spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 82
الساعات الأخيرة لسيدنا سقراط
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144
العدد 143


 
كلمة العدد: عندما تنبع العظمة من البساطة... طباعة ارسال لصديق

عندما تنبع العظمة  من البساطة...

ورد في مذكرات الأستاذ عجاح نويهض, أنه عندما كان في الخامسة عشرة من عمره, قام الأمير شكيب أرسلان, بزيارة لقريته رأس المتن, ووقف في الساحة المركزية يخطب في الناس, طالبا تأييدهم له, كمرشح في الإنتخابات لمجلس " المبعوثان". ولما أنهى الأمير شكيب خطابه, تقدم عجاج, وألقى أمامه خطابا, أعلن فيه تأييد أهل القرية له ودعمهم لطريقه. فوجئ الأمير شكيب بالصبي البليغ الجريء, قرّبه منه, وربت على كتفه, وتمنى له مستقبلا زاهرا, وكانت هذه نقطة إنطلاق هامة في طريق عجاج نويهض, الذي أصبح الى جانب الأمير شكيب, علماً من أعلام الخطابة والصحافة والفكر.
ونحن إذ نذكر هذيْن الإسمين اللامعين في تاريخ طائفتنا, نعتز ونفتخر, انه توجد أسماء أخرى لامعة في كل حقول الحياة. والقائمة والحمد لله كبيرة، منهم من برز وتلألأ نجمه في سوريا, وفي لبنان وفي بلادنا, وكذلك في المهاجر, حيث انطلق عدد كبير من النابغين والناجحين  في سماء طائفتنا, وكانت لهم وما زالت مساهمة كبيرة في إثراء الفكر الإنساني, وفي رفع مستوى الثقافة والعلم والأدب. هذا بالنسبة للأشخاص الذين حالفهم الحظ, واستطاعوا ان يحصلوا على دعم قوي في الإعلام والنشر, لكن هناك عشرات او مئات الشخصيات اللامعة, التي قامت بدور كبير في تاريخ الطائفة والمجتمع والمنطقة, لكنها لم تحظَ بما تستحقه من شهرة وإعلام. ويمكن القول, إننا كأفراد, استطاع كل علم من أعلام الطائفة الدرزية, ان يحقق بقوّته وبأسلوبه وبإمكانياته شقّ طريقه في هذا العالم, وبروز شخصيته الى جانب الشخصيات الأخرى. المشكلة عندنا هي ليست مع الأفراد, وإنما مع الجماعة. فنحن كطائفة درزية, أهملنا كل عملية الإعلام والنشر, وقبعنا في مرابضنا, نؤثر العُزلة والبُعد والتواضع والإنزواء, ونتيجةً لذلك, خسرنا كثيراً من ذكر مواقف بطولية, يحسدنا عليها غيرنا, وفضّلنا ان تظل تراثاً داخليا,ً ولا ننشرها على الغير.
واليوم, من يرغب بالتفتيش والتنقيب عن تفاصيل تاريخية, عن الطائفة الدرزية في الأوقات الغابرة, فإنه يصطدم بمشاكل كثيرة, لعدم توفّر المصادر والمعلومات والمعطيات. فمن المعروف مثلاً أن نابليون بونابرت, عندما جاء ليحتل مدينة عكا, طلب العون والمساعدة من الدروز, وأراد منهم  أن يدعموه, وقد رفض ذلك بإسم الدروز, لكننا لا نعرف المزيد من التفاصيل عن الاوضاع التي عاشوها في ذلك الوقت, ولماذا رفضوا مساعدة نابليون, وكل ما يتعلق بذلك. وفي فترة سابقة عام 1515 قام السلطان العثماني سليم الأول, باحتلال كل منطقة الشرق الأدنى, وكان الأمير فخر الدين المعني الأول حليفة له وساعده في نشر حكمه,  فكافأه السلطان بأن وضعه حاكما على لبنان وشمالي فلسطين. واليوم لا نعرف تفاصيل اكثر من ذلك. وفي عهد صلاح الدين الأيوبي, وقف الدروز وقفة مشرّفة, وحاربوا في معركة حطين, وكانوا ركناً أساسياً في الإنتصار الساحق والتاريخي, لكننا لا نعرف تفاصيل وافية عن بطولات هذه الفترة وأوضاع الدروز فيها. كذلك الحال بالنسبة لحقب تاريخية أخرى.
 من هنا نرى ان الأعمال الكبيرة, والحقبات التاريخية الهامة, والخطوات العريضة هي معروفة, لكننا لا نعرف تفاصيل أوفى, قد تُسلّط ضوءاً جديداً على الأحداث. وفي حرب لبنان شعرت الطائفة الدرزية في لبنان بالتقصير الكبير الذي قام به زعماؤها واقطابها في السابق, حيث كانوا يهملون تدوين التاريخ.
 لقد كان الدروز, وخلال حوالي الف سنة, حكّام لبنان بدون منازع, والقابضين على زمام الآمور فيه, من ناحية سياسية وعسكرية واقتصادية. وهم الذين بنوا البلاد, وأسسوا المدن والقرى, وطوّروا المنطقة, وعملوا الكثير من اجل لبنان والإمارات العربية في السابق. وقد قُتل آلاف الشبان والمشايخ الدروز على مر الأدوار, من اجل لبنان وكرامته واستقلاله. وقد احتمى في ظل دروز لبنان, المسيحيون الذين كانوا يعيشون في الشمال. وهؤلاء المسيحيون هم كاثوليك, وكانوا يعيشون في جنوبي تركيا وفي القفقاس, تحت حكم الإمارة البيزنطية. وكان البيزنطيون على الطريقة الأورثوذكسية, وكان صراع هائل بين الكنيستين الشرقية والغربية, اي بين الاورثوذكسية والكاثوليكية, لذلك هاجم المسيحيون الارثوذكس, المسيحيين الكاثوليك في هذه المناطق, مما اضطر الكاثوليك الى اللجوء الى قرى جبال الشوف ولبنان بصورة عامّة. ورحّب الدروز باللاجئين المسيحيين, ومنحوهم الاراضي لبناء أديرة وكنائس, وسهّلوا كل أمورهم, وتركوهم بدون اي ضغط ديني.  وفي القرن التاسع عشر, بدأت اطماع الدول الاوروبية, تظهر في دول المنطقة هناك, ورأت الدول الأوروبية في مسيحيي المنطقة حلفاء عسكريين لها, فدعموهم ماديا وعسكريا وثقافيا, واستطاعوا ان يخلقوا صراعا دمويا بين الدروز والمسيحيين في لبنان استمر سنوات طويلة. وفي عام 1982 أراد المسيحيون تهجير الدروز من لبنان, والإستيلاء على مواقعهم وقراهم. وكان المسيحيون يقولون ان الدروز غرباء في لبنان, وهذا طبعاً غير صحيح, لكن الدروز استصعبوا في ايجاد مستندات ومواثيق دامغة تثبت تاريخهم الحافل,لأنهم لم يهتموا في حينه بتدوينها والمحافظة عليها,  ولذلك لم يستطيعوا بالإقناع وبالعقل وبالأصول التاريخية, أن يثبتوا أنهم هم اصحاب السيادة في لبنان, وأنهم قد حكموها اكثر من ثمانمائة عام . ودافعوا عن كيانهم ووجودهم بحرب الشوف المشرّفة المنتصرة التي كلّفتهم مئات الضحايا. كل ذلك  لأن  الدروز, كانوا يتغنون, خلال مئات السنين, بالمقولة التافهة والمغلوطة, والتي تقول "نحن نصنع التاريخ, وغيرنا يكتب". وهذا خطأ. من يصنع التاريخ, يجب ان يدوّن الحدث,ويحفظه للأجيال القادمة وكذلك لعثرات الزمان, وقد أثبتت الحرب الضارية في لبنان, أنه بالإمكان تزييف التاريخ, إذا كان اصحاب التاريخ لم يهتموا به.
ونحن نعلم, والكل يعلم, ان تاريخنا كبير, وأن لنا عشرات او مئات المواقف والمواقع والمشاهد والأحداث, التي تستحق الذكر والتسجيل والتدوين, أولاً لنا أنفسنا وللأجيال الصاعدة, وثانيا لجيراننا والملأ. وكل مبادرة, وكل كتاب مذكرات يصدر, وكل كتاب بحث في تاريخ الطائفة ينتشر, وكل مجلة وكل صحيفة, وكل نشرة مهما كان نوعها تعالج هذه المواضيع, نعتبرها مباركة, ونعتبرها خطوة في الطريق الصحيح, وندعو الى تشجيعها, والى الإكثار منها, فالتاريخ الحقيقي, يظهر بعد ان تنشَر عدة آراء في موضوع ما, ومن واجب المؤرخ بموازينه وأساليبه التي يعرفها, ان يستخلص الحقيقة, ويبرز النتائج, وهذا يتوفر اذا كان أمامه زخم من المنشورات والحقائق.
ان المُطّلع على غلاف وصفحات, هذا العدد من "العمامة", يجد ان هذا العدد كله, مُخصص لشخصية المرحوم الشيخ ابو علي محمد ابو سيف, قيّم البياضة وسائسها. "والعمامة" تعتز وتفتخر, أنها تكرّس صفحاتها, لهذه الشخصية التاريخية الفذة, التي لم تأخذ حقها من الإعلام والنشر أثناء حياتها, بسبب ورعها وتقواها وانزوائها وتواضعها. ويُسعدني بهذه المناسبة, أن أسلّط الأضواء, على الدور الكبير, الذي قام به الإخوة المشايخ الشباب الخلواتية, الذين درسوا في حينه في خلوات البياضة, والذين عادوا إلينا, يحملون مشاعل الفكر والتقوى والدين, بعد ان غرس فيهم, المرحوم الشيخ ابو علي محمد, القِيَم والمبادئ والأصول التوحيدية الصحيحة. لقد شاهدتهم يوم وفاة المرحوم, في مقام سيدنا الخضر عليه السلام, واقفين أمام الجموع الغفيرة, بأسى وحزن وخشوع, يرفعون صور المرحوم, ويتحدثون عنه, بعاطفة وبشعور, وكأن أقرب الناس إليهم قد فُقد. وقد ظلوا بعد انتهاء الموقف, واجمين صامتين, يتلون الإبتهالات والصلوات لروح الفقيد. وبعد ذلك توجّهوا الينا, طالبين ان نكرّس عدداً خاصاً من "العمامة" لشخصية المرحوم. ومن يرى كيف تعامل الإخوة الخلواتية مع هذا الموضوع, يشهد أولاً, ان المرحوم كان أكبر قدوة ومثل في التضحية والعمل والخدمة, وهو يستحق كل تقدير وتبجيل. ويشهد ثانياً, ان الإخوة الخلواتية, منبتهم طيب, وأصولهم عريقة, ونفوسهم شريفة, فلم ينسواً فضل معلمهم عليهم, وهم مصرّون ان يعملوا اي شيء, من اجل تخليد ذكره, ونشر فضائله, وتقديم بعض ما يستحقه منهم من الوفاء والشكر والإمتنان. ونحن هنا, كطائفة نشعر ان عنصر الخير ما زال غارساً فينا, طالما يتواجد فينا هذا النوع من الشباب المتديّن المحترم العريق. وقد دعمت هذه المبادرة, من قِبل فضيلة الشيخ موفق طريف, الرئيس الروحي للطائفة الدرزية, وكبار مشايخ الطائفة في البلاد, الذين قاموا في السابق, بزيارة البياضة وتعرّفوا على المرحوم, وسهروا معه, وأدّوا الفروض الدينية وإيّاه, واطلعوا عن كثب, على شخصيته ومكانته. ان هذا التعاون الوثيق, بين فضيلة الشيخ موفق طريف, وبين الإخوان الخلواتية, خرّيجي البياضة الزاهرة, وبين الأوساط الدينية التقليدية الموجودة في الطائفة, التي تضمّ رجالات الدين, والأئمة وسائسي الخلوات, وكافة المتدينين, ان هذا التعاون, كفيل بأن يخلق الظروف والمناخ, لتصحيح الأمور في الطائفة, التي تتطلب التصحيح, ولتقويم ما يحتاج تقويم, وللنهوض بهذه الطائفة قدماً في الطريق الذي يكفل لها العزة والكرامة والعيش الكريم.
"والعمامة"التي وضعت نصب عينيها, تخليد وتسليط الأضواء على أمجاد الطائفة الدرزية على مر التاريخ, وفي كل مكان, يسعدها ان تقوم بأي مساهمة, من أجل تحقيق هذا الهدف, وهي تحرص ان تدعو الى الإلفة والوفاق والتعاون, بين جميع أفراد الطائفة في كل المستويات. ونحن واثقون ان هذا العدد من "العمامة" سيلاقي صدى لدى الأوساط الغير متدينة, التي ستكتشف انه يتألق في سماء رجال الدين, رجال لهم هذه المنزلة وهذه الكرامة, وهم لا يعرفون عنهم الكثير.
 لقد حلمنا خلال سنوات طويلة, بزيارة البياضة الزاهرة, وكنّا نهتز ونطرب لسماع اي خبر عن مشايخنا وإخوتنا في لبنان, وفي البياضة بصورة خاصة. ولمّا فتحت الطريق, أنعم الله علينا بزيارة هذا المكان المُبجّل, المقدس الغارس في النفوس, ومع أننا زُرنا أفخم المعابد, وأروع القصور, وأكبر المباني في العالم, إلا أننا إنبهرنا من العظمة النابعة من البساطة, التي تمتاز بها خلوات البياضة.
 وها نحن الآن, وبعد إطّلاعنا على سيرة وحياة وأعمال ومناقب وخصال وأفكار, المرحوم الشيخ ابو علي محمد ابو سيف, نكتشف من جديد, هذا الواقع, ومرة أخرى تنجلي أمامنا, صورة العظمة التي تنبع من البساطة, فشخصية المرحوم ابو علي, هي تجسيد للواقع الفريد من نوعه, الموجود في خلوات البياضة.
 وها هو الشيخ  المرحوم, ينضمّ الى مجموعة كبيرة, ونُخبة ممتازة من أعلام وأعيان الطائفة الدرزية, الذين تزخر بهم هذه الطائفة الصغيرة البسيطة المتواضعة, المنطوية على نفسها, والتي تدعو دائماً, الى السُترة والهدوء والبساطة والنعومة, ومع كل هذا, وبإلهام ربّاني, تسعد الطائفة وتنعم, بتسليط الأضواء, على علم من أعلامها, يستحق ان يكون رمزاً وقدوة ومثالاً للأجيال القادمة, بالرغم من البساطة التي عاشها, وبالرغم من البساطة التي أحاطت به, وهذا أكبر إثبات أن العظمة يمكن أن تنبع من البساطة, وأن التاريخ ليس للسياسيين والعسكريين والزعماء فقط...

والله ولي التوفيق...


سميح ناطور


دالية الكرمل
كانون اول
2004

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.