spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 120
في ذكرى سيدنا المرحوم الشيخ أمين طريف: شخصيات درزية قابلت فضيلة المرحوم
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 155
العدد 154
العدد 153
العدد 152
العدد 151


 
العقل الحاضر وإدراكه للتاريخ والماضي طباعة ارسال لصديق
بقلم د. جبر أبو ركن - عسفيا


هل الصورة الذهنية والفكرة التي ينقلها لنا عقلنا الحاضر عن أحداث تاريخية سابقة صحيحة وصادقة؟! ما مدى الصحة والدقة في تلك الحالات؟ هل يمكن فهم وإدراك الماضي على حقيقته بعقولنا الحاضرة التي تختلف عن عقول الماضي بسبب اختلاف ظروف الحياة بين الماضي والحاضر اجتماعيا واقتصاديا وعلميا وتربويا وسياسيا؟ ما زالت القضية تشغل عقول الباحثين والمؤرّخين أنفسهم في كل عصر وزمان.
عقل الإنسان في تطوّر مستمرّ منذ القدم وحتى اليوم وهو  يخلق بقدراته الأحداث والاختراعات ويغيّر البيئة والظروف والعالم. ومن جهة أخرى يتأثّر بالظروف التي يعيشها الإنسان ويتأثّر بالنوازع الداخلية عنده والتي نشأ وتربّى عليها – النفسية والبيولوجية والجسمانية والفكرية والعقائدية – دينية والسياسية وغيرها. لذلك الفروق والاختلاف في وجهات النظر والنظريات نابعة من اختلاف العقول البشرية سابقا وحاضرا ولاحقا. من الصعب إدراك الشيء كما هو بالفعل وموضوعيا عن هذه القضية كتب الفيلسوف الألماني عمانويل كانت Kant– القرن الثامن عشر- : لكل شيء ثلاث حالات
1-    نظرة وفكرة الأنا عن الشيء وهي غير موضوعية.
2-    نظرة وفكرة الآخر عن الشيء وهي كذلك غير موضوعية
3-    الشيء كما هو على حقيقته، وهذه الحالة هي الحقيقة ومن الصعب جدا لعقول البشر إدراك وفهم الشيء كما هو بدون انحيازات وزيادة ونقصان وتأثير مركّبات ومصالح الإنسان عليه.
لذلك حُكْم العقل الحاضر على الماضي وأحداثه والتاريخ وتقلّباته تنقصه بعض الدقّة والموضوعية والواقعية في كثير من الحالات. ومن الصعب على العقل تقبّل المستجدات بسرعة وبسهولة وطبيعته ترفض الجديد والثوري لأول وهلة. عاشت طائفة صغيرة في قرى جبلية بعيدة عن المدن. كل قرية شملت بضع مئات من السكان حيث اعتمدوا على الزراعة والرعاية وتربية المواشي والدواجن وكل همّهم وعملهم كان يتمركز في توفير الطعام والأمان والأمن. كان المجتمع القروي فقيرا ومتخلّفا وأميّا بأغلبيته. قلّة من الأفراد تعلّموا في المدينة فقط لمن توفّر لأهله بعض المال لدفع أجرة ومصاريف التعليم. حاجة الناس للمال أجبرتهم على بيع قسم من أراضيهم من أجل بناء بيت ومسكن لأبناء الأسرة أو لشراء حاجيات البيت أو لشراء سيارة أو لتعليم الأولاد في مدرسة في المدينة... وهكذا انتقل المجتمع القروي الفقير والبدائي والأمي إلى مراحل التقدّم والتطور ومعها العمل في الدينة وتحصيل المال والعلم  والحضارة المدنية مع كل مظاهرها وحسناتها وسلبياتها. وبعد مرور مائة عام ازداد السكان من بضع مئات إلى بضع آلاف وأصبحت القرية تقترب إلى الحياة المدنية أكثر من الحياة القروية مع التغيير المتزايد وغزو الحضارة والتمدن لكل بلد وحارة وشارع وبيت بوسائل التكنولوجيا والاتصال والمواصلات. المظاهر والأمور المادية للمدنية – الأدوات والملابس والمنازل والأجهزة – تغيّرت بسرعة كبيرة وجارفة. بينما العقل والفكر لم يتغيرا بنفس السرعة.. لأنه عاش وما زال يعيش صراع داخلي بين القديم.. وبين الدين والعلم.. وبين الجهل والمعرفة.. وبين عادات قديمة وحديثة.. ولم يتقبّل العقل القديم والمغلق أي اكتشاف علمي أو اختراع تكنولوجي بسهولة.. هكذا كان عندما وصلت أول سيارة إلى القرية.. وأول هاتف – تلفون – وتلفزيون وحاسوب وكل الأجهزة الحديثة واعتقد العقل القديم لأول وهلة أن هذه الأجهزة والآلات من صنع الشيطان وهو يديرها وربما يختبئ في داخلها.. حتى إدراكه الواعي والقبول بالأمر الواقع والحقيقة وفهم آلية وعمل هذه الاختراعات التي قامت بها عقول مبدعة ومتحررة من كل ما يعرقل تقدمها وتطورها. وتأثرت عقول بعض المتعلمين من ابناء المجتمع الدرزي والتقليدي بنظريات مستوردة منها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والنفسية والفلسفية... وبعضهم نظر إلى مجتمعه القديم بعقله الحديث من منظار مبني على نظرية معيّنة سياسية وغيرها، حسب نوازعه وأفكاره ومصالحه بدون فهم ودراسة الظروف التي سادت مجتمعه القروي قبل مئة سنة... لذلك نقد العقل الحديث للماضي المختلف بدون فهم كل العوامل لا تقود إلى الحقيقة التاريخية والنظرة الموضوعية... والعديد من المؤرّخين والكُتّاب يقعون في هذا الخطأ ومأزق الحقيقة والواقعية... إن عقل المؤرّخ والكاتب المبني مسبقا على منظار ونظرية سياسية أو قومية أو دينية أو اجتماعية وغيرها لنقد الماضي هو تشويه وتزييف للواقع الذي ساد المجتمع والبلد آنذاك وبعيدا عن الحقيقة التي عاشها أفراد المجتمع في حينه. العقل المنحاز يخطئ الهدف والعقل الموضوعي والمتحرر يصيب الهدف. 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2021 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.