spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 18
كلمة العدد: جامع كرامات الأولياء
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 154
العدد 153
العدد 152
العدد 151
العدد 150


 
المرأة في جبل الدروز طباعة ارسال لصديق
بقلم د. حسن البعيني
عن كتاب "جبل العرب"
هي شريكة حياة الرجل. لا يناديها غالباً باسمها، بل باسم ابنها الأكبر (أم فلان). إنها سيّدة البيت. لا تتعاطى التجارة أو الوظيفة، وإنما تقوم ببعض أعمال الحقول وبأعمال المنزل فتحلب الماشية، وتطعم المعاليف، وتجلب الماء وتعدّ الخبز كل يوميْن أو ثلاثة، وتخيط الثياب، وتغزل الصوف وتحيكه. وهي تستقبل الضيوف في  بيتها، وترحّب بهم، وتقوم بواجبات الضيافة، دون أي تقصير، لأنها يجب أن تكون ظل ربّ البيت وصورة صادقة عنه.
وحظها من التعليم قليل. لكنها تعوّض عن الفقر العلمي بالتعاليم الدينية، وبالرصيد الأخلاقي الذي يُغني به نفسية أبنائها. "ولا يعرف المجتمع الدرزي شيئاً عن الزنا، والخيانة الزوجية، وما أشبه ذلك من المفاسد الاجتماعية. فالمرأة الدرزي أعفّ نساء العالم، وأشدّهن طهارة ومحافظة على شرفها."
إن الشرع الدرزي المشابه لشرع باقي الطوائف الإسلامية، يعطي البنت نصف حصة أخيها. والمحاكم المذهبية الدرزية تطبّقه حالياً عن غياب الوصية. والوصية هي أحد الطقوس الدينية البارزة، وبها يجوز الإيصاء لوارث وغير وارث، والاستنساب في تقرير حصة الورثة ولكن ضمن مبادئ مذهبية تفرض العدالة وإنصاف البنت.
هذا على الصعيد النظري. أما على الصعيد العملي الذي ترافق في الجبل لفترة طويلة مع غياب المحاكم الشرعية، فكان للذكر ميزة على الأنثى في ناحية الإرث أكثر بكثير مما سمع به الشرع الدرزي. فالمرأة عند الأكثرية مظلومة مغبونة لا ترث شيئاً، لأن الوالد، إذا أوصى ببعض أملاكه إلى ابنته، يشترط انتفاعها بها بعد موته خلال بقائها في البيت، أو بعد طلاقها، دون أن يكون لها حق التصرّف أو الانتفاع بها وهي عند زوجها. وكثيراً ما تكون حصتها متواضعة، وإيرادها لا يفي بالحاجة، فتضطر أن تعتمد على جهدها، وعطف إخوتها الذي يجدون أنفسهم ملزمين أدبياً بإعالتها. وقد أثر الدروز في هذه الناحية في غيرهم "فسرت عادة منع الميراث إلى مجاوريهم في الجبل من بقية الطوائف". وتتلخّص أسباب هذا المنع المخالف للشرع بما يلي:
أولاً :-  شيوع مفهوم ميزة الذكر على الأنثى
ثانياً :-  شيوع مفهوم خاطئ بأن الرجل، إذا أوصى بالحصة القانونية أو العادلة إلى ابنته، يحوّل ثروة من بيته إلى بيت آخر، وترادف هذا المفهوم مع مفهوم يعتبر بيت البنات فارغاً وبيت الصبيان ملآن، بمعنى أن البنات ينتقلن إلى بيت أزواجهن، وإن أولادهن لا يحملون اسمهن بل اسم آبائهم. وبالعكس أبناء الصبيان يحملون اسم آبائهم وجدودهم، ويحافظون على بقاء العشيرة واستمرارية هذا البقاء. وما دام الأمر كذلك، فمن الأفضل حصر معظم الإرث في الأبناء الذكور.
ثالثاً :- يخاف البعض أن يتصرّف أصهارهم بأملاك بناتهم التي أوصوها لهن، وليس في الأمر أية خطورة في حال بقاء البنت المتزوجة في عصمة زوجها. ولكن الخطورة تكمن في طلاقها المحتمل. وفي هذه الحالة تكون قد خسرت أملاكها، وفقدت ضمانة مالية لشيخوختها وأيام عجزها أو فقرها.
رابعاً :- عدم وجود المحاكم الشرعية أفسح في المجال، وخاصة في حال عدم وجود الوصية، أمام سيطرة الأعراف العشائرية التي تهمل حق البنت، وتحصر معظم الإرث بالذكور فقط انسجاماً مع مبدأ مراعاة القوي والاستهانة بالضعيف.
ونساء الجبل قويات البنية. وهذا عائد إلى المناخ ونوعية الطعام اللذين يجعلان أجسام الجميع قوية تميل إلى السمانة.
والمرأة الدرزية دفعت كالرجل ضريبة الدم. فخلال حملة طاهر باشا عام 1897 " كان في إحدى المعارك قرب قنوات بين شهداء الدروز أكثر من ثلاثين امرأة شهيدة". بيد أن دورها في تاريخ نضال الدروز لا يبرز مباشرة عن طريق اشتراكها القتال، لأن التاريخ لا يحدث إلا عن القليل من النساء الدرزيات اللواتي حملن السلاح وقاتلن، وغالباً ما حصل هذا إلا إلى جانب أزواجهن وإخوتهن. وامتناعهن عن ذلك عائد إلى الأعراف والتقاليد التي تخشى وقوعهن أسرى بيد الأعداء، وإلى اعتداد الرجال بأنفسهم وبأنهم نقالو البنادق وحمّالو السيوف وحماة الديار والذمار.
ودور المرأة في الحرب ينحصر بتقديم الزاد والماء، والتنقل بين البيارق لتنخية الرجال، وتمريض الأقارب. وظهورها في المعارك سبب في الانتصار. وتشجيعها بعد الهزيمة داع للارتداد إلى القتال ودحر الأعداء. وخوف المقاتلين أن ينتصر العدو، وينتهك حرمة النساء، حافز لهم على التضحية والاستبسال والاستشهاد.
إن الدروز المنهزمين أمام الجيش المصري في اللجاه عادوا إلى المعركة بعد أن استوقفتهم زغاريد النساء، ولم يعبأوا بقصف المدافع، وانتصروا على الأعداء أضعاف عددهم.
وسعدى ملاعب أعادت المنهزمين أمام الحملة العثمانية عام 1896 فارتدّوا إلى القتال، وحققوا انتصاراً رائعاً في موقعة العيون قرب عرمان وعادوا يهزجون:
" على شانك سعدى ملاعب            نفني   كلّ   الكتايب
وما بيرجع  لقرابه  السيف                 حتى يسوّي العجايب"
وبعد انهزام الدروز في معركة المزرعة صباح الثاني من آب 1925، عاد بعض المقاتلين، واشترك في هجوم المساء بتحريض من زوجة المجاهد عباس أبي عاصي في نجران "التي رفضت أن يمد ثائر يده إلى الطعام الذي أعدّته لهم، إلا إذا وعد بالعودة إلى ساحة القتال". وفي اليوم ذاته كان نساء السويداء يثرن النخوة في نفوس المقاتلين المنهزمين ويحرضنهم على استئناف القتال.
وأثناء الثورة السورية تكلفت أم حمد، بستان شغلين، من قرية صميد بتقديم الطعام للمقاتلين اللبنانيين يومياً حتى لم يبقَ لديها شيء تقدّمه. فباعت مصاغها ورهنت أرضها. ورفضت فيما بعد قبول مساعدة الجنرال أدريا الذي أعجب بوطنيتها، وحاول أن يخفف من بؤسها.
ودور المرأة في كسب المعارك يبرز بطريقة غير مباشرة من خلال اشتراك صبايا القرية في صنع البيرق. فيحس المقاتل، وهو يدافع عنه، كأنه يدافع عمن طرّزه وحاك رسومه: عن أمه، أو أخته، أو ابنته، أو حبيبته. وهو يستبسل في القتال، لأنه يتذكّر وداع النساء لرجال القرية عند أول البلدة قائلات: النشاما، أنظروا ماذا تتركون وراءكم.
والمرأة الدرزية تشيد بالشجاع، وتحتقر الجبان الذي لا يصلح أن يكون زوجاً. والفتاة الدرزية لا تتزوّج إلا الشجاع الذي يحمي الأرض والعرض. وفي المعارك ينتخي الدرزي بأنه أخو فلانة، ويحيي رفاقه بأسماء أخواتهم أحياناً. والشاعر الشعبي يحيي سلطان باشا الأطرش بأبيات رددها الفرسان كثيراً وهم يحدون على ظهور خيولهم عند ذهابهم إلى المعارك:
" عفي يا خو سميّة، حرّ وما يهابا          ذبّح العساكر، كسّر الطوابا"
ويخاطب الدرزي ابنته وهو ذاهب إلى المعركة قائلاً :
" يابنيّ يا اللي بالبيت           كُبّيني إن كنّي ذلّيت"
         
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2020 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.