spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 93
جـمـــعــيـات درزيـــــــة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144
العدد 143


 
الدروز والطوائف الأخرى في البلاد طباعة ارسال لصديق
بقلم الدكتور اكرم حسون
تضم خريطة القرى الدرزية في لبنان وسوريا وإسرائيل, مئات القرى والمدن, التي تضم الدروز وطوائف أخرى متعددة . وما يميز القرى والمَواطن الدرزية, هي تواجدها كلها تقريبا في الجبال, ومنها في أماكن شاهقة من هذه الجبال, ويعود ذلك إلى الحياة الغير مستقرة, التي عاشها الدروز خلال تواجدهم الطويل, حيث مرت عليهم ظروف وتطورات, طوردوا ولوحقوا فيها, من قبل الحكم أو من قبل فئات مختلفة من السكان, على خلفية مذهبية, أو قبلية, أواقتصادية او غيرها. وقد حاول الدروز, الإنزواء والإبتعاد عن الطوائف والشعوب الأخرى, كي يستطيعوا ان يعيشوا حسب مبادئهم ومعتقادتهم, بدون مطاردة او ملاحقة او تدخل, ونجحوا بذلك الى حد ما, لكنهم لم يكونوا معزولين كليا عن الآخرين. فهناك قرى مأهولة بالدروز فقط, وهناك قرى مختلطة. وقد سكن مع الدروز أبناء طوائف اخرى خلال عشرات ومئات السنين, وشعروا بينهم بالثقة والحماية والآمان, واستمتعوا بحرية دينية وأجواء صافية من حسن الجوار دائما.
 وفي عهد الأمير فخرالدين المعني الثاني, سادت المساواة التامة ولأول مرة في تاريخ الدولة الإسلامية, بين جميع الطوائف. فلم يفرق فخر الدين بين الدروز وغيرهم, وكانت نظرته الى الحكم نظرة علمانية محض, بحيث كان يختار الوزراء والقواد والمسؤولين, من بين أصحاب المواهب, بدون ان ينتبه لمذهب الشخص او طائفته.  وكان فخر الدين طبعاً على علاقات طيبة بالمواطنين السنيين والشيعة والمسيحيين واليهود, وقد امتد حكمه من شمالي لبنان الى ضواحي دمشق, الى مشارف العريش. وقد ضمّت هذه المساحات كل الطوائف, من يهود وشركس وبدو وأكراد, بالإضافة الى السكان المسلمين والمسيحيين. وحاول فخر الدين أن يطوّر الإقتصاد, وشجّع أصحاب الحرف والمهن. وكان الدروز في ذلك الوقت إقطاعيين, وقد تركّزوا في أمرين فقط, وهما الزراعة والقتال. وتركوا لباقي الطوائف عملية  التخصص في المهن والحرف التي يحتاجها المجتمع, وفسحوا لهم مجال العمل بالتجارة, التي سرعان ما تبيّن أنها تدر على العاملين فيها أرباحاً كبيرة. وهكذا نعِم ذوو المواهب والمبادرة من ابناء الطوائف الأخرى, بأوضاع اقتصادية مزدهرة, لأن الدروز كانوا منفتحين وذوي سماح وترفّع عن اي تعصب او تملك او تحكم بمقدّرات الدولة.
 وبعد فخر الدين المعني, انشقّ الدروز على أنفسهم, ودخلوا في حرب أهلية بلغت ذروتها في معركة عين دارا. وتقاتل الدروز مع الدروز, وفي الطرفين كان يوجد مؤيدون من جميع الطوائف. ولما تطور وكبر التواجد الدرزي في جبل حوران,  استمرت في العيش في الجبل قرى اسلامية ومسيحية وبدوية. وقد حكم الدروز كافة المواطنين, بما في ذلك كل الطوائف, ومنحوهم كافة الإمتيازات. وفي الثورة السورية الكبرى, كان سلطان الأطرش, قائدا عاما للثورة السورية, التي ضمت كل ابناء الطوائف.  وفي لبنان وضمن الحزب التقدمي الإشتراكي, اصر كمال جنبلاط على انتهاج العلمانية, وشجع اشتراك وانضمام ابناء كل الطوائف في الحزب التقدمي الاشتراكي. وفي عهد الانتداب كانت تربط الدروز في اسرائيل علاقات ود وتعاون وأخوة مع المواطنين المسلمين والمسيحيين واليهود. وفي سوريا ولبنان, ظهرت علامات كثيرة لإمكانية قيام أطر اقتصادية وثقافية وعسكرية وسياسية تضم كافة الطوائف. ولم يكن الدروز ولا في اي مرة متعصبين او فئويين إلا اذا فرض عليهم الطرف الآخر ذلك.
وإذا استعرضنا التاريخ الدرزي الشامل نجد أن أكثر تعاون للدروز في المجمعات الدرزية كان مع المواطنين المسيحيين.
وقد عاش الدروز والمسيحيون في الشرق الأوسط, وفي البلاد بصورة خاصة, بتفاهم ووئام وحسن جوار, منذ حوالي ألف سنة, ما عدا فترات أو حوادث قليلة في التاريخ, كان فيها تصادم بين الطرفيْن. فمعظم الفترة تمتاز بالتعاون المثمر والجوار الحسن. ففي حين حصل بعض التنافر في بعض الأماكن بين المواطنين الدروز والطوائف الاخرى, بسبب إنتماء او عدم انتماء الدروز الديني, لم يكن هذا وارداً مع المسيحيين. وقد نشأ الدروز في لبنان وفي اسرائيل, وبجوارهم أقلية مسيحية دائما,ً فهناك قرى درزية كل مواطنيها من الدروز, وإذا وُجدت قرى مشتركة فإنها مشتركة بين الدروز والمسيحيين على طوائفهم المختلفة. وفي عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني, كان أول حاكم منذ تأسيس الإسلام وحتى عصره في المناطق العربية, قد أعطى المسيحيين واليهود حقهم مثل كافة المواطنين. ومنذ حكم الدروز لبنان في القرن العاشر وحتى القرن التاسع عشر, فتح الدروز إمارتهم وأرضهم وبيوتهم للمواطنين المسيحيين الكاثوليك الذين طوردوا من قِبل المسيحيين الاورثوذكس في الامبراطورية البيزنطية في تركيا والشمال في حينه. والدروز بطبيعتهم, يحمون الطريد والضعيف واللاجئ, ويقدّمون له كل مساعدة, لذلك رحّبوا باللاجئين المسيحيين, الذين نزحوا مع الوقت من الشمال واستقرّوا في لبنان. وقد قدّم فخر الدين الاول وبعده فخر الدين الثاني, الأراضي لرجال الدين المسيحيين لبناء الكنائس والأديرة.
 وكان الدروز مكوّنين من عائلات اقطاعية, كل همها هو الحرب والدفاع عن الوطن وعن الطائفة. ومن أغلبية درزية من الفلاحين, الذين كان كل همهم الزراعة والحرب عند الحاجة. وقد جاء المسيحيون وعملوا في الإمارة الدرزية في مهن مثل النجارة والحدادة والصياغة والصناعات الخفيفة. لذلك لم يكن هناك تنافس او صراع, فأكمل الواحد الآخر مما رسّخ جذور المسيحيين في المنطقة. وفي منتصف القرن التاسع عشر, وبعد ان تنكّر بشير الشهابي الذي تولى الحكم كدرزي وبإسم الدروز، تنكر للدروز وقضى على زعامتهم, ورسّخ جذور المسيحيين في البلاد, ومنحهم الصلاحيات والنفوذ, فاحتدم الصراع بين الطائفتين, ووقعت مذابح الستين التي راح ضحيتها آلاف القتلى من الطرفيْن. ويشهد التاريخ ان عشرات الشخصيات الدرزية المرموقة, آوت في بيوتها عائلات مسيحية وأنقذتها, فالصراع لم يكن بين الدروز والمسيحيين, بل كان بين الدروز وفئة متسلطة متعنتة من رجال الدين المارونيين, الذين حصلوا على دعم كبير من الإرساليات الأجنبية, وخاصة من عملاء فرنسا في لبنان. وبعد ان هدأت الأمور, استمرت الحياة أكثر من قرن كامل, حتى جاءت حرب 1982 مع نفس العناصر ونفس القوى ولنفس الأسباب.
 وفي بلادنا, عاش المسيحيون في كنف الدروز في عدة قرى مثل البقيعة، حرفيش، كفر سميع، المغار، أبو سنان، عسفيا، وشفاعمرو. وقد نعموا بحياة هادئة رتيبة ناعمة مع المواطنين الدروز, ولم يحصل في يوم من الأيام اي حدث على أساس طائفي, فلربما وقعت أحداث على مستوى شخصي هنا وهناك, لكن أحداث كهذه تقع بين الدروز أنفسهم . وفي قريتي كفر ياسيف والرامة عاش ويعيش الدروز كأقلية في ظل أكثرية مسيحية. وهنا كذلك يعيش الدروز باحترام مع جيرانهم المسيحيين. وفي عام 1948 حزم سكان البقيعة وكفر سميع المسحيون, أمتعتهم ليهاجروا الى لبنان. لكن الدروز وقفوا وقفة بطولية أمامهم, وقالوا أو نبقى كلنا او نهاجر كلنا. وبفضل الدروز ظل السكان المسيحيون في قراهم, وهكذا حدث في الرامة وكفر ياسيف وباقي القرى التي يسكنها مسيحيون, بينما هُجّرت قرى مسيحية وإسلامية كثيرة حولهم. ومن بين الذين تركوا قراهم, فقد لجأ قسم من المسيحيين من قرى لا يسكنها دروز الى بيوت درزية, واحتموا فيها وظلوا فيها حتى هدأت الأمور . ومن هذه القرى مثل عيلبون وكفر كنا والناصرة وغيرها.
 وبعد قيام الدولة, استمرت العلاقات الأخوية بين السكان من الطرفين, وكذلك بين الزعامات الدينية, فقد كان فضيلة المرحوم الشيخ امين طريف, إنساناً ذا آفاق واسعة, وأخلاق عالية, ينظر بالرحابة والتفكير السليم الى كل الأمور الخارجية, ومنها الطوائف والأديان الأخرى. فبقدر ما كان متعمّقاً ومتبحراً بالمذهب الدرزي, كان إنساناً منفتحاً ومتطوراً ومتسامحاً بالنسبة للآخرين. وقد اجتمع خلال حياته طوال الوقت, بالمطران حكيم وباقي المطارنة ورؤساء الطوائف المسيحية في البلاد, وقد قاموا بزيارته وزيارة مقام النبي شعيب عليه السلام, وشاركوا في كافة المناسبات الدرزية. وقد استمر بهذا النهج فضيلة الشيخ موفق طريف, فهو صديق لكافة الرؤساء الروحانيين في الطوائف المختلفة, يدعوهم في كل مناسبة ملائمة ويشترك معهم في مناسباتهم. وقد كان من الذين استقبلوا قداسة البابا, عندما زار البلاد قبل سنوات. ونشاهد عادة وفداً كبيرا من رجال الدين المسيحيين, يشاركون الدروز في احتفالات عيد النبي شعيب عليه السلام. وهذا أمر يبعث على الإرتياح والإطمئنان, وفي نفس الوقت يقوم فضيلة الشيخ موفق طريف, بترأس وفود من المشايخ, لتهنئة رؤساء الأديان المسيحية في الأعياد المسيحية المختلفة. وهذا التعاون يفسح المجال لحوار ديني وثقافي مثمر بين جميع الطوائف وجميع الأديان. وفي عدة مناسبات غير درزية, يُدعى فضيلة الشيخ موفق, ليشارك مثله مثل باقي رؤساء الطوائف في مؤتمرات وفي احتفالات يشترك فيها الجميع. وقد قام كذلك فضيلة الشيخ موفق بتمثيل الطائفة الدرزية, في مؤتمر عالمي للأديان عُقد في كوريا الجنوبية في تموز  2003 وهناك وقف صفاً واحداً مع كافة رؤساء الأديان في العالم ودعوا للتفاهم وللسلام واشترك كذلك في مؤتمرات عالمية في رودس والعقبة والقاهرة والقدس وغيرها. وفي مجال آخر يقوم ممثلان بارزان عن الطائفة, هما الشيخ سميح ناطور والأستاذ علي بيراني بالإشتراك الفعال والمستمر في نشاطات الجمعية العالمية متعددة الأديان للتفاهم بين الشعوب. فهما يمثلان الطائفة في مؤتمرات دولية تُعقد في أماكن مختلفة من العالم, ويستقبلان بشكل مستمر وفوداً عالمية تضم شخصيات بارزة من مختلف الطوائف, وخاصة من الطوائف المسيحية, فيزورون مقام النبي شعيب عليه السلام, ومقر الطائفة الدرزية, وقرية دالية الكرمل, ويطلعون على أحوال الدروز في البلاد. وعندما فُتح هذا الباب تحوّل الحوار من حوار درزي مسيحي في البلاد الى حوار على مستوى عالمي. فكثيرون اليوم ونتيجة للمؤتمرات العالمية, يعرفون الكثير الكثير عن الطائفة الدرزية.
ويمكن إجمال القول, ان المذهب الدرزي يدعو الى التسامح والتساهل والتفاهم مع جميع الطوائف, وهناك شخصيات دينية يهودية واسلامية ومسيحية مرموقة, تتمتع بقداسة عند المؤمنين الدروز, وتحظى بالتبجيل والتقدير والإحترام, وتشكل جزءا من التراث الشعبي الديني عندهم ومنها انبياء واولياء صالحون.  
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.