spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 96
المرحوم الشيخ أبو علي محمد عامر 1902-2009
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
القائد الفاطمي جيش بن الصمصامة طباعة ارسال لصديق
بقلم الدكتور سلمان حمود فلاح

هو قائد فاطمي كبير, ينتمي الى قبيلة كتامة المغربية. وقد جاء مع جوهر الصقلي من المغرب, مع كافة أبناء قبيلته, ومع أخواله اولاد جعفر ابن فلاح, واستقروا في مصر وفي القاهرة, وتقدّموا في سلك الجيش, وحصلوا على مراكز قيادية, وألقيت عليهم مهمات حربية, وتقلّدوا مناصب ولاة, في أماكن مختلفة من الخلافة الفاطمية. وقد جاء في كتاب تاريخ ابن القلانسي, ان جيش ابن الصمصامة, كان من شيوخ كتامة (ص 48) . وقد تدرب تديباً عسكرياً’, وكان شجاعاً, ولفت نظر قواد الجيش, فاهتموا به ووكّلوه ببعض المناصب الصغيرة, حتى كبر في الوظائف, وأصبح بالإمكان ان تلقى عليه مهمات كبيرة. وقد كان جده, جعفر بن فلاح, القائد الكبير, وكان أخواله ابراهيم وسليمان وعلي. وذكر ابن القلانسي, انه كانت له عداوة مع خاله سليمان بن جعفر بن فلاح (ص 48), ومع كل هذا, فقد استفاد جيش من هذه القربى, واستطاع ان يتبوّأ مراكز هامة في الدولة, بسبب قرابته هذه وطبعا,ً لأنه كان يتمتع بالمؤهّلات المناسبة لقيادة جيش, ولتولي مسؤوليات كبيرة. وقد جاء ذكر موسع لجيش بن الصمصامة, في موسوعة المقريزي "المقفى"  حيث يقول هناك في المجلد الثالث (ص113) :" قدم جيش الى القاهرة, فيمن قدم اليها مع المعز, وخرج مع خاله ابو محمود ابراهيم بن جعفر بن فلاح الى الشام, فولاه مدينة دمشق لأيام بقيت في ربيع الآخر سنة اربعة وستين وثلاثمائة، وقتال أهلها فنزل عليها أياماً, ثم عبر اصحابه الى جهة باب الفراديس, فثار بهم اهل دمشق, وقتلوا منهم, وساروا الى جيش, ففرّ منهم وغنموا ما كان له. فاصبح جيش ونازل المدينة ومعه نفّاطون, فضرب مواضع بالنار, وقتل من قدر عليه, الى ان أهلّ جمادي الأول, فناصبه الناس وجدّوا في قتاله, يوما خلف يوم, من بكرة النهار الى الليل, الى ان صُرف ابو محمود عن دمشق, بريّان الخادم, وسار الى الرملة فسار معه. وقدم الى القاهرة فأقام بها, الى ان ورد على الخليفة العزيز كتاب منجوتكين بنزول بزيل ملك الروم على حلب فسيّره ( اي الخليفة العزيز) على عسكر كثير سنة 385 هجرية الى الشام, فمات العزيز بعد قليل, وقام من بعده الحاكم بأمر الله, وصرف منجوتكين عن الشام بسليمان بن جعفر بن فلاح, ثم عزل سليمان بعد تسعة اشهر بجيش ابن الصمصامة, فسار من القاهرة سنة 387 ونزل على دمشق, بعدما أقام بالرملة مدة. وقدم اليه بشارة, متولي طبريا, وسار بالعساكر الى فاميا, وقد نزلها الروم فقاتلهم قتالا كبيرا, قتل فيه من الروم نحو خمسة الاف وانهزم باقيهم. ومضى جيش الى نحو مرعش, يحرق ويهدم, ونزل على انطاكيا, وبها الروم وقاتلهم اياما,ً ثم سار الى شيزر, وعاد الى دمشق, فنزل المزّة يوم الثلاثاء لسبع باقين من ذي القعدة عام 388 ، نزل بشارة القصر الذي بدمشق, على انه والي دمشق، فورد كتاب من مصر باستقرار جيش بن الصمصامة على امارة دمشق. وكانت دمشق قد خربت, وقلّ ناسها وضعفوا, وثار قوم من الجهّال, وصاروا يأخذون الخفارة من الناس, فكثرت اموالهم, وركبوا الخيل, ومشت الرجال بين ايديهم, وزاد عجبهم, وأظهروا انه تحت طاعة السلطان وفي خدمته. فأمّنهم جيش ووعدهم بالأرزاق حتى اطمأنوا اليه، فقبض عليهم, وقيّدهم وحبسهم, وشدد العقوبة عليهم, حتى استصفى اموالهم, وتتبع من استتر منهم، وضرب أعناقهم, وصلبهم على ابواب المدينة, حتى خلا البلد منهم.
" ثم طمع في بقية الناس من أهل المدينة والقرى, وجبى منهم الاموال, الى ان شمل ضرره الكافة, فكثر الدعاء عليه, وهو يطرح الأموال على القرى, وعلى اهل المدينة, ويعدهم ببذل السيف فيهم. وبينما هو في ذلك إذ ورد الخبر بمسير الروم اليه, في طلب ثأرهم بأفاميا. فجمع العربان وغيرهم, وأنزلهم من قرى دمشق, ونزل الروم على شيزر, وقاتلوا أهلها وملكوها. ثم أخذوا مدينة حمص وسبوا وحرقوا. ثم ساروا الى طرابلس ونزلوها مدة ثم افرجواعنها. وتوجهوا الى الثغور الجزرية, فاستأسد جيش عند رحيلهم, وزاد ضرره لأهالي دمشق. وكان به طرف جذام, فتزايد به, حتى تمغطّ شعره ورشح بدنه واسود,ّ ثم انمحت سحنة وجهه, وداد كله ونتن جميع جسده, فصار يصيح :" ويحكم، اقتلوني اريحوني". الى ان هلك يوم الأحد السابع من ربيع الآخر سنة 390. وكان مقامه على دمشق ستة عشر شهرا وستة عشر يوماً."     
وقد انتبه الى أوصاف ومواهب جيش بن الصمصامة, في القاهرة رئيس القصر, برجوان الذي كان شخصية قوية في حينه, وعيّن الكثير من التعيينات العسكرية والسياسية, وكانت له حظوة عند الحاكم بأمر الله (عبد الله عنان  ص 93).
 وعن السنوات الأخيرة في حياة جيش, يكتب المؤرخ محمد عبد الله عنان, في كتابه الحاكم بأمر الله وسنوات الدعوة الفاطمية 176 :"في سنة 388 اضطرمت الثورة في صور, بزعامة بحار بن عامر يدعى العلاقة, فقبض على زمام الحكم فيها, وضرب السكة بأسمه. وثار بالرملة في نفس الوقت زعيمها, مفرج بان دغفل الجرّاح, فأرسل برجوان الى فلسطين, جيشاً ضخما, بقيادة جيش بن الصمصامة، وكان جيش جنديا جريئا من زعماء كتامة, الذي التفوا حول برجوان, يستأثرون بمعظم مناصب الولاية والقيادة، فسار جيش الى الرملة, واستولى وأخضع ثوارها, وطارد مفرج بن دغفل وقواته, حتى أذعن الثائر لطلب الآمان والصلح, فعفا عنه وأمّنه, ثم عطف بقواته على صور. وكان علاقة قد استنجد بالإمبراطور بسيل الثاني, ووعده بتسليم صور, فبعث اليه المدد من البحر, فسارت الى مياه صور وحدة من الاسطول المصري, بقيادة الحسين بن ناصر الحمداني وفايق الخادم, وحاصرت صور من البر والبحر, ونشبت بين الفريقين معارك شديدة في مياه صور وأرضها, فهُزم الروم وحلفاؤهم الخوارج, وأسرت سفينة بيزنطية كبيرة, وقتل جميع من فيها, وسقطت صور في ايدي القوات الفاطمية, ونُهبت وسُبي جمع من اهلها, وأسر زعيم الثورة, العلاّقة وأرسل الى القاهرة, فأعدم وصُلب. وسار جيش بن الصمصامة بعد ذلك, الى دمشق وكان عليها سليمان بن جعفر الكتامي, فنزعه جيش من الولاية, وألجأه الى الفرار, وقمع عوامل الفتنة, ووطّد سلطة الدولة, وواصل سيره الى فاميا, وهناك التقى بالروم, ونشبت بين الفريقين معركة شديدة, هُزم فيها المسلمون اولا, ولكن سرية من الفرسان بقيادة بشارة الاخشيدي ثبتت في وجه الروم, ونفذ الى المعسكر البيزنطي جندي مسلم, ووثب بقائد البيزنطيين المعروف بالدوقس على غرّة منه, فقتله وعلى أثر ذلك, وقع الاضطراب في صفوف الروم, وهاجمهم المسلمون بشدة, فمزّقوهم شر تمزيق, وقتل منهم عدة آلاف... وعاد جيش الى دمشق, وعسكر في ظاهرها, وتتبع الخوارج والمخالفين, فقتلهم وبسط حكم الارهاب على المدينة, إلا انه لم يلبث ان اضطر الى مواجهة خطر البيزنطيين مرة اخرى. واستصرخ جيش حكومةالقاهرة, فأرسلت اليه المدد من كل صوب, لكن المواجهة لم تقع إذ انسحب البيزنطيون, وفي نفس الوقت مرض جيش ومات."
وقد حل مكان جيش, إبنه عبداللة, وقد جاء في المقفى, ص 120: " وصل إبنه عبداللة بتركته في جمادي الآخرة, ودفع درجا إلى ريدان الصقلبي حامل المظلة, بخط أبيه جيش يتضمن وصيته, وتعيين ما خلفه مفصلا مشروحا, وفيه أن ذلك جميعه لأمير المؤمنين الحاكم بأمر الله, لا يستحق أحد من أولاده في ذلك درهما واحدا فما فوقه. وتبلغ قيمة ذلك زيادة على مائتي ألف دينار ما بين عين ورحل ومتاع. فلما مثل عبداللة بن جيش بحضرة الحاكم, قال ريدان: " إن التركة كلها قد حزتها, وهي على البغال محمولة تحت القصر" واستأذن الحاكم فيمن يتسلمها. فأخذ الحاكم منه الدرج, وأوصله لابني جيش بن الصمصامة, وقال لهما بحضرة أوليائه ووجوه دولته: " قد وقفت على وصية أبيكما رحمه الله, من عين ومتاع مما أوصى, فخذوه هنيئا مباركا لكما فيه" وخلع عليهما فانصرفا بجميع التركة. "  وعلق على هذا الحدث محمد عبدالله عنان قائلا: "ودل بذلك ( أي الحاكم) على صفة من أخص صفاته, هي العفة عن مال الرعية, والزهد في المال بصفة عامة( ص 102).
لقد كان جيش بن الصمصامة, قائدا شجاعا وعسكريا لامعا, لكنه كان واليا حازما وقاسيا, فلم يكن يتهاون مع أي إنسان يعارضه, فكان يفتك به حالما يستطيع, ولربما تكون الظروف هي التي ولدت هذه التصرفات, وخاصة تصرفاته مع أهل دمشق, حيث كان يتطلب يد حازمة, كي تستطيع أن توقف تمرداتهم, وتضع حدا لتهربهم من الولاء للسلطة المركزية.      

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.