spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 65
القائد الفاطمي جيش بن الصمصامة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 155
العدد 154
العدد 153
العدد 152
العدد 151


 
العقل البشري بين العلوم المادية والروحية طباعة ارسال لصديق
بقلم د. جبر أبو ركن



 
ما زال العقل البشري منذ بدء الخليقة وحتى اليوم، يمرّ في مراحل اكتشاف واستيعاب المعلومات والمعارف والتجارب خلال مسيرته الأبدية عبر العصور والدهور. من السهل على الإنسان استيعاب وإدراك وفهم العلوم التي تخضع للمقاييس المادية، مثل الحواس والقدرات، وهذه العلوم هي انتاج العقل ذاته، خلال مراحل تطوّره في تاريخ العالم والبشرية والحضارات. وما زالت تواجه العقل البشري مسألة كيفية التعامل مع العلوم غير المادية-ما بعد المادة والطبيعة-الميثافيزيقي-الروحانية والإلهية.
احتار الإنسان في أدواره وتقلّباته في الوجود المادي والروحاني بين الإيمان والكفر بالعلوم والظواهر الروحانية التي لا تخضع لمقاييس مادية للحواس، أو حتى القدرات العقلية الطبيعية مثل التفكير والتحليل والإدراك واللغة والكلام. استعان الإنسان بالدين والفلسفة والروحانيات من أجل الوصول إلى الجواب الشافي وراحة العقل والنفس بما يخصّ ويتعلّق بالعلوم الروحانية. وجاء في الإيمان كوسيلة لإسعاف الإنسان ومساعدته في بحثه عن المجهول ولغز الكون والحياة والوجود.
ما زال الإنسان محتارا منذ القدم حتى اليوم حول مسألة الوجود. ما هو؟ ما أنواعه؟ واحد، أم متعدد؟ مادي أم روحاني؟ أم الاثنين معا؟ زمني أم خالد عبر الزمن؟ ثابت أم متغيّر؟ محسوس أم مدرَك؟ ما هي الوسائل والمقاييس لمعرفته وإثباته؟ نسبي أم مطلق؟
ينكر علماء المادة وجود غير مادي. الموجود عندهم هو كل ما يمكن تحليله وتركيبه حسب معايير الطول والعرض والارتفاع والوزن والحجم والكثافة، وما نعرفه بالحواس والقدرات العقلية ولا وجود عندهم للإنسان بعد موت الجسد. مع الموت يفنى الإنسان وينتهي وجوده المادي. أما علماء الطاقة وغيرهم يؤكّدون وجود ظواهر ومظاهر غير مادية وأن الإنسان هو مخلوق مادي وروحاني وعقلاني. الجسد المادي هو العناصر والمركبات الطبيعية الزمنية الفانية مع الموت. وأما العناصر والمركبات الروحية والطاقية فهي باقية لا تفنى لأن مصدرها من الوجود الروحاني السماوي والإلهي الأبدي، وهو مصدر وأساس الوجود المادي والطبيعي في العوالم السفلى من الكون والأرض، أحد هذه العوامل المادية الطبيعية، وهذا ما يعتقد به المتدينون في كل الديانات وبعض الفلاسفة وعلماء الروح والطاقة. بالإضافة للوجود المادي المحسوس توجد درجات من الوجود الروحاني العلوي المدرك وغير المحسوس وهي لا تخضع لقوانين المادة والطبيعة التي نعرفها في عالمنا الأرضي. مثلا أنواع الطاقة في الوجود والكون وهي عديدة ويعرف الإنسان بعضها-الطاقة الشمسية والذرية والحركة والحرارة.
والمفهوم الحديث ينسب كل الوجود الروحاني بما في ذلك الروح والله والملائكة والجنة إلى الطاقات الكونية الأولية والأزلية ومنها تكوّنت كل أشكال الوجود والعوالم العليا الروحانية والسفلى المادية.
تشمل مصادر المعرفة القديمة والحديثة في حضارات مختلفة علامات وإشارات وأدلة على ظهور وتجلي الطاقات الروحانية الكونية الإلهية في العالم المادي، بما في ذلك عالمنا الأرضي في عصور مختلفة، وفي أماكن عدة لإثبات حقيقة الوجود الروحاني الإلهي لبني البشر، مثل اللاهوت والناسوت وتجلي الباري تعالى من اللاهوت – العلوي-إلى الناسوت السفلي. اللاهوت هو كل ما يتعلق بالله تعالى وهي حالة لا تدرك بالحواس والقياس ليس كمثله شيء.
أما الناسوت فهي حالة ظهور وتجلي اللاهوت بالناسوت، أي بشكل إنسان على الأرض، لإثبات وجود اللاهوت السرمدي الأبدي الذي هو مصدر الوجود والخلق.
جاء في مصادر روحانية عرفانية وصوفية: "أراد الله أن يظهر ذاته الجامعة في صورة جامعة فأظهرها في صورة الإنسان، وأراد أن يظهر الأسماء والصفات والأفعال في صورة كاملة مفصّلة، فأظهرها في صورة العالم" من الأقوال العرفانية-الصوفية.
"يا من في الآفاق آياته". "يا من لا تدرك الأفهام جلاله، يا من لا تنال الأوهام كنهه، سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم، ورد التجلي الإلهي كمصطلح في مصادر التصوف والعرفان بعدة معانٍ.
التجلي السلوكي والتجلي الميثافيزيقي (معرفة الوجود) في المعنى السلوكي: هو انكشاف الذات والصفات والأفعال الإلهية لباطن السالك (عقل العابد) وفي المعنى الثاني عالم الوجود: هو تجلي الحق سبحانه لنفسه. التجلي الذاتي وهو تجلٍّ إلهي ذاته بذاته على ذاته-إذ لم يكن اسما ولا رسما.
التجلي الصفاتي: وهو تجلي ذاته في اسمائه الحسنى وصفاته العليا. التجلي الافعالي: وهو تجلي ذاته بفعله. هو تعالى بكل شيء محيط. والمحيط لا يصير محاطا، والعالم كله هو تصنيف الله (الغزالي).
جاء في كتاب صوفي فلسفي:" من طالع الكتاب الافاقي على ما هو عليه، تجلى الحق تعالى في صور مظاهره الاسمية المسماة بالحروف والكلمات والآيات المعبَّر عنها بالموجودات العلوية والسفلية والمخلوقات الروحانية والجسمانية، لأنه ليس في الوجود سوى الله وصفاته وأسماؤه وأفعاله، فالكل هو ومنه وإليه. والله تعالى يتجلى لعباده المؤمنين من الأنبياء والأولياء والصالحين، ويتجلى لجميع الخلق حتى تكون له الحجة عليهم. والتجلي في اصطلاح الصوفية هو ما ينكشف للقلوب (الفكر والعقل) من أنوار الغيوب (العوالم الروحانية والإلهية العليا). المصادر الروحانية والفلسفية والدينية تزخر بالتأملات والشواهد الروحية والعقلية التي تؤكد أن الله تعالى تجلى في العالم وخلْقِه في عدة تجليات وأدوار وعصور. من بين تلك التجليات للقدرة الإلهية الكونية في عالمنا الأرضي نذكر ثلاث حالات في أماكن وحضارات مختلفة:
1-    في الحضارة الهندية القديمة: قبل حوالي خمسة آلاف سنة كان ظهور القوة والطاقة المطلقة في الوجود (الرب أو الله) باسم كرشنا بمقام ملك –الله-. ما زالت تعاليمه وعقائده الروحاني تؤثر على حياة الهنود حتى أيامنا هذه.
2-    في الحضارة اليونانية القديمة: كان الملك الإله –زيوس-يمثل القوة العليا في الوجود وهو مصدر كل شيء. ظهر في منطقة جبل الأولمبوس بجانب أثينا قبل حوالي ثلاثة آلاف سنة.
3-    في الحضارة الفرعونية في مصر: الملك الإله أمون-ظهر في مدينة طيبة القديمة وما زالت آثاره قائمة ومنتشرة حتى أيامنا هذه. 
 
 


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2021 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.