spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 120
الماء في التراث الدرزي
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144
العدد 143


 
عندما أغلق دروز الكرمل مركز حيفا طباعة ارسال لصديق
بقلم الشيخ ابو غالب حاتم قاسم حلبي

وقع عام 1947 شجار بين شباب دروز من قرية كفر سميع, وبين بعض أبناء الحاج خليل طه, من كبار وجهاء حيفا في ذلك الوقت, بالقرب من ساحة الحناطير في مدينة حيفا, وكانت هذه الساحة بمثابة المركز للمدينة,  وفيها السوق والمقاهي والحوانيت والأماكن الهامة, التي يرتادها الجمهور طوال الوقت. وكان الخلاف شديدا,ً واشترك به شباب من دالية الكرمل كذلك. وقد تمادى شباب حيفا بالشتائم والمسبات ولحق ذلك أنيباء الدروز ومعتقداتهم.  وكانت البلاد في تلك الأيام تفتقر الى السيارات والتليفونات, فلم يصل الخبر الى الكرمل إلا في ساعات المساء. وكان سكان دالية الكرمل وعسفيا يصادفون أحيانا,ً حينما كانوا يقومون بزيارة حيفا, بعض التصرفات الغير لائقة من بعض السكان, وبعض الملاحقات لكونهم دروز. وقد تراكم عند سكان القريتين تذمر ما من بعض الأوساط في المدينة. لكن هذه المرة الأولى, التي وصل فيها الوضع الى مسبّات وشتائم صريحة. ولهذا دعا المرحوم الشيخ ابو علي قفطان عزام حلبي, مشايخ القريتين للتشاور فيما يجب عمله, وتقرّر التوجه بجماهير غفيرة من القريتين الى مدينة حيفا في اليوم التالي, وفرض الوجود في مركز المدينة, لتلقين تلك الأوساط المشاغبة الدرس المناسب. وما أن بزغ الفجر, حتى لم تبقَ سيارة في القريتين, إلاّ ونقلت أكثر من طاقتها شبابا من دالية الكرمل وعسفيا, الى مركز مدينة حيفا. كان عمري آنذاك تسعة عشر سنة, وكنت من بين الشباب والوفود والجموع التي وصلت الى ساحة الحناطير وأثبتت وجودها فيها.  وقد شاهد السكان المحليون وأصحاب المحلات, جموع الدروز محتشدة, فلزموا جانب الصمت. واتفق وجهاء القريتين ان تظل الجموع مسيطرة في الساحة الرئيسية, الى حين توجّه وفد من المشايخ, ضمّ الشيخ قفطان حلبي، الشيخ ابو نواف سليمان حلبي, الشيخ ابو فوزي حسين حسون،والشيخ ابو علي قاسم حلبي, والشيخ ابو رجا يوسف نصر الدين، والشيخ ابو توفيق قاسم حلبي من الدالية والشيخ ابو حسين لبيب ابو ركن, الشيخ ابو كمال نجيب منصور, الشيخ ابو سعد حسين زاهر, الشيخ ابو فواز مهنا السابا وغيرهم الى ساحة الجرينة, وسط السوق الرئيسي بحيفا, بجانب جامع الجرينة الكبير, حيث كان يسكن توفيق بك ابو حمدان, قائد الكتيبة الدرزية في الجيش البريطاني. ولما وصلوا اليه, عرضوا عليه ما حدث, فأجرى اتصالا فوريا مع الشيخ نمر الخطيب, زعيم حيفا  فدعاهم الشيخ نمر الخطيب الى منزله, وخلال نصف ساعة, كان في استقبالهم, أمام منزله العشرات من زعماء حيفا, وبينهم رشيد بك الحاج ابراهيم، الشيخ أسعد ماضي، الشيخ عبد الرحمن مراد, الحاج طاهر قرمان, السيد انطون زهر, السيد يونس نفاع, الشيح حبيب قهوجي, السيد بطرس دلة, الحاج كمال الآغا والحاج خليل طه واثنان من اولاده. وبعد ان وقف الشيخ ابو نواف سليمان حلبي وشرح الحدث, إذ كان من بين الذين تعرضوا للملاحقة, فوقف الحاج خليل وأولاده يطلبون الإعتذار والمسامحة. ثم وقف كافة الزعماء من حيفا, راجين من مشايخ الكرمل, قبول الإعتذار واعتبار ذلك الحدث شيئا عابرا لن يتكرر. عندها تجلّت شهامة بني معروف, قفبل الوفد خاطر الزعماء, وهو في موقف قوة, وتصافح الفريقان مصافحة العفو والصلح, ودعا الشيخ ابو علي قفطان, حسب العادات المتبعة, زعماء حيفا لزيارة القريتين, وتناول طعام العشاء في ديوان الشيخ قفطان, واتُفق ان يتوجه في اليوم التالي, زعماء ومشايخ الكرمل, لتناول العشاء في بيت الحاج خليل طه.
وفي نفس الوقت, كانت الجماهير الدرزية مسيطرة في ساحة الحناطير, فأغلقوا الحوانيت والمقاهي, وتوقفت حركة السير, وتدخل البوليس, ليمنع ذلك, فقالت الجماهير لمدير البوليس, انه طالما لم يعودوا مشايخنا من اجتماعهم, فسنظل مسيطرين على الساحة وغيرها. وطلب الضابط تعزيز قواته, وبعد دقائق جاء الى الساحة, ضابط انجليزي برتبة عالية, يرافقه الضابط يحيى ياسين المشهور بقساوته في حيفا القضاء, ومعه فرقة جيش وشرطة. وصدف اني كنت واقفا بجانب الشيخ ابو سامي محمد كيوف, والشيخ ابو احمد صالح طربيه, وكان كل منهما يحمل عصا طولها حالي المتر, فرآهم الضابط البريطاني, وانتهرهم, وأمر جنوده بأخذ العصا منهما. فما كان من الشيخين ابي سامي وابي احمد, إلا ان رفعا عصيهما, وغارا على الضابط ومن معه دون وجل, مما اضطر الضابط وجنوده الى اللجوء الى دكان اسطفان الحاج وإغلاق الباب ورائهما, فسيطر شباب بني معروف سيطرة تامة على الموقف, ولم يجرؤ احد ان ينبس بكلمة واحدة, حتى جاء مشايخ القريتين, يرافقهم زعماء حيفا, وشرحوا للجماهير ما اتفق عليه من تفاهم وصلح, ووقف بعص زعماء حيفا, واعتذروا عما بدر من بعض السكان, في اليوم السابق, وقام زعماء الدروز, وأشادوا بموقف زعماء حيفا وعلى رأسهم الشيخ نمر الخطيب.
وهنا انقلب الموقف الى موقف فرح, فاصطفت الجماهير الدرزية, والى جانبها أعداد كبيرة من سكان حيف,ا وبدأ الدبك والحداء في الساحة, تحت قيادة  الأخوين, ابو كرم سلمان ابو حمود, وابو لافي يوسف ابو حمود, اللذين أتحفا الجماهير بالخطابات الحماسية والأناشيد الوطنية. وبعد ساعات من الجو الودي, عاد اهالي الكرمل الى قريتهما, دون ان يُعتقل اي واحد منهم.
 وفي اليوم التالي, أقيم احتفال كبير في بيت الشيخ ابو علي قفطان, واستقبل الوفد من حيفا, بحفاوة كبيرة, وألقيت كلمات الترحيب من وجهاء القريتين.  ودُعي الزعماء الدروز, لبيت الحاج خليل طه, وجرى هناك لقاء على جانب كبير من البهجة والسرور.
وقد نشرت الصحف في البلاد وفي البلاد العربية خبر هذا الحادث ولمّا أبلِغ زعيم دروز حلب عن تفاصيل الحادث وقف حالاً رهبة وإجلالا متقديرا لشجاعة اخوانه دروز الكرمل الذين أبوا ان يسكتوا على ضيم او تعدي او إجحاف بحق من حقوقهم.
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.