spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 2
عفيفة صعب تنال وسام الدولة اللبنانية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
كلمة العدد: ما زال ربط الفرس من اختصاصنا ... طباعة ارسال لصديق
ما زال ربط الفرس من اختصاصنا ...

 
كان أحد الأزواج, طامعا في طلاق زوجته, لغرض في نفسه, فرآها يوما  تصعد درجات سلم خشبي لتتناول شيئا,فاستغل الفرصة, وعندما كانت في وسط درجات السلم, وقف عند قاعدته وقال لها بلهجة ليس فيها أي شك: أنت طالق إن صعدت, وأنت طالق إن نزلت, وأنت طالق إن بقيت في مكانك, وهكذا أغلق أمامها كل الأبواب, ولم يترك لها أي حيلة أو منفذ لتظل في بيتها. لكنها كانت أذكى منه, فما كان منها, إلا أن رمت بنفسها فوقه, واحتضنته ساقطة وإياه على الأرض, حيث اضطر هو لأن يتحمل كل الضربة والثقل لكليهما.
وهذا الحل, الذي تفتق عنه ذهن تلك السيدة, التي تريد أن تستمر في حياتها باحترام, في تلك اللحظة الحرجة, يذكرنا بالقائد الكبير, الإسكندر المكدوني, الذي مر في طريقه, في أحد المعابد, وهناك اشتكوا أمامه, أنهم لا يستطيعون أن يفكوا عقدة معينة, بالرغم من المحاولات الكثيرة لذلك, فقال لهم أروني العقدة, ولما وقف أمامها, استل سيفه, وقطع العقدة, وأدى إلى فكها, كل ذلك أمام أعين رجال الدين المشدوهين, الذين لم يخطر على بالهم حل كهذا.
هذه الحوادث تدل أن هناك من يتصوّر له، أنه يستطيع أن يطبق على غريمه من كل الجهات، وأنه يمكن أن يضعه في نقطة استسلام، بحيث يسدّ أمامه كل المنافذ، كي يجعله يرضخ لإمرته أو يتراجع عن موقف له, أو ينفذ طريقة وسياسة لا يريدها. ولكن الله, سبحانه وتعالى, منح الإنسان بصورة عامة, والإنسان المؤمن بالله, بصورة خاصة, قدرة على التفكير الغير مألوف, وعلى الخروج من مواقف ومآزق, تبدو لأول وهلة, وكأنها ميؤوسة جدا.
والطائفة الدرزية, والحمد لله, عميقة الجذور بايمانها, وراسخة بعقائدها, ومتمسكة بتقاليدها، وهي مسنودة دائماً من الله, سبحانه وتعالى. ولذلك فقد استطاعت على مر التاريخ, ولكونها كانت ملاحقة ومطاردة ومهددة، استطاعت ان تخلق لنفسها, وسائل الدفاع, وطرق الحماية, وإمكانيات الردع, في اصعب الظروف, وأحلك الأزمان. ولهذا, ظلت قائمة وشامخة مؤمنة بطريقها, وواثقة من رسالتها, تسير في الدرب الذي كُتب لها, غير عابئة بما يخبّئه لها المغرضون, وما يحيك ضدها المتآمرون, وما ينويه لها المبغضون.
 واذا نظرنا الى التاريخ القريب والبعيد, نجد ان امبراطوريات شامخة, وعارمة, وواسعة, وكبيرة زالت من التاريخ, او أنها إنكمشت من دولة تهز العالم, الى مقاطعة صغيرة على الخريطة. ومن ينظر الى اليونان, وايطاليا, وألمانيا, وانجلترة, وفرنسا, والنمسا, وتركيا وغيرها, ويعود الى الوراء, يجد ان كل واحدة من هذه الدول, حينما كانت في أوجها, كانت من اقوى الدول, أما اليوم فهي دولة اخرى عادية منتسبة الى الأمم المتحدة. هذه الدول الكبيرة والمخيفة, التي كانت تملك اقوى الجيوش, وأكبر الأساطيل, وأغنى العتاد, وأزخر الثروات, هُزمت وضعفت وصغرت واضمحلت. وفي نفس الوقت, الطائفة الدرزية الضعيفة والصغيرة, وقليلة العدد, والقابعة في رؤوس الجبال, ظلت قائمة رافعة الرأس, وستظل, ان شاء الله الى الأبد. فقد ظلت هكذا بعقيدتها وايمانها, ولأن الله, سبحانه وتعالى, خصص لها دوراً هامّاً في تاريخ البشرية.
لقد مرت الطائفة الدرزية, في الألف سنة الأخيرة, بعدة أدوار, وعدة حالات, وعدة أوضاع, مختلفة ومتباينة ومتناقضة أحيانا, وبالرغم من كل ذلك, استطاعت أن تصمد في كل هذه الظروف, لأنها استطاعت أن تكيف نفسها, للبيئة حولها, وللجو الذي ساد في كل فترة.
 ففي أول عهدها, وبعد أن تقبل الدعوة آل عبداللة وأل تراب وآل سليمان, وانقطعت الجذور مع مصر الأم, ومع منبع الحركة, ومصدر الدعوة, وبعد أن انقلب الخلفاء الفاطميون, من أنصار إلى أعداء، في هذه الفترة, إندمج الدروز في سوريا ولبنان, وشمال فلسطين, بالدويلات الاسلامية التي التي تواجدت في هذه المناطق, ووقفوا كالسد المنيع, أمام الهجومات الخارجية, مثل المغول والتتار والصليبيين وغيرهم. وتحوّل الدروز, من قوم مغضوب عليهم, الى قوم مرغوب بهم, ومحمودة أعمالهم, لدرجة انه في بداية تلك الفترة, كان اسم درزي اسماً ممقوتا,ً وظل كذلك, لكن الشعوب الاسلامية التي عاش بينها الدروز, واستماتوا من اجلها, وقاتلوا الاجنبي لحمايتها, أطلقت عليهم, لقب "بني معروف" احتراما وتحببا وتقديراً لأعمالهم.
 وقد استطاع الدروز ان يثبّتوا جذورهم, وأن يصلوا الى سدة الحكم, كمواطنين متساوي الحقوق, بدون ان يذكر لهم أحد,  انهم كانوا في السابق قوماً مطارداً. وقد انتقلوا في هذه المرحلة, الى دور جديد, هو دور الزعامة والقيادة في لبنان. وقد كان سائداً في تلك الفترة, دور الإقطاع. فأصبح الدروز اكبر الإقطاعيين في المنطقة, وحكموا لبنان من شماله الى جنوبه, بشكل عائلات كبيرة مارست نظام الاقطاع, بوجهه الحلو, الذي لم يشهد مثله التاريخ. فقد كان الاقطاع في اوروبا, وفي اماكن اخرى من العالم, طريقة للإستغلال والتحكم والإستعباد, وكان الاقطاعيون يسخّرون المواطنين تحت حكمهم, ويبيعونهم ويشترونهم, ويفرضون عليهم كل نزواتهم. أما الاقطاع الدرزي, فقد كان رحيماً ونيّراً, فقد كان الشيخ و الامير الدرزي يقول لمواطنيه: انا أحارب وأنا المسؤول, وأنا اوفر لكم الحماية والمؤونة والنظام والعدل, وأنتم تزرعون الارض معي, وتحاربون عندما نكون بحاجة لذلك.
 هذا بالنسبة للدروز, أما بالنسبة للطوائف الأخرى, فقد كانوا يعملون في كل الحرف والمهن, ما عدا الزراعة والحرب. لكن عائلة المواطن المسيحي, او اليهودي, أو المسلم, فكانت محمية في ظل الاقطاعية الدرزية ولا يتعرّض لها احد, وكذلك المرأة, وكذلك الأملاك, فقد كانت القوانين واضحة وبارزة, ومن منطلق التعاليم المذهبية الدرزية. وفي فترة متأخرة, عاش الدروز في جبل الدروز في سوريا, وكانوا هناك قريبين من البادية, فتكيّفوا لظروف البادية, وتبنّوا قوانينها, وعملوا بموجبها, وأتقنوا صنعها وفنها. ولما كان الكرم هو الصرخة الرائجة, كان الدروز أكرم الكرماء. ولما كانت الشجاعة هي الصرخة السائدة, كان الدروز اشجع الشجعان. ولماكانت الثورات سائدة في المنطقة, كان الدروز في رأس كل ثورة. ولما حاول الاجنبي او المحتل, ان يفرض هيمنته وسيطرته, كان الدروز في مقدمة كل تمرّد او عصيان. لأن العقلية الدرزية, التي انصهرت وتم بناؤها خلال الف سنة, بُنيت على آلية معينة, تستطيع فيها ان ترى اجيال وأجيال الى الأمام, وهي لا تتركّز او تتمحور في اللحظة الراهنة, وإنما هي تنظر الى البعيد, وتحاول ان تعرف ما هو اتجاه الريح, كي تستطيع ان تكيّف نفسها لهذا الاتجاه. وهي تفعل كل ذلك, وفي نفس الوقت, تحافظ على كيانها وأصالتها وعاداتها وتقاليها ومذهبها وفرائضها. وإذا كان البعض منها, يسمح لنفسه أحيانا,ً ان يبدو هنا وهناك, بمظهر يختلف قليلاً, إلا ان الجوهر يظل نفس الجوهر, والحقيقة تبقى كما هي, والمعدن الأصيل, يظل هو هو, فكانت الحكمة في ان تساير الموقف بشجاعة وبشفافية وبتصريح وإعلان, متحملاً كل النتائج. لذلك نرى وعلى مر التاريخ, ان الدروز كانوا في الطليعة, وفي المقدمة, في كل حركة وفي كل تجديد وفي كل مبادرة. والمواطن الدرزي عادة محصن داخلياً من أي تأثير اى تغيير خارجي, فهو يعلم انه بقرارة نفسه, هو هو مهما عمل او تصرف او صرّح او قال. ومن هذا المنطلق, يسمح لنفسه ان يكون في المقدمة في كل مكان, حتى يثبت له ان ما يفعله قد يضر بجماعته او طائفته او دولته, فيغيّر الاتجاه, لكن الدخول في متاهات التغييرات لم يخف منه الدروز ولا مرة, لأن منطلقهم رصين, ومعتقدهم ثابت, وهم يستطيعون ان يسمحوا لأنفسهم المحاولة والتجربة لمرحلة معينة, ويعودون بعد ذلك للإستقامة في الإتجاه الذي فرضوه على أنفسهم.
ونحن نقول كل ذلك, جواباً لأولئك الذين يدّعون ان الطائفة الدرزية متأخرة ومتخلّفة, وتقف في مكان أخير في قافلة التطور والتقدم والتحضر والإندفاع الى الأمام. وقد يكون هذا صحيحا,ً وقد يكون هذا واقعاً معروفاً, لكننا يجب ألاّ نشعر بالإحباط واليأس والقنوط, لأن الطائفة الدرزية أثبتت ان خطواتها أسرع من خطوات الآخرين, وثباتها أكبر وأقوى وأبعد, وأنها حينما تقرر انها ستفعل هذا او ذاك, فإنها تصمم على الوصول, ولا يعيقها أحد, وتبلغ الغاية وتنتقل الى القمة والصدارة كما تعوّدت. 
ونحن نرى اليوم, ان العصر هو عصر علم, وتقنية, وتكنولوجيا, وفيزياء, وكيمياء, وبيولوجيا, وحاسوب, ورياضيات وكل هذه العلوم، وهذه كلها اصطلاحات معروفة مرّت بنا في تاريخنا, وكان لنا في ذاكرتنا التاريخية, لكل موضوع من هذه المواضيع, قطب من الأقطاب, والمطلع الحقيقي على تاريخ الموحدين الدروز, يعرف ان العلوم الدقيقة, وان الدراسات العالية, كانت في يوم من الأيام, من اختصاصنا, ولذلك فنحن لا نخاف, ولا نخشى, ولا نرتدع, عن ولوج هذا البحر الزاخر, من العلوم والتقنيات, وعلينا فقط ان نصل الى الوعي الكافي, ان هذا هو طريقنا. فإذا حدّدنا الهدف سهل علينا التنفيذ, وها هي الطائفة الدرزية هنا وفي كل مكان, حدّدت هدفها, ان تتكيّف بروح العصر, وبما يجري في هذا العهد من مثاليات وغايات وأهداف. وسوف نرى بعد مرور سنوات, ان غايتنا ستحقق ان شاء الله, واننا سنكون في رأس القائمة, وفي اول القافلة, ونقود الحركات العلمية, والإنجازات التكنولوجية, لأنه ما من شيء غريب علينا, والمطلوب منا فقط, هو التمعن التفرّس والإطلاع, على بعض الكنوز والجواهر المتوفرة لدينا, كي نحصل عندما نشاء, على ما نريده من مفاتيح العلوم. وكما أثبتنا أنفسنا في البطولة, وفي الزعامة, وفي القيادة, وفي الكرم, وفي الصبر, وفي الأدب, وفي البلاغة, وفي الطب, وفي امور كثيرة اخرى, فسوف نستطيع, بعونه تعالى, ان نثبت انفسنا في تحديات هذا العصر العلمية, وإنجازاته الخارقة, التي تشمل الطبيعة وما وراء الطبيعة.   
وقد جاء في كتب التاريخ, إن رهبان دير الشير في عاليه, استنجدوا عام 1860 بالشيخ المعروفي, حسين تلحوق كي يحميهم, فقام الشيخ حسين, وكان بطلا من الأبطال, وربط فرسه أمام باب الدير, وكان هذا كافيا لتوفير الحماية لهم ولغيرهم. ونحن هنا نود أن نقول, إننا والحمد لله,  ما زالت عملية ربط الفرس والخيول بهذا المعنى, من شيمنا, ومن عاداتنا, ومن اختصاصنا...

والله ولي التوفيق...


سميح ناطور


دالية الكرمل
تشرين اول- ثاني
2004

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.