spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 109
تاريخ عسفيا
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 148
العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144


 
كلمة العدد: أولائك الذين، نسمح لأنفسنا أن ننام، لأنهم طباعة ارسال لصديق

أولائك الذين،
 نسمح لأنفسنا أن ننام،
لأنهم دائما علينا ساهرون


جاء في كتاب مذكرات، فضيلة القاضي فارس فلاح، "دواليب الحياة" الذي صدر عام 2005، حدث بسيط، لكن له أهمية تاريخية كبيرة، حيث يقول الأستاذ فلاح :" في سنة 1949 كنت أشتغل مع أهلي في الزراعة في أرضنا، وكانت سيول اللاجئين تنساب على مرأى مني في الخلة المجاورة، وطريقها إلى لبنان وسوريا. وصدف أن تواجدت في الجهة الأخرى، ثلة من الجيش الإسرائيلي في طريقها للقرية، ويظهر أن النازحين رأوا الجيش، وإذا بنا نشاهد شخصاً مع ابنته يقترب منا، وإشارات الرعب بادية عليه. وكان شخصاً وسيما، يرتدي البنطلون، وذلك إشارة في ذلك الوقت، أنه موظف، أو مسئول، أو متعلم، أو صاحب مركز، فقال: دخيلكم، احمونا، فإذا مسكني الجيش وعرفني فسيعدمني !!" أخذ والدي رأساً المنكوش من والدتي، وأعطاه إياه وكأنه يشتغل كواحد من أفراد الأسرة. ثم دعانا الوالد جميعاً تحت شجرة، لنشرب الماء، فقال الضيف اللاجئ : أرجو أن أمالحكم، أي أن آكل بعض الخبز معكم، فإذا مسكوني، فهذه ابنتي تكون ابنتكم، وديروا بالكم عليها". وفعلاً أكل قطعة خبز، ونحن كذلك، ومضى بعض الوقت، وانصرف الجيش، وشعر الضيف بالراحة والطمأنينة، وقال:" أشكركم يا شيخ، وقد أنقذتم حياتي. مَن قال إن الدروز خونة ؟!! أنتم أشراف، أنتم إخوان مخلصون، وأنا متوجّه إلى الشام، وسأخبر الهيئة العربية العليا بما حدث. اسمي (على ما اذكر) أبو العبد عبد الكريم، من سيلة الظهر. صافحنا جميعاً، وعانق والدي، وتابع مسيرته مع ابنته."
عشرات ومئات القصص والحوادث والروايات، تحكى وتروى وتنتقل من دور إلى دور، مآثر ومناقب وتصرفات وأعمال المواطنين الدروز، التي تشير إلى نبلهم وأخلاقهم وبِرّهم وإحسانهم وأعمالهم المجيدة. الدروز طائفة كريمة شجاعة مقدامة سخيّة نقية طاهرة كمجموعة، والدرزي يحمل كل هذه الصفات كفرد، ولا نقول هذا الكلام، لنزيد من فخارنا، ولنضيف صفحة أخرى إلى أمجادنا، نقول هذا الكلام، لأننا نقول الحقيقة، والواقع، والمعترَف به، والمسلم به، والشائع بين الناس، وبين الجماهير اليوم، وفي السابق، وفي كل زمان ومكان. الطائفة الدرزية تعمل الخير مع الغير، وتتقبّل الصفعة بالبسمة، لأنها واثقة من نفسها، ولأنها قادرة على التصدي، وعلى الردع، وعلى دفع كل عدوان. الطائفة الدرزية تسارع إلى العون والدعم والمؤازرة، ولا تفكّر بثواب أو منحة أو جائزة، أو أي رد. هي تعمل ما ينبع من ذاتها، وما ينبثق من كيانها، وما ينطلق من وجودها، وما يتسرب من مكنوناتها، وما تشعر وتحس به، أنه هو الحق، هو الواجب، هو الصحيح، هو المقبول، وهو المفروض به أن يكون.
وأنا أكتب هذه الكلمات، وهذه الأوصاف، وأرى علامات التعجب والدهشة والاستغراب، وربما ضحكة هازئة ساخرة، على وجه بعض مَن يقرأ هذه الكلمات، ولسان حاله يقول : ألا يكفينا ما نحن به من وحل كطائفة، وما نعاني منه من رذائل، حتى يأتينا بهذه الكلمات!
أجل قارئي
اعلموا إن ما قيل هنا هو الحقيقة، وهو الصحيح. لأن واقع الحياة، وحقيقة الأمور هي أشياء نسبية، وليست معطيات علمية. واقع الحياة هو كيف ننظر إلى الحياة، وكيف نشاهدها، وليس كما هي بادية للعيان. يمكننا أن نأخذ كمثل، صورة عشوائية مجردة:
 مثلاً، امرأة محتشمة واقفة على قارعة الطريق تنتظر شيئاً ما.
 هناك المتشائمون الذين يقولون، ماذا تفعل هذه المرأة لوحدها على الطريق، لا بد أنها امرأة سيئة.
 وهناك من يقول، ألا يوجد لهذه المرأة من يحميها ويرعاها فيتركها هكذا؟
 وهناك من يقول،  لا بد أن هذه المرأة تعاني من مأساة ومشكلة معينة ويجب مساعدتها.
 وهناك من يقول، هذه امرأة فاضلة، تخرج مبكرا للعمل لكي تطعم أولادها.
 وهناك من يقول، إنها امرأة متحررة، باستطاعتها أن تقوم بواجبها نحو المجتمع.
 وهناك من يقول، إن الحياة أصبحت فوضى، فقد كانت النساء تقبع في البيوت، وهي الآن مشاع على قارعة الطريق.
 هكذا، نجد في الغالب، عدة تعليقات وتفسيرات، لمنظر واحد ثابت لا خلاف عليه. إذن الحياة ليست كما هي، إنما كيف نراها. وكل طائفة، وكل قرية، وكل مجتمع، وكل فئة،  قد تجد فيها ما لذ وطاب، وقد تجد ما ساء وعفن  وتخجل منه. ليس هناك في مكان ما في العالم، مجتمع كله فضائل، أو مجتمع كله رذائل. الفضائل والرذائل موجودة في كل مجتمع بنسب مختلفة.
وإليكم مثل آخر،
نشاهد أن العشرات من شبابنا وشاباتنا، يسافرون إلى القاهرة أو إلى باريس أو إلى نيويورك.
 منهم من يذهب لمشاهدة الأماكن السياحية والمناظر الخلابة والمؤسسات العامة.
منهم من يرتاد المسارح والحفلات الغنائية، ويركض وراء نجوم السينما والطرب ويستمتع بهم.
 منهم من يبحث عن المتاحف والمكتبات والمؤسسات الثقافية والصالات الفنية الراقية.
 منهم من يركض وراء المتاجر والبضائع والمشتريات الملابس والأدوات الكهربائية.
 ومنهم يبحث عن أشياء أخرى، لا نرغب في ذكرها في هذا المكان.
نعم، نفس البلد، نفس الموقع، نفس المكان،
 ولكل إنسان هدف آخر من التوجه إلى هذا المكان.
والنتيجة التي نصل إليها هي أنه لا يوجد في الكون شيء ثابت، بل الكل متحرك، والكل متقلب، والكل متغيّر. وإذا أردنا أن نقيّم الأمور، علينا فقط أن ننظر أولا وأخيراً إلى أنفسنا. ففي قرارة أنفسنا تفسير وتعليل وتقييم وتحكيم وتبرير لكل وضع ولكل موقف. فإذا أردنا أن نبحث عن الخير في مكان ما نجده حالاً، وإذا أردنا أن نبحث عن الفضيلة نعرف كيف نلقاها، وبالطبع بإمكاننا أن نجد الأشياء الأخرى التي لا نريد ذكرها.
 ومن يقول إن أوضاع الطائفة الدرزية اليوم هنا، أو في لبنان، أو  في سوريا، هي بائسة متدهورة فاسدة، فالبؤس والتدهور والفساد هو في نفسه وعقله وتفكيره وأهوائه. ونحن نكرر ونقول، إن فساداً ما، وتدهورا ما، وأمورا سلبية أخرى موجودة في مجتمعنا،وهي بحاجة ماسة لمعالجتها والتغلب عليها، وسنقوم في المستقبل بعرضها وتحليلها بشكل علمي منطقي موضوعى وليس بشكل  غوغائي تهجمي انتهازي، فنحن مجتمع ككل المجتمعات، وفينا كل شيء، ولا يمكن أن نكون غير ذلك، لأن هذه هي طبيعة الحياة. لكن يترتب علينا، أن نقيس الأمور ونحكم عليها، بالعقل والمنطق والتفكير والتروّي والاتزان والهدوء، وبدون مطامع أو مقاصد أو إساءة تصرف أو تفكير. فنحن إذا نظرنا إلى أي ظاهرة من حياتنا، نستطيع أن نفسرها كما نشاء، لكن هذا لا يدل على واقعها وماهيتها. فإذا أخذنا موضوع المثقفين في مجتمعنا، فهناك من يقول إن الثقافة معدومة عندنا، وإن المتعلمين منجرفون وراء السياسة والجشع والحصول على المناصب وجمع الأموال وغير ذلك. وهناك من يقول إن المثقفين يتغاضون عن دورهم في قيادة المجتمع وفي النهوض به إلى الأمام، وما أسهل علينا أن ننتقد، وأن نعارض، وأن نهزأ وأن نحطم، ونحن بطبيعتنا فئة ناقدة ساخطة، على الأقل القسم الصارخ فينا. والحقيقة هي أن ما يسمى جمهور المثقفين يضم،
 عشرات الأطباء الناجحين، الذين يديرون أقساما كاملة في مستشفياتنا، في منافسة شديدة مع الآخرين.
وهذا يضم عشرات ومئات القضاة والمحامين المنتشرين في الأجهزة القضائية في البلاد، ويقومون بواجبهم على أكمل وجه،
 وهذا يضم عشرات ومئات المهندسين، في البناء الكهرباء التغذية والإدارة والصناعة وغيرها من الفروع، يديرون شركات ويعمّرون هذه البلاد.
 وهذا يضم عشرات ومئات الضباط الذين شقوا طريقهم العسكري بشجاعة وجدارة، وحصلوا على ثقافة جامعية أثناء قيامهم بواجبهم.
 وهذا يضم مئات المدراء والمعلمين والأساتذة، يثقفون الأجيال الصاعدة ويؤهلون الكوادر العلمية الجديدة.
 وهذا يضم الأعداد الكبيرة من أصحاب المهن الأخرى، يقومون بواجبهم خير قيام. ونحن عادة لا ننتبه إلى معلم دخل الصف، أو طبيب أجرى عملية، أو محام رافع في قضية، أو مهندس بنى جسراً، لا ننتبه إلى عشرات السيارات ووسائل النقل، تسافر يوميا مئات الكيلومترات، وتنقل آلاف المسافرين إلى أماكنهم بسلام. لكننا ننتبه إلى معلم ضرب طالبا، أو إلى حادث طرق، أو إلى أي سلوك غير أخلاقي من قبل صاحب وظيفة أو مسؤول. هناك مئات المشايخ ورجال الدين، يسجدون ويصلون في الخلوات في الأمسيات المناسبة، لا أحد يذكر ذلك. لكن شذوذا واحدا من لابس إحدى العمائم، يصبح حديث الناس، وحديث المجتمع. وإذا صدف وتناقلت الناس بعض الأخبار عن بعض الناس، وما أسرع انتقال الخبر السيئ، عندها يتبادر للأذهان أن المجتمع فاسد، وأن الصورة قاتمة، وأننا في انحلال رهيب، وفي تدهور كبير، وهذا ليس صحيحاً.
 هناك للأسف الشديد من يسمح لنفسه، أن ينتقد دائماً وأن يعطي صورة قاتمة عن مجتمعنا،لأنه يطمع في الوصول إلى منصب ما فيه مسؤولية، أو لأنه يريد أن يغيّر الشخص المسؤول، وكأن هذا الشخص هو السبب في كل الانحلال الذي يدعيه. والخطر الكامن في تصرف كهذا، ليس في الصراع بين هذين الشخصين، فكل إنسان موجود في موقع مسؤولية، معرض للنقد الشديد، والتهجم اللاذع. الخطر في رؤية الأمور بالسواد، كامنة في النشء الجديد، وفي الأجيال الصاعدة، الذين ينتبهون إلى العالم حولهم فجأة، وبدون تهيؤ. فإذا سمع أحدهم مسؤولا يقول، إن كل شيء فاسد، وكل شيء قاتم، فهذا الشاب الجديد، قد يقول لنفسه، طالما كل شيء فاسد في هذا العالم، فلماذا أحافظ أنا على النقاوة والاستقامة والسلوك الحسن، فالجميع يسرق فلأسرق، والجميع ينحرف فلأنحرف، والجميع يغطس في الرذيلة، فما أطيب الرذيلة. هذا هو الخطر، وعلى الذين يروّجون بيننا، لمطامع بأنفسهم، أن الحياة سوداء، عليهم أن يعرفوا أي مسؤولية تقع على عاتقهم، وأي خطر كامن في أقوالهم، عندما يفعلون ذلك.
ومن هذا المنطلق نقول ونكرر ما قيل شعرا
كن جميلا ترى الوجود جميلا،
 فالحياة هي جميلة جدا،ً ونحن نعيش هنا، وفي جبال الشوف، وفي جبال حوران، بنعمة كبيرة، وبراحة تامة، وبأوضاع مريحة، والحمد لله. ولكي نعزز ونقوي هذه الأوضاع، علينا أن نروض أنفسنا، لعمل الخير، ولتحسس الخير، وللبحث عنه في كل مكان. وهذا لا يتطلب منا جهداً كبيراً، فنحن طائفة معروفية، لها مبادئ، ولها عادات، ولها تقاليد. وما دفع اللاجئ عبد الكريم من سيلة الظهر، عندما شعر بالخطر، أن يودع ابنته، فلذة كبده، عند الدروز، هو شعوره ومعرفته، أن الدروز هم قوم نبلاء.
نعم،
 نحن قوم نبلاء، لأن هناك من يحمينا، ومن يرعانا ومن يراقبنا.
 نحن قوم نبلاء لأن عاداتنا وتعاليمنا توجهننا إلى السليم والصحيح والبريء والقويم والمفيد والنافع.
 نحن دائماً وأبدا مشمولون برعاية ربانية، فهناك أولياؤنا وأنبياؤنا ورسلنا، ساهرون على حمايتنا ورعايتنا والمحافظة علينا والاهتمام بنا وشد أزرنا. نعم، يمكننا أن ننام ونطمئن، أن هناك من يلوذ عنا ويدافع عن كياننا،لكن علينا عندما نكون في صحوة، أن ننظر إلى الحياة بعين الجد والمنطق والواقع والعقل والتفكير والاتزان. وطالما نحن نحاول أن نتصرف هكذا، فلا يمكن، أن يصيبنا ما أصاب إحدى العجائز في الإمبراطورية العثمانية.   
فقد روي أن السلطان العثماني سليمان القانوني،كان أعظم سلاطين بني عثمان وأعزهم شأنا، حيث بلغت الإمبراطورية العثمانية في عهده، أوج ازدهارها في النظام والحكم والقانون. وتذكر الروايات أن إحدى العجائز، دخلت عليه يوما، وادعت أن جنود السلطان سرقوا مواشيها، بينما كانت نائمة. فقال لها السلطان:" كان عليك أن تسهري على مواشيك، لا أن تنامي." فأجابته: "لقد اعتمدت أنك أنت الساهر، فنمت..."
 

وكل عام وانتم بألف خير ..


سميح ناطور
دالية الكرمل

آب
2007

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.