spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 51
المساواة في حقوق الفرد بين الجنسين والإصلاح الديني
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 138
العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134


 
كلمة العدد: الجاهل صغير وإن كان شيخا طباعة ارسال لصديق
الجاهل صغير  وإن كان شيخا

 
جاء في كتاب نور الحكمة, للأستاذ حافظ ابو مصلح, أن أحد الأجاويد في بيت ابي نعيم في الشويفات, شردت له بقرة, وراحت تعدو هاربة بعد أن مرت عليها ايام مزروبة أمام معلفها. أخذ الجويد الكريم يعدو خلفها ويناديها لكنها لم تتوقف. ظلت تركض وهو في أثرها, حتى وصلت بلدة الدامور, وهناك أخذ منها التعب مأخذاً قوياً فتوقفت لاهثة. إقترب منها صاحبها الجويد, وربت على رقبتها قائلا في هدوء :" يا مباركة أتعبت نفسك وأتعبتيني". ثم عاد الى الشويفات دون أن يبدو عليه أي اثر للانفعال وفقد الأعصاب... وجاء في نفس الكتاب, عن الشيخ ابو علي اسماعيل ملاعب, معلم  ورفيق الشيخ ابو حسين محمود فرج رحمهما الله,  وكان زاهدا منصرفا بكليته للعبادة. وقد عُرف الشيخ بهدوء أعصابه وحلمه واتزانه, فلم يستطع أحد مرة ان يجعله يغضب. واتفق بعض الجهال ذات مرة, أن يثير حفيظة الشيخ, كي يتفوه بكلمة نابية, او بأية عبارة انفعال, فأرسلوا اليه بائعا متجولا من زحلة, كان يبيع الخمرة, وصدف مروره في بيصور, فقالوا له : إذهب الى الشيخ ابو علي اسماعيل, فهو يشتري منك كل ما تحمل. انطلق البائع الى بيت الشيخ مسرعاً, ولما فُتح له الباب قال:" يا شيخ جئتك خصيصا بهذا الحمل من العرق، إنه من العنب الزحلاوي الصافي, وسعره يرضيك." لم ينفعل الشيخ ولا ثار غضبه, بل قال للرجل في هدوئه المعهود, وصوته الهادئ, ونبرته الودية: يا بعدي, الله يعطيك العافية. تموّنا ( يقصد انه جمع مؤونته من الحلال)...
هاتان الحادثتان, تشيران الى الخصال المعروفية العريقة, وهي هدوء الأعصاب, والتأني, والصبر, والحلم, ورباطة الجأش, وعدم الثوران بسرعة, وتقبل الإساءة بالإحسان, والتجاوز عن كل تعدّي او تهجم, إلاّ اذا بلغ السيل الزبى.  فالطائفة الدرزية معروفة منذ ألف عام, بأنها مسالمة هادئة وادعة, سكنت في رؤوس الجبال, بعيداً عن المشاكل والحوادث والقلاقل, لأنها أرادت أن تتفرّغ لشؤونها وأمورها الداخلية, ومشاكلها الحياتية, وفلسفتها الذاتية. والدروز عادة, هم أناس منطوون على أنفسهم, بعيدون عن الإستفزاز والتحدّي والبروز, وكما يقولون عندنا بلهجتنا العامية  "يبحثون عن السترة", وذلك بسبب العزلة المذهبية, وسرية الدين, وطبيعتهم السمحة الوادعة. ومن عادة الدرزي, عندما يتواجد في أي إطار مشترك مع الآخرين, أن يتركز في أموره هو, ولا يعنيه ما يجري مع الباقين, وكل همه هو أن ينجح, وأن يتقدّم, وأن يسيِّر أموره بشكل منظم ورتيب, ليضمن لقمة العيش له ولأولاده, وليحافظ على ما لديه, وليستمر في حياته الرتيبة والهادئة. والدرزي العادي,  وبتأثير من تعاليم مذهبه, لا يملك "العيون الكبيرة" التي تحدِّق بالآخرين, وتستفزّهم, وتشكّل خطرا عليهم. وهناك الكثيرون منهم, اذا تكلم احد معهم تكلموا, واذا صادقهم أحد تصادقوا, والقليلون هم الذين يبادرون لربط علاقات والتوجُّه للآخرين. وعندما يعيش الدروز مع الآخرين كاقلية, فإنهم موصوفون بالشجاعة والبسالة والجرأة, لكنهم يعرفون كيف يلزمون حدودهم, وكيف يسايرون جيرانهم, وكيف يتعاملون معهم بمبدأ التقدير والاحترام المتبادل. وعندما يكونون أغلبية, فإنهم لا يستغلون قوتهم, لأنه ليس لهم أي مطلب, بل بالعكس يشعرون مع الأقليات التي تعيش معهم, ويعطفون عليهم, ويفضلونهم على اخوانهم, طالما هؤلاء يحترمون أنفسهم ويحترمونهم. إن تاريخ الطائفة الدرزية عريق وغزير وشامل, وهو مليء بالحروب والمعارك والمناوشات. ومن يبحث في كل الحروب التي جرت, وفي أسبابها, والعوامل التي أدت الى وقوعها, يجد دائما, ان حرب الدروز كانت دائما حرب دفاع, وأن انتفاضتهم جرت بعد أن جُرّبت كل المحاولات الأخرى, وبعد ان استُهلكت كل الوسائل السلمية. عندها يقومون مرة واحدة, يردّون الإعتداء, ويعودون الى عزلتهم وانطوائهم.
 وقد أثبت المواطن الدرزي, انه حسّاس لقومه ولأهله, وهو كذلك حساس لأهالي الآخرين, وما لا يسمح به لنفسه, لا يسمح بعمله للآخرين, حتى ولو كانوا أعداءه. يجمع المؤرخون, وكذلك الرحالة الغربيون, الذين زاروا منطقة الشرق الأوسط في القرون الغابرة, والتقوا بالدروز, ان الدروز شعب يصون العرض والشرف والكرامة. وكم من مسافرة, وكم من رحالة تنقل مع زوجته, بين القرى الدرزية, في عصر لم يكن فيه نظام او قانون, وفي وقت كانت الشوارع مليئة بقطاع الطرق والصعاليك والمعتدين, لكن ذلك الرحالة, طالما وُجد في منطقة درزية, فقد شعر بالطمأنينة والآمان. وكم من مؤرخ, كتب عن الدروز, أنهم عندما كانوا ينتصرون على أعدائهم, كانوا لا يمسون شرف امرأة واحدة من هؤلاء الأعداء. فهم يصونون عرض نساء أعدائهم, ويحافظون على طهارتهن, مثلما يفعلون مع نسائهم. وفي الحوادث المتكررة التي انتصر في أغلبها الدروز, لم يُذكر مرة واحدة, اي حادث عن تصرف غير لائق.
 والدرزي لا يتعدى على جاره, ولا يحلم بأن يرثه, او ان يتسلم زمام الأمور مكانه, لأن تعاليم دينه تمنعه من القتل, او السرقة, او التعدي, او إساءة التصرف. وقد كان في السابق, معظم الشباب من سن الثالثة عشرة وحتى الستين, يتقيدون بالتعاليم الدينية, ولا نقول متدينين, وهذه التعاليم تمنعهم من التعدي على الآخرين. والدرزي المتدين يحاول كل حياته ان لا يخالف ولو مخالفة صغيرة تعاليم دينه لأنه ملزم أمام الله والناس بما يؤمن ويتقيد به, وفي السابق كان شيوخنا وأعياننا يقولون إن من يتعدى على الآخرين بدون سبب مصيره أن يتعدى على الأقربين كذلك بدون سبب, لأن النفس طماعة, ولذلك نهى المشايخ والأولياء والمسؤولون عن كل تصرف غير مقبول, ونبذوا العنف والقتل والتعدي, وسمحوا فقط بالدفاع عن النفس, كوسيلة أخيرة.
هذا هو وضع الطائفة والحمد لله بشكل عام, وعلى مر التاريخ, وفي أغلب الأوقات. ولكن تحدث أحياناً فجوات وهفوات وحالات طارئة, يتوقف فيها التفكير السليم عن ادارة الأمور, وتُفقد السيطرة من قبل العقلاء والمسؤولين, وتجري الأمور إمّا بلا ادارة او نظام, او بتوجيه من عناصر وقوى, لم تؤهَّل ولم تُعد ولم توكل من قبل الطائفة لأن تفعل ما تفعله, وإنما يحدث فراغ او عدم تواصل فيسمح البعض لنفسه بأن يعمل شيئا ما, يعتقد هو حسب مفاهيمه ومداركه, انه يخدم بذلك الطائفة, لكن ينقصه بُعد النظر, والرؤية الصحيحة, والتفكير السليم, والإتزان والتعقل الذي يتمتع به اصحاب القرار من العقلاء وكبار السن, والذين اتفقت الطائفة ان يشرفوا على مقدّراتها وأن يكونوا قيمين ومسؤولين على مصيرها. وعلى كل من يتعامل مع الطائفة الدرزية ان يحاسب هذه الطائفة على أساس ما يجري دائماً وما يصدر عنها بصورة عامة, وليس في حالات استثنائية. 
وقد قال قديما سيدنا هرمس الهرامسة صلوات الله عليه, الجاهل صغير وإن كان شيخا, والعالم كبير وإن كان حدثا...


     

والله ولي التوفيق...

سميح ناطور


دالية الكرمل
شباط- اذار
2005

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.