spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 125
قوة الطائفة في وحدتها وإيمانها وصمودها ورؤيتها الصحيحة للأمور
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
كلمة العدد: الذين حولوا صخورنا لصفحات من الكرامات طباعة ارسال لصديق
الذين حولوا صخورنا لصفحات من الكرامات
كبرت إحدى السيدات بالسن, وازدادت ضعفا يوما بعد يوم, ولم تستطع التحكم بأصابعها, فكسرت بعض الآنية الزجاجية, ومنها صحن ثمين. وكانت تعيش مع إبنتها وحفيدها, فغضبت ابنتها, وأرسلت الحفيد, ليشتري صحنا خشبيا لجدته. تردد الصبي, لأنه عرف أن الصحن الخشبي, سوف يذلّ جدته, ولكنه نزل عند رغبة والدته, لفرط إلحاحها عليه, فذهب إلى الدكان, وعاد مع صحنين بدل واحد, فبادرته أمه, أنا طلبت منك أن تبتاع واحدا فقط, فلم تسمعني؟ أجاب بلى يا أماه , غير أني ابتعت الثاني, لكي يكون لك عندما تكبرين...
كل المجتمعات تحترم كبار السن, وتقدّرهم وتدعو الى الإهتمام بهم, والرأفة بأحوالهم, ومساعدتهم على تخطّي السنوات الصعبة في حياتهم, وقطعها بسلام. وقد دعت كل الأديان السماوية, الى احترام البالغين, وإلى العناية بهم, ودعمهم والصبر عليهم. والدروز لا يقلّون إهتماماً عن بقية الشعوب في هذا المضمار, بل بالعكس, اذا درسنا احوال المجتمع الدرزي, وطريقة معيشته في عشرات السنوات الأخيرة, نجد أن الدروز, كانوا وما زالوا الى يومنا هذا, سبّاقين في عمل الفضيلة, وفي تنفيذ التعاليم الروحية, فالدروز يتناولون هذا الموضع, موضوع كبار السن والمتقدمين في العمر في المجتمع, من كافة جوانبه الدينية, والعشائرية, والتقليدية, والاجتماعية, والاقتصادية وغيرها. فمن الناحية الدينية, تنص كل البنود المناسبة في المصحف الديني الدرزي, على تقدير وتبجيل ورعاية كبار السن في المجتمع, ودعمهم والأخذ بأيديهم. والشيخ الدرزي يختلف عن اي رجل متدين من اي طائفة أخرى, بأنه يؤمن ان الحياة, هي كلها عملية خلق وبناء وتطور, وأن الرجل الدرزي المسن, يجسد في كيانه كل الفضائل الدرزية المدعو اليها, فهو بلباسه ووقاره وحكمته وسلوكه, يُعتبر رائداً ومثالاً ومعلماً وقائداً, مهما كانت منزلته او مكانته الاجتماعية. فمن ناحية دينية, الرجل المسن المتدين, قد يكون من عائلة متوسطة, وقد يكون انساناً بدون وظيفة رسمية, او منزلة اجتماعية كبيرة, وإذا وُجد في مجتمع مع الشباب أو غير المتدينين, وحتى ولو كانوا كلهم اكبر منه سنا,ً وحتى لو كان بينهم اصحاب المناصب والوظائف العالية, فعندما يكون اي تحرك, لسبب من الأسباب, فإن المجتمع بأسره, يرنو ببصره الى الشيخ المتدين, ويطلب منه ان يكون الأول في هذا التحرك. وعندما تقدم قهوة, أو أي واجبات أخرى في الديوان الزاخر, بعدد كبير من الشخصيات, فمن الطبيعي والبديهي, أن يبدأ تقديم الواجبات, الى من هو أكبر سناً, ثم بالتدريج حتى الأصغر. وإذا همّ الجالسون بالخروج, فلا أحد يخرج إلا بعد ان يخرج كبار السن, وكذلك بالدخول. وإذا اجتمع القوم لعرس, او مناسبة خطبة, او لصلح او أي حدث آخر, فأوائل المتكلمين هم كبار السن.
 هذا الإحترام, وهذا التقدير, وهذه المكانة الخاصة محفوظة في المجتمع الدرزي لكبار السن منذ مئات السنين. وليس فقط لأنهم متدينون, فهناك رجال غير متدينين, وكبار في السن, ولهم مكانة رفيعة, لكن اذا اجتمع كبيران, أحدهما متدين, والآخر غير متدين, نجد ان الشخص الغير متدين, يعترف بمكانته ويفسح المجال للمتدين.
من ناحية أخرى, المتدينون وكبار السن في المجتمع الدرزي, يحترمون أنفسهم, ولا يظهرون ابداً بمظهر غير لائق, ولا يستحون بزيهم او مظهرهم في أي مكان. ورجل الدين, وبصورة خاصة كبار السن, تجده في كل محفل في أحسن مظهر, نظيفا,ً أنيقا,ً لابساً الزي الكامل, لا ينقصه اي عنصر من اللباس. ومن هنا, فمستحيل أن تجد شيخاً أو رجلا كبيرا لابسا قميصا قصيرا او مكشوف الرأس, او يسبح في البحر, او في أي مظهر لا يليق بمكانته. فالشيخ الدرزي, يهتم بالإنطباع الذي يأخذه عنه الآخرون, لأنه يمثل الطائفة بأكملها, ولا يسمح لنفسه بالتهاون في اي شيء. وفي السابق, كانت الطائفة الدرزية مكوّنة من مجموعة قبائل وأسر كبيرة, وكان الذي يقف في رأس كل أسرة او قبيلة هم أصحاب القرار والنفوذ, وكانوا دائما من المشايخ وكبار السن. وقد تحدث عن هذه الظاهرة, المسافرون الغربيون والرحالة والباحثون, فذكروا بصورة مميزة, رجال الدين الدروز, الذين برزوا في المنطقة, كرجال لا يدخنون, ولا يشربون, ولا يقومون بأعمال غير لائقة.
وقد مرّت الطائفة الدرزية بمخاطر ومحن وشدائد كثيرة, وفي كل فترة وقعت فيها مشكلة, او اقترب خطر معيّن, من مجموعة من المواطنين الدروز, كان كبار السن يتجنّدون في الطليعة, لصد هذا العدوان, ولإزالة ذلك الخطر, ولحماية أهلهم وذويهم. فمن كان يستطيع القتال, كان يمتطي صهوة جواده, حاملا سلاحه ويسبق القوم, باثاً فيهم روح الحماس والشجاعة والإقدام. وكثيرة هي القصص التي تروى في الطائفة الدرزية, عن شخصيات كبيرة, كانت لها صولات وجولات حربية بارزة, بالرغم من تقدّمها في السن. هذا في أيام الحرب وتلك الأيام كانت كثيرة في تاريخ الطائفة الدرزية. أما في ايام السلم, فقد كان كبار السن ينهضون الى عملهم قبل بزوغ الفجر, ويقطعون عدة أميال, إما سيراً على الأقدام, او ركوبا على دوابهم او خيولهم, ويعملون طيلة النهار تحت الشمس الحارقة, او تحت المطر, ويعودون الى بيوتهم, قانعين سعداء راضين عن أنفسهم وعمّا يفعلونه. وهذه التصرفات, وهذا السلوك, كان يلازمهم في كل عمل يقومون به. فالمواطن الدرزي الحقيقي يظل يعمل ويشتغل ويكد ويجتهد, حتى آخر يوم في حياته. وفي عرف هذا الإنسان, الحياة كلها، من الصغر الى الشيخوخة, عمل ونشاط وسعي ودأب وخلق وإنتاج. وليس بالصدفة, لا يوجد في المذهب الدرزي, قيد او شرط, بالنسبة للفروض الدينية الملزم بها المتدين الدرزي, فهو يستطيع ان يعمل طوال الوقت, وأن يصلي أثناء عمله, وليس من المفروض ان يتعطل دقيقة واحدة, طالما هذا الإنسان يسعى الى تأمين لقمة العيش لأهله ولأبنائه, لأنه ملزم بأن يوفر لهم احتياجاتهم, وبعد ذلك يأتي دور الفروض الدينية, لأن بناء اسرة سليمة معافاة قوية هي من اصول المذهب الديني الحنيف. 
إن الجيل الذي عشنا معه, ونعمنا بظله, واستأنسنا به, وهو الذي نودعه يوما بعد يوم, في هذه المرحلة, سوف يذهب ولن نجد بديلاً له, او جزءاً منه, او قريباً إليه. لقد كان هذا الجيل  عصاميا روحانيا,ً يفتت الصخور, ويستنبت الأرض, ويفجر الماء, ويعمل بعقله وساعديه ورجليه, ويخلق خلقاً كثيراً. أما اليوم فقد تغيّر كل شيء, وهبطت معنويات الموجودين في هذه المرحلة من الحياة, وتغيرت الأمور, وأصبحت لا تهم كثيرا,ً وليس فيها شغف او ميول عند الشباب للتضحية والعمل الجاد, إذ ان كل شيء متوفر وموجود ويأتي بلا عناء. وسوف يأتي يوم نتحسرّ  فيه على آبائنا وأجدادنا وعلى تصرفاتهم وأعمالهم ومواقفهم, وسوف نعود ونشتاق كلنا, لذلك الجيل, الذي جسد العنفوان برأسه, والحكمة بعقله, والقوة بجسمه, وحول صخور جبالنا, إلى صفحات ناصعة من السؤدد والكرامات... 

والله ولي التوفيق...

سميح ناطور

دالية الكرمل
تشرين ثاني
2004

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.