسملة قبل البدء بأي عمل. واشترك الوالد كذلك في تربية الطفل فكان يشاركه في مجالسة اخوان الدين في الديوان والإستماع الى أحاديثهم ومداولاتهم. وعندما بلغ السادسة من عمره قرر والده ان يتعلم عند أحد المشايخ الأتقياء هو الشيخ سليمان غرز الدين الذي كان ضليعا باللغة العربية وقواعدها وآدابها. وقد كان الطالب سلمان ذلك الطالب النجيب الفطن المحب للقراءة والمطالعة والتعلم وكان من أقدر الطلاب عند ذلك المعلم النابه. وبعد فترة أخذ الطالب سلمان بحفظ كتاب الله الشريف. وقد قطع بذلك شوطاً كبيراً وتعكّر صفوه بسبب وفاة معلمه الأستاذ الشيخ سليمان. وقد تأسّف الطالب لفراق معلمه لكنه تمسّك بأصول الدين وتحلّى بالصبر والسلوان وقرر ان يستمر بحفظ المعلوم الشريف ودراسة قواعد اللغة العربية وأصولها بدون معلم ومعوضا عنه بكثرة المطالعة في الكتب التي كانت متوفرة بعهده. وفي هذه الفترة قام بتعليم أخيه الأصغر خير اصول اللغة العربية وآدابها.
وفي عام 1584 وعمر سلمان خمسة عشر سنة وقعت قضية الإعتداء على القافلة السلطانية العثمانية في شمالي لبنان والتي اتُهم بها الدروز جوراً فوقعت قلاقل في منطقة حاصبيا واضطر عدد كبير من السكان الى ترك بيوتهم وقراهم بسبب مطاردة السلطات لهم وكان من بينهم الشيخ حسن طريف وعائلته فقد تركوا حاصبيا ولجأوا الى أنسبائهم وأقربائهم آل ماضي في جولس. وبعد فترة عاد الشيخ حسن الى حاصبيا وباع أملاكه وقرّر الإستقرار نهائيا في قرية جولس عند أنسبائه آل ماضي. وفي جولس امتلك الشيخ حسن بعض الأراضي وبذل جهدا كبيراً لإستصلاح الأرض واستنبات الارض وإستخراج الخضرة والفواكه منها. وكان استقبال أهل جولس للعائلة مليئا بالحفاوة والترحاب. واندمجت العائلة رويداً رويداً مع السكان ولاحظ الشاب سلمان الذي بلغ السادسة عشرة من عمره والذي كان قد تطلع كثيراً في الدين أنه لا توجد خلوة في القرية وأن الصلاة تُمارس في البيوت فأخذ يحث الناس على إقامة صلاة الجماعة في بعض البيوت. وأخذت مواهبه الدينية تبرز وتظهر وقد بنى شبه خلوة. وفي هذه الأثناء بنى الشاب سلمان بمساعدة والده بيتاً له فيه ثلاثة قناطر وعُقد قرانه على إبنة عمه سارة من حاصبيا وحضر وفد من حاصبيا والعبّادية من افراد عائلة طريف واجتمعوا في البيت وقرروا إطلاق لقب شيخ على الشاب سلمان. وبعد فترة أكرمه المشايخ بتلبيسه العباءة الحمراء.
زاد الشيخ سلمان من تعمقه في الأمور الدينية وحفظه للرسائل التوحيدية وإطّلاعه على كافة المخطوطات النفيسة القديمة. وخلال سنوات أصبح حجة وعلاّمة وقد قام بعمل فريد من نوعه هو كتابة المجراوية. هذه الملحمة التي تتحدث عن عملية الثواب والعقاب والتي تحكي للمستجيبين ماذا سيحدث لهم في المستقبل. وانتشرت المجراوية في أوساط الموحدين الدروز وأخذت تُتلى في أعياد الأضحى ويجتمع حولها المشايخ والمؤمنون وارتفع اسم الشيخ سلمان كمؤلف لأثر ديني كبير وذي تأثير في أوساط الطائفة.
وفي الك الفترة عاش في منطقة حاصبيا علامة ورجل تقى وديانة انتشر اسمه في الآفاق هو الشيخ الفاضل (ر) وكان مرجعاً ومقصداً لطلاب الدين ولكبار المؤمنين من كل حدب وصوب. وقد رغب الشيخ سلمان في مقابلة الشيخ الفاضل والاجتماع به فقام بالسفر اليه حاملا في جيبه نسخة من المجراوية بخط يده. وكان لقاءً حارّاً بين الشيخين الكبيرين وسمع الشيخ الفاضل المجرواية وباركها وأثنى عليها وشكر الشيخ سلمان على تأليفها. واستمر اللقاء عدة ايام اجتمع فيها الشيخ سلمان بكبار مشايخ حاصبيا وأهلها كما التقى بأهله واقاربه من آل طريف الذي ظلوا يسكنون مدينة حاصبيا.
وبعد سنوات عزم الشيخ سلمان على القيام بزيارة اخرى للشيخ الفاضل ر فكتب بخط يده مخطوطة تضم النصوص التوحيدية وكان خطه رائعا جميلاً ونادر الوجود مثله وحمل الكتاب ووصل الى قرية شوية ودخل على منزل الشيخ وصحبه وابتهجوا به ولما قدّم هديته للشيخ تفرّس فيها وأعجب فيها وبالخط الغير عادي وبالشكل الأنيق وبالمنظر الخلاّب فأثنى على الشيخ سلمان وقال أمام الحاضرين انه يُطلق عليه من الآن وصاعدا لقب الشيخ الكاتب لجودة خطه وأناقته. مكث الشيخ سلمان حوالي الشهر في معية الشيخ الفاضل وبقية مشايخ المنطقة ولما عزم على العودة أوصاه الشيخ الفاضل أولا بحفظ القرآن الكريم وثانيا بناء خلوة للصلاة وترك الصلاة في البيوت. في أحد الأيام كان يقرأ أمام المشايخ قصة النبي صالح (ع) فوصله خبر ان زوجته وضعت طفلاً ذكرا معافى فأطلق عليه اسم صالح. وهنا أصبح من غير اللائق ان تتم صلاة الجماعة في البيت فسعى الشيخ سلمان الى اقامة الخلوة في مبنى روماني عتيق قريب منهم.
وارتفع اسم الشيخ سلمان في اوساط رجال الدين وكان الشيخ الفاضل يقوم بتنظيم ندوات دينية يجري فيها مناقشة بعض المسائل والأمور المذهبية فقرر ان يدعو الشيخ سلمان الكاتب لحضور هذه الندوات للإدلاء برايه فكان الشيخ سلمان يترك الخلوة في عهدة مشايخ الخلوة ويغادر الى شوية للإشتراك في مجالس الشيخ الفاضل (ر). وقد آن للرفاق ان يفترقوا فكانت هذه سُنّة الحياة حيث انتقل في احد الأيام الشيخ الفاضل الى جوار ربه وكان الشيخ سلمان الكاتب حاضراً الوفاة فاشترك في الجنازة ومراسيم الدفن وظل حوالي الشهر يتقبل المعزين ويواسي الأهل والأقارب ورجال الدين. ولما عاد الى جولس كتب على نفسه عهدا أن يقوم بتدوين كل ما سمعه وشاهده من نصائح وتعاليم الشيخ الفاضل وكل ما ذكره من أسئلة وأجوبة وعُقد وحلول وأقوال مأثورة وحِكم وأمثال تفوّه بها فضيلة الشيخ الفاضل.
وقد انتقل الشيخ ابو صالح سلمان الكاتب الى جوار ربه عام 1647 ودُفن في المقبرة الشمالية لقرية جولس وقد حصل التباس تاريخي مع الوقت فقد اعتقد البعض ان قبره موجود في قرية حاصبيا وهو هناك يُنار ويُضاء والحقيقة ان القبر الموجود في حاصبيا هو قبر أخيه الشيخ خير الذي صدف وأسلم الروح أثناء احدى زياراته لحاصبيا فقرروا دفنه هناك.
 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.