spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 2
حرب عرمان
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
كلمة العدد: عندما نضع انفسنا على أكفنا طباعة ارسال لصديق
عندما نضع انفسنا على أكفنا
يُحكى أن أحد الأغنياء الموسرين, حُرم من نعمة الأولاد مدة طويلة, فنذر على نفسه, أنه إذا رزقه الله ولدا, فسوف يقوم بإطعام كل سكان مدينته, وعددهم عشرات الآلاف. وقد استجاب الله لدعواته, ورزقه طفلا  جميلا , فشرع في تنفيذ النذر, ودعا كل سكان مدينته, وطلب منهم بإصرار, أن لا يقدم أحد منهم هدية, أو تكريما أو مالا لأن الله, سبحانه وتعالى, منعم عليه, وهو يريد فقط, أن يشاركه الناس فرحته, ويتناولوا طعام الغداء على مائدته. ولكي يبرهن ما خططه وأعلن عنه, وضع تحت كل صحن, على كل الموائد, دينارا تعبيرا عن شكره لأهالي مدينته, الذين حضروا لمشاركته فرحته. وفي اليوم الموعود جُهزت آلاف الموائد, وحضر خلق كثير, وقد وجد كل مدعو, تحت صحنه دينارا. تفرّقت الجماهير, بعد أن التهمت كل ما لذ وطاب, وأخذ كل واحد الدينار, الذي كانت له قوة شرائية كبيرة في ذلك الوقت, وما كادوا يبتعدون قليلا, حتى أخذ عدد كبير منهم, ينتقد ويلوم هذا الانسان الموسر البخيل, الذي وضع ديناراً واحداً فقط, وكان باستطاعته ان يضع اكثر من ذلك !!!!
هذه هي حال الناس, مهما تفعل لهم, ومهما تصنع من أجلهم, لا يعجبهم, ولا يكونوا راضين عنك. وقد تعلم الأغلب, ان يطلب, وأن ياخذ, وأن يقاتل, وان يتعدّى, من أجل أمور صغيرة الحجم أحيانا,ً لكن تفكيره علّمه, انه يجب أن يأخذ دائما,ً وأن الغير مدينون له, وانه من حقه ان يستحوذ على هذا او ذاك, وان هذا الانسان الذي عمل شيئاً ما, مُلزم بعمل أكبر من هذا الشيء, ولماذا هذا البخل, ولماذا هذا الاشحاح, ولماذا لا يفتح هذا المسؤول جيبه, ويقدّم أكثر ويبذل أكثر. وهذا الانسان المنتقد اللائم الغاضب, لم يسأل نفسه في يوم من الايام, ما الذي قدّمه هو للناس, وللمجتمع, او لأسرته, او عائلته, او المحيط القريب منه, قبل ان يشرع بانتقاد الآخرين. وكل ما يمكن ان نقوله, ان هذه هي طبيعة الجنس البشري, وان الله سبحانه وتعالى, خلق بعض الناس على هذه الشاكلة, وعلى هذا المنوال, يطلبون وينتقدون, ولا يعجبهم شيء, وهم غير مستعدين ان يقدّموا, او يعملوا, او يضحّوا,  لذلك دعت كل الأديان السماوية الى التضحية, وجعلت من هذه الخصلة, مثالاً رفيعا,ً وعملاً انسانياً إلهياً كبيراً, لأن التضحية ليست بالأمر الهيّن, وهي تتطلب من الإنسان, قوى نفسية كبيرة, وعزم وتصميم وإرادة. فالطبيعة عند عدد لا يستهان به من الناس, يسيطر عليها الطمع, وحب الاستحواذ, والحصول على كل شيء.  والانسان العادي, يعيش حياته عاملاً جاهدا,ً ليوفر لنفسه لقمة العيش, ويربي اولاده ويبني أسرته. وفي كل الحالات, يحاول الانسان ان يأخذ وأن يمتلك, وقليلا ما يفكر ان يعطي, وإذا وُجد العطاء في انسان ما, يكون ذلك ظاهرة طيبة, وقليلة الحدوث, لأن النزعة الانسانية, يصعب عليها ان تحرّر من ذاتها شيئاً للغير, ومن هنا, فإن التضحية, تُعتبر إحدى الخصال القليلة الموجودة, واذا وُجد هنا وهناك بعض الناس, يقومون بتضحية شيء ما, يكون بذلك حدث عجيب. وهذا لا ينطبق على الطائفة الدرزية فقط, وإنما على كافة ابناء البشر. ومن هنا تدعو كل الديانات, وكل الشرائع, وكل الطوائف والفِرق, أتباعها الى التضحية.
ونحن ابناء الطائفة الدرزية, لا نختلف عن باقي الطوائف في هذا الموضوع, مع أننا,أكثر الناس معتمدين على  مذهبنا وتقاليدنا وأوليائنا، وهم يرشدوننا جميعاً الى القناعة, ويوجّهوننا الى التواضع, والى نبذ التكبر والتملك, وادّخار المال, وشهوة السلطة, وعنفوان السيطرة.  ان تقاليدنا مجتمعة,   برهنت وتبرهن لنا دائما, اهمية الروحانيات, ولذة الغذاء الروحي, وخلود المناحي الاخلاقية في حياتنا. وكل تعاليمنا, وكل سيّر انبيائنا واوليائنا, ترشدنا الى ترك زخرفة الدنيا, والاكتفاء بالقليل, والعيش ببساطة وقناعة, ومن يعيش ببساطة وقناعة, لا يطمع, ولا يطلب الكثير, ويكتفي بالقليل, وتكون له قابلية على التضحية. لكننا كثيراً ما نضرب بتعاليمنا عرض الحائط, ونتصرف بعكس ما هو مرجو منا. واذا نظرنا حولنا, نجد المسؤولين والبارزين والقياديين فينا, ينجرفون مع التيار العارم, ولا ينفذون ما هو مطلوب منهم, من مسؤولية واتزان, وصرف الأموال والجهد, للمصلحة العامة, ومن اجل الغير, ولخدمة الجميع. طبعاً لا يمكن ان نقول ان كلهم كذلك, وتظل هناك, وفي كل عصر, نخبة ممتازة من بين القياديين, والمسؤولين, والزعماء والإداريين, منحها الله, سبحانه وتعالى, نعمة القناعة والتواضع, فهي تحرق نفسها, من اجل ان تدعم الآخرين. وهذه الصفوة المختارة, يرسلها الله, سبحانه وتعالى, بين الفينة والأخرى, لتقود مجتمعنا, ولتبرهن دائما ان عنصر الخير ما زال محفوظا فينا, ولكي لا ييأس الناس, ويعتقدوا ان كل المجتمع مليء, بالطمع والأنانية, فتبرز ملامح هذه الصفوة المختارة, في أذهان الناس, وتظل هي هي, الجذوة المتوهجة, التي تحافظ على القيم والفضائل الانسانية طوال الوقت, فقد قدّر الله سبحانه وتعالى, ان تظل هناك استمرارية للخير في المجتمع, وأن لا ينعدم العنصر الطيب من بين الناس. فمهما استفحل الطمع, وزاد الجشع, وكثرت التعديات, وتفاقم الشر, تبقى شخصية واحدة, يرضى الله سبحانه وتعالى, عن اعمالها, تعيش بين هؤلاء, كافية لإنقاذ جزيرة بكاملها من الشر, كما قيل. ونحن ننعم, والحمد لله, بوجود أكثر من شخصية واحدة, يمكن ان تنقذ جزيرة, او جزر بكاملها. فالخير متواصل ومستمر في ربوعنا, لأن منبتنا طيب, وعنصرنا عريق, وأصلنا تليد, ومهما ساءت الظروف حولنا, ومهما قسا علينا الدهر, ومهما كثر التحريض حولنا, إلا أننا نشعر, وبثقة كاملة, ان الله دائماً معنا, يرعانا ويحمينا, ويسدّد خطواتنا, ويلهمنا الى اتباع الطريق الصحيح.
وكما قلنا, فإننا على المستوى الفردي, نعاني من مشاكل وانحرافات وشذوذ أحيانا,ً وقد ننتقد هذا او ذاك, وقد لا يعجبنا ما فعل الواحد مع الآخر, وعادة لا نتفق, وعادة ما نتخاصم, لأتفه الأسباب, لكننا على المستوى الجماعي, شيء آخر تماماً. فكل  الشيّم والأخلاق والخصائل والمزايا, متوفرة فينا كطائفة وكمجموعة. وقد اثبتنا على مدى التاريخ, ان الطائفة الدرزية إن أخلصتْ أخلصت, وإن وثقت وثقت، وإن دعمت دعمت، وهي تفعل كل ذلك, علانية وأمام الملأ, ودون تستر ودون مراوغة, وبعزم وثقة واطمئنان, انها تفعل الصحيح. منذ الف سنة, والطائفة الدرزية, تقف الى جانب قوى الخير, والى جانب الشعوب والأقوام التي تجاورها, لتشد أزرها وتدعمها وتحافظ على كيانها.  فعندما داهمت جحافل الصليبيين بلاد المشرق, بحملة مسعورة, بحجة المقدسات, وقف الدروز الى جانب اخوانهم في المنقطة كالسد المنيع, وقاتلوا وقُتلوا, واستبسلوا وهوجموا, ولا نقول ان النصر كان حليفهم دائما,ً فقد واجهتهم احيانا,ً قوى أكبر منهم, وأكثر منهم بكثير, وأجبرتهم بقوة السيف والعدد, ان ينهزموا, لكنهم انهزموا رافعي الرأس, لأنهم ذوو عقيدة ثابتة, ومبدأ واضح, ومسلك شريف, وايمان بالله وبعزته. وتوالى المهاجمون على الشرق, ومرة أخرى, يهب الدروز ليفعلوا ما يجب ان يفعلوه, فترخص الأنفس, وتهون الحيوات, ويضع كل مواطن درزي نفسه على كفه, غير كارث او خائف من الموت, ويحارب من أجل العزة والكرامة. ولا يذكر التاريخ ان الدروز قاموا باعتداء او هجوم او تعدٍ, إلا دفاعاً عن أنفسهم, وعن كيانهم, وقد أكسبهم الله القدرة على التحمل, فهم لا يسارعون الى القتال, إلا اذا لم يكن من ذلك بد, فهم في البداية يتسامحون ويغفرون ويتساهلون, ولكنهم اذا جدّ الجد, فهم لها, يقفون صفاً واحدا,ً ليدافعوا عن الشرف والكرامة والمصير. وقد توالت السنين, وتغيّر وجه المهاجم والمتعدّي, لكن الدروز لم يتغيروا, وظلوا هم هم, أسياداً في ربوعهم, حماة للحمى. واذا أردنا ان نقدّر عملهم, بناءً على نسبتهم العددية بين السكان, يتبادر للذهن لاول وهلة, أنهم بالملايين, لحجم أفعالهم, لكنه يستدل ان عددهم لا يزيد عن بضع آلاف فقط, لكن الله سبحانه وتعالى, جعل من كل واحد منهم, وكأنه عشرة رجال, ولأن الله سبحانه وتعالى, قوّى نفوسهم, ووسّع مداركهم, ومنحهم البسالة والجرأة والشجاعة, فأصبحت كتيبة صغيرة منهم, تتصدّى لجحفل كامل, ولجيش جرار, وأحياناً تتغلب عليه. والذي يتمعّن في تاريخ الدروز خلال الف سنة, يجد إن كل معارك الدروز, كانت دفاعاً عن النفس, وحماية للبيت والأهل, ولم تُترجم ولا مرة واحدة, الى انجاز من اجل فرض حكم. ومن اجل ترجمة هذا النصر الى سلطة, واستغلال واستبداد, كما يفعل الغير. هكذا أشعل سلطان الاطرش, نيران الثورة السورية, وذهب الى النبك, وترك المراكز والمقاعد لمجموعة من الهامشيين, أخذت تتصارع على السلطة, وتتنافس على الميزانيات, وتلعب بالمقدّرات. وعندما رفع الأمير مجيد ارسلان, راية الاستقلال في لبنان, اكتفى بمنصب وزير الدفاع, وترك الحلبة للآخرين. وعندما ثار شبلي العريان في وادي التيم, وانتصر وأزال الحكم المصري من البلاد, ترك الساحة ليتصارع غيره على الكراسي. وقد قام الشيخ بشير جنبلاط, بأعمال خارقة في بداية القرن التاسع عشر, من أجل الاستمرار, في بناء لبنان الحديث, بعد فخر الدين, لكن الذي استفاد من ذلك كان بشير الشهابي, الذي بذل كل جهد, ليقضي على نفوذ الدروز في لبنان, وعلينا أن نذكر فخر الدين الكبير, الذي أنشأ لبنان الحديث, على أسس من الديموقراطية والعلمانية والمساواة, عندما كان العالم بأسره, يغط في سبات الجهل والتطرف والإقطاع والإستبداد, وقد ضحى بطائفته كي يخلق أسلوبا جديدا من الحكم, لم يعرف مثله العالم في ذلك الوقت. ويمكننا ان نقول, ان هذا الأمر هو قدر محتوم, على أبناء الطائفة الدرزية, فنحن نجد دائما معادلة واضحة وثابتة, تتكرر المرة تلو الأخرى, وهي ان الدروز يسكنون في منطقة, وفجأة يحل الخطر بهذه المنطقة, فيهبّ الدروز يبذلون الغالي والرخيص لإزاله الخطر, وعندما يتم ذلك, يعودون الى عزلتهم, تاركين المناعم والامتيازات للآخرين, وهذه هي التضحية بكل معانيها, وبكل مركباتها, وبكل اسسها ومبادئها. التضحية صفة تلازم أبناء التوحيد وأبناء معروف منذ وجودهم. فهم الشمعة التي تضيء للآخرين, وهم المشعل الذي ينير الدروب, وهم السيف الصارم البتار الذي يشق الطريق.
وفي هذه الأيام, نحتفل بعيد الأضحى المبارك, الذي يحل علينا سنة بعد سنة, ويذكّرنا بهذا الواقع الذي نعيش فيه, ونحن نجد في عيد الاضحى مصدر قوة, ومبعث نور وإقرار, بأن طريقنا صحيح, وان سلوكنا مناسب, وأن تفكيرنا سليم, فالانسان الذي يعرف التضحية, يعرف كل القيم والخصال الأخرى. ومن يقدّر ان يقيّم سلوك انسان ما في ظرف ما, فليس من الصعب عليه, ان يقيم كل أعماله. نحن نحتفل بعيد الأضحى المبارك, كرجال دين وكأناس غير متدينين, ببهجة وحبور وانتعاش, لأن في عيد الأضحى, تجدد للفكر الثاقب, والعقيدة الراسخة, والايمان العميق, وما أجمل تلك الساعة, التي يخرج فيها جميع المتعبدين من أماكن العبادة, فتشاهد شوارع كل قرية, تعبق في تلك الساعة بالفضيلة والايمان والتقوى, لكثرة الجماهير المؤمنة التي تسير الى بيوتها, وهي مشبعة بكنوز العقيدة والدين.
وإذا كُتب على الطائفة الدرزية, ان تضحّي فهذا جزء من شخصيتها, ومن قدرها. وعندما ينبلج صباح يوم العيد, وتشرق الشمس في بيوت ابناء الطائفة الدرزية, تسطع في بيوتهم, وفي عقولهم, وفي مخيّلاتهم, وفي عوالمهم, وفي ضمائرهم, شموس أقوى من الشمس التي تمدّهم بالحرارة, هي شموس الفكر والعقيدة والايمان, لذلك لا يضيرهم أحيانا أن يكونوا في قلب الخطر, وأن يضحوا بأغلى ما عندهم, وأن يضعوا أرواحهم على أكفهم, لأنهم على يقين أن الله, سبحانه وتعالى, يحميهم ويرعاهم ويحافظ عليهم, ويخصهم بعنايته.

وكل عام وانتم بخير  


سميح ناطور

دالية الكرمل
كانون ثاني
2005

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.