spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 63
رؤساء المجالس المحلية في مدينة الكرمل
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
سيرة خلواتي طباعة ارسال لصديق

يقول بعض الخلواتيه, لقد وصلت واخواناً الى خلوات البياضه الشريفه, وكان الشيخ المرحوم ابو علي محمد, لحسن الحظ امام المجلس, رحب بي وبإخواني غاية الترحيب , ونحن لا نعرفه وهو لا يعرفنا, وتعرف علينا فرداً فردا,ً ودعانا للطعام في المجلس, وكانت هذه عادته كل حين, فلبّينا الدّعوة وودّعناه قاصدين الخلوات, فكانت وصيته لنا بان لا نرفع كلفه عن حضرته في اي شيئ نريده, اذ أن المجلس للجميع . وأعطاني واياهم إحساساً ان في تلك الساعة شعرنا وكأنّنا في بيتنا ولسنا غرباء. وصلنا الى الخلوات وبدأت معي حياة الخلوته. فكنت استيقظ باكراً للتحصيل والحفظ. وعند الساعة السابعة والنصف تقريباً في أيام غير متتاليه, يأتيني رسولٌ لأصعد الى المجلس, ويكون الطقس ماطراً بارداً, وأحياناًَ مثلجاً يصعب الخروج من الغرفة. وتكون البياضة في هذه الاوقات مليئة بالخلواتية من بلادنا وجبال الشّوف والمتن والجرد وعاليه وحاصبيا وراشيا وبالجملة من كل البلاد, عدا سوريا. يصل العدد احياناً الى مائة وثمانين خلواتي وأكثر. فأصل الى هناك, واذا بالمرحوم والست الفاضلة ابنة اخيه قد حضّرا الطعام . فأتفكر كيف جهّزاالطعام في هذه السّاعة المبكرة , فأدرِك انهما قد شرعا في العمل في ساعات الليل, على الرغم من ذلك الطقس القارس. فأصبّحهما فيردّا السلام بأحسن مني, وهما في غاية السرور والبهجة, يتساءلان كم عدد الخلواتية في تلك الرّبوع, ويفرحان بزيادتهم شاعرين بأن زيادتهم تزيد من أجرهما وثوابهما, ويكون قد وصل الى هناك بعض الخلواتية مثلي, لنتساعد على توزيع الطعام. فيوصياننا بأن لا ننسى أحداَ والاعتناء بكل فرد. وعندما ننهي تلك المهمة, يبدأ بالسّؤال عن كل خلوة ليتيقن بأن الطّعام قد وصل للجميع, وبعدها يجلس رحمه الله, يأكل أكلا خاصّا متواضعا. قال لي يوما: إن المرحوم الشيخ ابو علي مهنا حسّان في كثير من الأحيان, لم يكن يكمل أكل بيضة واحدة لوَرَعِهِ .
وعندما تقترب الساعة من الثانية عشرة ( موعد صلاة الظهر ) تأتي الاخوان ويدخلون المجلس, وبعد الصلاة يطلب الشيخ المرحوم من الموجودين أن يحضروا ملابسهم لغسلها, ولإعلام الجميع بذلك. فأصل الى المجلس, وإذا بأكوام الغسيل قد جُمِعَت. وهو في غاية من السّرور، فيقدّمها لابنة أخيه لغسلها ونشرها.
وبعد سُوَيْعات تقرُبُ صلاة المغرب, ويكون الشيخ في تلك الأوقات قد استقبل الكثير من الضيوف, وبعث ايضا طعاما للمشايخ والخلواتية الضيوف. ثم يدخل, رحمه الله الى المجلس, فيتفقّد الموقد ويضع به الجفت والحطب ليُهَيّأ جوا دافئا للمشايخ والإخوان, وهذا في ايام الشتاء.  وأمّا في ايام الصّيف فتجتمع المشايخ في ذلك الحين في الحوطة, ويبدأ من كان واعظا وشارحا بفيض العلوم على مَن كان حاضرا, حتى موعد الصلاة. فتجتمع المشايخ والإخوان, ويتلون ما هو متّبع في ذلك اليوم. وهو رحمه الله قد أخذ له مكانا متواضعا, وبعد الصلاة يضع صينيّة القش الكبيرة, والتي قطرها متر ونصف تقريبا, ويملأها بما تكرّم به الإخوان (نقليّة), فيدعي الجميع إكراما لهم وتقديرا. وعندما تكون البياضة مليئة بالزّائرين والضيوف, كان يصل العدد في تلك الأوقات الى أكثرمن ثلاثمائة شيخ من مقيم وضيف. يبدأ الشيخ بعد صلاة المغرب, بتحضير وليمة الإفطار لليوم المُقبل, لأن الكثير سيغادر المكان صباحا. فيصل عِلْم الى الأخوات الديّنات الفاضلات من حاصبيّا, فيقدمن الى البياضة الشريفة ويبدأن بالتّحضير ليوم غد. وفي الصباح الباكر, يستيقظ المرحوم, ويُهيّئ الأخوات الطّعام حتى الساعة الثامنة بإشرافه. فتشرّف المشايخ بعد صلاة الفجر وبعدما يكون المرحوم قد قدّم لهم الحليب وأقراص الكعك, فيأكلون ويكون المرحوم والأخوات قد حضّروا الهدايا للزّائرين وللمشايخ من بلادهم . فيقدمونها لهم, ويودّعونهم والشيخ المرحوم يستعطف الجميع, بأن يبقوا وان ذهبوا ألا يطيلوا البعاد, وأحيانا باكيا حزينا على الفراق, طالبا صفاء الخاطر والدّعاء. وبعد ذلك يدخل المرحوم الشيخ ابو علي محمد, ليسجل الوصايا التي بُعثت الى الخلوات بدقة متناهية, وبعد ذلك يبدأ بصلاة النافلة أو بقراءة أخبار السّلف, يطلب مني أحيانا قراءة بعضها, ويعيّن لي أن أقرأ القصص المؤثرة مثل قصة سيدنا أحمد السبتي أو سيدنا ابراهيم ابن أدهم, أوالأميرعلي رضي الله عنهم جميعا. وكم أوقفني في مواضع كثيرة يتحسّر ويعترف بالفارق بيننا وبينهم, ثم يعود ويقول دائما كلامه المأثور" مولانا كريم " .
وبعد ذلك يبدأ بالعمل , فيطلب من بعض الاخوان بعض الأعمال مثل : تحضير  حطب للمواقد, أو تعبئة الماء في الخزّانين , واذا كان الجو دافئا هادئا, نذهب بتبعيته الى الزيتون وكم ساعدناه في صنع الصابون, وفي الصيف, في قطف العنب وعصره ليكون دبسا أو ليكون زبيبا, أو بقطف التّين وما تبقّى يابسا وبتنقيب بعض الاراضي وبترتيب المجلس الشريف وتنظيفه, وبتوزيع ما يرد الى ذلك المكان الشريف من حمضيات وفواكه ولبن ولبنة وخبزا وغير ذلك حتى يتيقن ان لا شئ يتلف على ذمّته .
لقد كنت أكثر من مرة في البياضة في شهر أيلول, موعد زيارة مشايخ بلادنا, وعلى رأسهم المرحوم سيدنا الشيخ أبو يوسف أمين طريف, وأتذكّر انه كان يعمل ليلَ نهار لتحضير واجبهم, وهم مئات الزّائرين, وهو في غاية من السعادة والعطاء, وأريد أن ألفت النظر هنا, بأننا نعرف كم هو صعب القيام بواجب ضيوف قلائل, فكم بالحري المئات, فنفّعنا المولى ببركاته, ما كان أجلّه وأكرمه وأشفقه على الإخوان, وأما ليالي الجمعة المباركة كل أسبوع,  فتبدأ سكان المنطقة جميعها بالتوافد من الصباح حتى المساء الى الخلوات, وما أن يحين موعد صلاة المغرب, الا وتكون تلك الرّبوع مليئة بالمشايخ والاخوان. وبعد الصلاة يودّعون المكان, ويبقى في تلك الليلة الاخوان المجاهدون, يتلون الآيات الكريمة حتى الصباح وصلاة الفجر, في ذلك اليوم المبارك- يوم الجمعة. والشيخ يعطي كل ذي حق حقه, فيودّعونه متشوّقين لليلة الجمعة القادمة. فهنيئا له , خُتِم له بالسّعادة في دار الدنيا ودار الخلود. جمعنا المولى وإياه وكافة اخواننا وأخواتنا في دار الآخرة, انه ولي الإجابة وقابل الدعوات المستطابة .
 
                                      
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.