spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 1
الطائفة الدرزية في لبنان
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 150
العدد 149
العدد 148
العدد 147
العدد 146


 
كلمة العدد: "كل زعيم يحيك عباءته بأعماله هو" طباعة ارسال لصديق
Image

غادر بعد ظهر أحد الأيام في أواخر السبعينات عطوفة سلطان باشا الأطرش منزله متوجّها إلى البيدر الذي كان يستعمله، المتواجد في أراضيه خارج القرية، ليقوم ببعض الأعمال. وقد بنى هناك مخزنا وضع فيه أدوات العمل. وعندما وصل إلى البيدر، وجد مجموعة من الفتيان يلعبون هناك، فتوقّف وتحدّث معهم، وكان لا يوفّر فرصة إلاّ ويتحدث مع الأجيال الصاعدة، عن الاستقلال والبطولة والقيم والعادات والشجاعة. وعندما همّ أن يدخل المخزن، وضع يده في جيبه، واكتشف أنه نسي مفتاح المخزن في البيت. تفرّس في الفتيان، وتركّز نظره على أحدهم، لمس فيه القدرة والاستعداد لينفّذ ما يريد منه، فطلب منه أن يذهب إلى البيت، ويحضر المفتاح، لكي يستطيع العمل. وتفاجأ أن الفتى رفض طلبه قائلا: أنا هنا حارس مرمى فريقي، وحتى الآن منعت دخول الكرة، وقد علّمنا الباشا سلطان أن نستميت، وأن نضحي من أجل المحافظة على كرامة فريقنا، ولا أستطيع الذهاب، إلا بعد انتهاء اللعبة، أعجب الباشا بهذا الفتى وقال له: أقسم لك بشرف سلطان، أني سأقف مكانك، وأمنع دخول الكرة في المرمى. عندها وافق الفتى، فأعطاه الباشا مسبحة كانت بيده، كي يقنع أهل بيته أنه مبعوث حقيقة من قِبل سلطان، وهمّ يركض ليعود بسرعة.
 وقف سلطان في قلب المرمى، وكان الناس يعودون من أعمالهم ويشاهدون الباشا يلعب مع الأولاد، واستكبروا هذا منه، بعلمهم أن الباشا متواضع، ويحترم الجميع، ولا يتكبر على أحد. ولما عاد الفتى بالمفتاح، أخبره الباشا بزهو، أنه حمى المرمى كليا قائلا: أطلب من الجميع دائما، تحمل المسئولية في أي عمل تقومون به، فكل عمل له أهميته الخاصة، وبيوتكم مقدسة، ويجب المحافظة عليها، ووجودكم في هذه الحياة، هو لحماية البيت، وترويض النفس، والدفاع عن الكرامة لديكم ولدى أبناء القرية. وفي هذا الوقت، كان سكان القرية العائدون من أعمالهم، يشاهدون منظر سلطان يلعب مع الأولاد، فقسم منهم وقف يصفق له، وقسم آخر أسرع إلى القرية، يخبر السكان أن سلطان العظيم يلعب مع الأولاد. وشعر هؤلاء الأولاد بالزهو والفخر، وكان هذا الحدث بالنسبة لهم درسا رائعا في التواضع، وبالشعور بالعظمة من خلال البساطة، والتكيّف مع الناس العاديين. وعندما كبر أحد هؤلاء الأولاد، وأصبح أستاذا في الجامعة، حدّث طلابه عن هذه الحادثة، وتأسف الجميع أن عصر القيادات والزعامات والشخصيات الفذّة قد ولّى، وكل ما ظلّ لنا هو أن نجترّ بطولاتهم وأعمالهم وفروسيتهم ومغامراتهم، وإسراعهم لتلبية أي نداء وطني، والاستماتة من أجل الدفاع عن الطائفة والوطن، ومن أجمل ما قيل عن الباشا، قول الشاعر القروي، رشيد سليم خوري:
فيا لك أطرشا لما دُعينا             لثأر كنت أسمعنا جميعا   

ونحن نودّع اليوم علما آخر من أعلام الجبل، ومن عائلة الأطرش المعطاءة، برز في الآونة الأخيرة في مواقفه في تفادي المصادمات داخل الطائفة، أو بين الطائفة والطوائف الأحرى، هو فضيلة المرحوم الشيخ أبو عدنان ركان الأطرش، وهو شخصية دينية قيادية اجتماعية فذة، برز في مواقفه السلمية، بتعامله المرن، وبأخلاقه الحميدة في أصعب فترة من تاريخ جبل الدروز والبلاد السورية، وهي فترة الحرب الأهلية الأخيرة. وقد ودّعت مئات آلاف الجماهير المرحوم، يوم تمّ دفن جثمانه، واضطر المسئولون إلى إجراء هذا الاحتفال في ملعب السويداء البلدي لكثرة جماهير المشيعين.
ونحن نعتز بالشخصيات الدرزية التي تبرز وتنشأ وتظهر في سماء الطائفة، وتقوم بقيادتها، والإشراف عليها، والذود عنها، خاصة في المواقف الحرجة، وفي المصائب والملمّات والشدائد التي واجهت الطائفة الدرزية، خلال وجودها في الألف سنة الأخيرة. وإذا نظرنا إلى المحن والمصادمات التي واجهتها الطائفة في سوريا وفي لبنان، نجد أن الله، سبحانه وتعالى، يسّر للطائفة في كل مرة، شخصية أو أكثر، قامت بدعم ربّاني، وبعونه تعالى، بتجاوز المحنة، وإفشال محاولات الأعداء النيل من الطائفة، والعمل على إضعافها. هكذا برز في عهد الدعوة، سيدنا الأمير رافع بن ابي الليل (ر)، وقاد الموحدين في معركة الأقحوانة عام 1029م، وتم هذا الصراع، بانتصار باهر واضح لأبناء الطائفة الدرزية. وجاء بعد ذلك الأمير السيد (ق) كشخصية دينية روحانية، وقام بتنقية الأجواء التي سادت أوضاع الطائفة الدرزية في عهده، فشرح رسائل الحكمة، ووضع الدساتير الاجتماعية والدينية والأخلاقية لأبناء الطائفة الدرزية. وجاء بعد ذلك فضيلة الشيخ الفاضل (ر) محمد بن أبي هلال، الذي صقل شخصية الموحد الدرزية، فقام بتحديد أسس التعامل الديني والأخلاقي، ورسم قواعد السلوك، وهي ما زالت سائدة حتى اليوم. وفي نفس الفترة ألهم الله سبحانه وتعالى، القائد الكبير، والحاكم الأسطوري للطائفة الدرزية، الأمير فخر الدين المعني الثاني، الذي أسس لبنان الحديث، والذي بادر إلى إحداث نهضة علمية ثقافية إصلاحية في مستنقعات الدولة العثمانية، رافعا من شأن أبناء الطائفة الدرزية، وفي نفس الوقت محترما الطوائف الأخرى، مشدِّدا على وحدة السكان متعددي الجنسيات في لبنان، مصدرا الشعار "الدين لله والوطن للجميع". وبرزت بعده شخصيات فذّة مثل الشيخ إبراهيم الهجري (ر)، والشيخ بشير جنبلاط، والأمير محمد أرسلان، مؤسس الجمعية العلمية اللبنانية في الخمسينات من القرن التاسع عشر، حينما كانت الدولة العثمانية في أوج تخلّفها وانحلالها. كما برزت شخصيات روحانية، مثل الشيخ زين الدين عبد الغفار تقي الدين، والشيخ حسين ماضي، والشيخ مصطفى بدر، والشيخ أحمد أمين الدين، وبعد ذلك الشيخ الشاعر شبلي الأطرش، والأمير شكيب أرسلان، والمعلم كمال جنبلاط، والشيخ أبو حسين محمود فرج، والشيخ سليمان أبو تميمة، وفي عصرنا الشيخ أمين طريف، والشيخ أبو حسن عارف حلاوي، والشيخ أبو محمد جواد، والشيخان اللذان ودّعناهما مؤخرا، وهما الشيخ أبو علي مهنا فرج، والشيخ ركان الأطرش، حيث برز في كل جنازة، لكل واحد من الشخصيات، مدى الشعبية الهائلة التي تمتعوا بها، ومدى تعلق الجماهير بهم وكيفية وصولهم للقمة.
ونحن نجد أن جميع هؤلاء، نشأوا وقاموا وبرزوا وتألّقوا ودخلوا التاريخ بقواهم الذاتية، وبتقواهم وبعونه تعالى، وأصبحوا قدو ة ونماذج للآخرين. ونحن نرى اليوم نهضة علمية ثقافية تنويرية منقطعة النظير، تبشّر بظهور شخصيات قيادية من الدرجة الأولى في الطائفة الدرزية، سنراها بعونه تعالى.  ونعود ونذكِّر ما قاله الوجيه منصور الأطرش، ابن عطوفة الباشا، عندما طلب المشايخ الكبار في حينه، أن يلبسوه عباءة والده المرحوم القائد الفذ، فرفض الأمير النبيه، المعتز بنفسه، تنفيذ ما يطلبون منه، بالرغم من أن الوضع يتطلب ذلك، قائلا جملته المشهورة: "كل زعيم يحيك عباءته بأعماله هو" وذهبت هذه الجملة مثلا أمام الأجيال الصاعدة. 

 والله ولي التوفيق..

Image
سميح ناطور

دالية الكرمل
كانون اول 2019

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2020 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.