spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 63
المرحوم الشيخ ابو علي محمد ابو سيف
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 120
العدد 119
العدد 118
العدد 117
العدد 116


 
الست سارة طباعة ارسال لصديق
الست سارة هي من أفاضل النساء، اللاتي عشن في زمن الدعوة، وعملن على بثها ونشرها. وقد ورد ذكرها في كافة الكتب والمخطوطات التوحيدية، التي تحدّثت عن تلك الفترة، حيث كان وجودها بين الدعاة الرجال، يدلّ أن الدعوة رأت بالمرأة عنصراً أساسياً مهمّاً في المجتمع، وأنها علقت عليها آمالاً كبيرة، فوق كل ذلك، منحتها الثقة التامّة، ورأت بها شخصية، تتحمّل المسؤولية، ويمكن الاعتماد عليها، ويمكن تكليفها بتنفيذ مهمّات شاقة وعسيرة.
وقد جاءت الإرساليات، التي أنيطت بالست سارة، لتبرهن للجميع، أن المذهب الدرزي، لا يفرّق بين الرجل والمرأة، وأنه إذا حصل الشاب أو الفتاة، على تربية مناسبة، وأنه إذا تربى الشاب والفتاة، حسب الأصول الدينية، فإنه يمكن الاعتماد عليهما، والوثوق بهما، وإرسالهما إلى كل مكان، دون خوف أو وجل، من سوء تصرّف أو شذوذ.
لقد كانت الدعوة الدرزية، زاخرة بالدعاة الرجال الأفذاذ، الذين أخذوا على عاتقهم، نشرها ودعمها، ورعاية شؤونها، والذين كان بإمكانهم المحاربة عسكرياً، أو القيام بالإقناع أو الشرح والتفسير، أو عمل أي شيء، يتطلب منهم من قِبَل المسؤولين، ولكن وجود امرأة، في الصف الأول، من الجبهة، جاء ليعلن عن بداية عهد جديد، يتعلق بالمرأة، التي كانت في ذلك الوقت، مهضومة الحقوق، مكسورة الخاطر، تُستغَلّ لتنفيذ مآرب الرجال، دون أن تكون لها كلمة مسموعة، أو رأي أو مبادرة أو احترام.
وقد جاء في الموقف المشرّف، من منطلق التعاليم التوحيدية، التي نادت بالمساواة بين الرجل والمرأة، والتي منعت تعدد الزوجات، والتي نادت بمنح المرأة كافة حقوقها، واعتبارها عنصراً فعّالاً متساوياً، له كيانه واحترامه وتقديره. وقد أثبتت الست سارة،بمسلكها وطهارتها وإنجازاتها، أن المرأة، أهل لهذه الثقة، وأن المذهب على حق، أن يمنح نصف المجتمع، الامتيازات التي يتمتع بها النصف الثاني.
وقد أطلق عليها الموحّدون، لقب "الست" وهو الذي يدل أن حاملة هذا اللقب، كرّست حياتها للدين والله والإيمان، وأنها فضّلت شعائر دينها، على كل اعتبار آخر، أو مصلحة أو ملذّة أو هدف في الحياة. وقد كانت الست سارة، من أوائل النساء المصونات، اللاتي حملن هذا اللقب، لكن جاء بعدها وخلال التاريخ، عدد كبير من صاحبات الفضل، اللواتي اكتسبن المزايا والخصال المناسبة وحصلن على هذا اللقب بجدارة.
عاشت الست سارة، في زمن الدعوة، ولا نعرف تاريخ ولادتها أو وفاتها، لكننا نعلم، أنها تنتمي إلى قبيلة طي، وأنها كانت ابنة أخ مولانا بهاد الدين (ع)، الذي كان ركنا هامّاً، من أركان الدعوة التوحيدية، والذي أناطت به القدرة الإلهية، أن يقود شؤون الدعوة، بعد أن تولى الظاهر الخلافة، وأخذ الموحدون يتحمّلون منه كل أنواع العذاب. لقد كان مولانا أبو الحسن علي بن أحمد بن الضيف السموقي (ع) ينتمي إلى قبيلة طي، وكان قد ولد في بلدة السموقة، من أعمال حلب، وكان يعيش في القاهرة المعزّية، ويؤمن بالسلالة الفاطمية، ويدعو إلى التوحيد الإلهي. هكذا كان، أيضاً أخوه الأستاذ أبو الحسن، تقي بن أحمد، الذي عُرف عنه، أنه كان المساعد الأيمن لأخيه، والذي خدم الدعوة ورجالاتها، حسب قدرته وإمكانياته. وهكذا كان نسب ابنته، الست سارة، التي تربّت على الفضيلة والإيمان والتقوى والدين.
أما قبيلة طي، فهي إحدى القبائل، التي تقبّلت النصرانية في أول عهدها، وهي في الأصل، قبيلة من كهلان القحطانية، جاءت من اليمن بعد انهيار سد مأرب، مع قبائل أخرى، وأخذت لها مواقع جديدة في البلاد الحجازية. وقد تفرّعت منها بطون الجاهلية، لبني هناء، حيث برز منهم، إياس بن قبيصة الطائي، الذي تسلم الحكم في الحيرة، بعد مقتل النعمان، واستمر بنوه بعده حتى جاء الإسلام.
وكان معظم أبناء قبيلة طي في الجاهلية، يعبدون الأصنام، مثل باقي السكان. وقد أرسل النبي محمد (ص)، الإمام علياً بن أبي طالب، إلى مضارب قبيلة طي، فهدم صنم طي. وبعد هذا، قدم وفد من طي، إلى النبي محمد (ص) ضم سيد القوم،زيد الخيل بن المهلهل، وأعلنوا إسلامهم، وقد قال الرسول في ذلك:" ما ذكر لي رجل، من العرب بفضل، ثم جاء إلا ورأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه."
سكنت أفخاذ من قبيلة طي في منطقة حلب، وفي ضواحي جبل السماق، وسكنت قبائل أخرى انحدرت من طي، في منطقة الرملة في فلسطين. وعندما توطدت أركان الدعوة الفاطمية في مصر، قدم مولانا بهاء الدين، من السموقة في حلب إلى القاهرة، واندمج في الدعوة الفاطمية. وفي عهد الحاكم بأمر الله، كان المقتنى بهاء الدين، من الشخصيات المسموعة والمحترمة في القاهرة. وقد أرسله الحاكم، إلى أفاميا شمالي سوريا، والياً ثم عيّنه واليا على حلب بلده، وبلد أهله وعشيرته. وفي عام 415 للهجرة، كان المقتنى والياً على دمشق والشام بأسرها. وقد قام المقتنى بهاء الدين (ع)، والذي دُعي في المصادر الإسلامية، بلقب "سديد الدولة"، قام بترميم المسجد الأقصى، عام 413 للهجرة وذلك بعد أن تضرر المسجد من هزة أرضية أصابته ، عام 407 هجرية، وقد كتب هذا الحديث في نقش محفور في الصخر في المسجد. وقد جاء في نقش مماثل، أن السيد سديد الدولة الإمام أبو الحسن، رمم مسجداً في نابلس كذلك. وقد استُدعي المقتنى للقاهرة، للإشراف على أمور الدعوة وإدارة شؤونها، فاستجاب للدعوة، ويذكر أنه مر في طريق عودته بالبقاع في لبنان ووادي التيم والجليل والرملة.
وفي عهد الخليفة الظاهر، تولى المقتنى بهاء الدين (ع)، أمور دعوة التوحيد، وأشرف على استمرارها، بالرغم من المطاردات والملاحقات، من قبل الخليفة الظاهر، ومن قبل أوساط دينية وسياسية كثيرة. وقد كثرت في تلك الفترة، حركات المرتدين، وهم أولائك الذين دخلوا في البداية، دعوة التوحيد، لمصلحة أو طمعاً في شيء، ولما غاب الحاكم، تركوها وحاربوها. وكانت هناك فئة أخرى ، سببت مشاكل للمقتنى وللموحدين، وضمّت نشتكين الدرزي وزمرته. ومع أن نشتكين، كان قد قتل في عهد الحاكم، إلا أن الإباحية التي أوجدها، لاقت رواجاً عند الجماهير فاتبعتها، ولذلك حاربت هذه الزمرة، الموحدين الذين نادوا بالتعفف والخلق والزهد والترفع عن أمور الدنيا. وعندما غاب الحاكم، ظنت الجماهير الإسلامية، التي لم تدخل في دعوة التوحيد، أن دعوة الحاكم وحمزة بن علي (ع)، هي نفس الدعوة، التي نادى بها نشتكين الدرزي، خاصة وقد كان في أول طريقه، من دعاة الحاكم، لذلك اختلط الأمر على البشر، ولم يميّزوا بين الحقيقي والمزيف، مما سبب إزعاجاً كبيراً، لأهل دعوة التوحيد. وقد كثرت حركات الردة في منطقة وادي التيم، وشذ بعض الذين كان يُعتمد عليهم في البداية، ومنهم داعية مرتد باسم سكيْن، مما اضطر مولانا بهاء الدين، أن يبعث بالرسل والدعاة إليهم، ليردعهم ويثنيهم عن غيّهم. وكان أول هؤلاء الرسل الداعي عمّار الذي قام بالمهمة ووصل من مصر إلى وادي التيم وبلغ الرسالة، إلا أنه دفع ثمن ذلك بحياته، فقد طارده المرتدون وقتلوه بالقرب من قرية إبل السقي. عندها رأى مولانا المقتنى بهاء الدين (ع)، أن أمر الموحدين قد استفحل وقد أخذوا يبثون تعاليم غير لائقة، ويتصرّفون بعكس أصول دين التوحيد خاصة في الأمور النسائية، فقرر مولانا إرسال الست سارة، التي كانت من كبار، الرسل والدعاة ومن الأوائل بينهم. وقد نجحت في مهمتها هذه وتم بعد ذلك القضاء على هذه الشرذمة المنحرفة، وقرر مولانا بهاء الدين (ع) إرسال الست سارة في مهمة جديدة إلى الإحساء في السعودية، إلا أن الأمور استتبت هناك ولم تعد حاجة لذلك.
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2014 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.