spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 91
كلمة العدد: حتى الأُســــود، يــمكن أن تـــــحسب حســـابنا
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
نسيب باشا جنبلاط طباعة ارسال لصديق
بقلم الدكتور سلمان حمود فلاح



1922-1855


 
هو نسيب بن سعيد بن بشير بن قاسم بن علي بن رباح جنبلاط, أي انه ينحدر من البيت, الذي قاد الجنبلاطية خلال مئات السنين, وكان بعض اجداده في فترات معينة, في قيادة الطائفة بأسرها. وُلد في المختارة عام 1855, إبناً للسيدة بدر أمين الدين, التي كانت مشهورة في اوساط الطائفة في ذلك الوقت, بأخلاقها العالية, وادبها الجم,وحسن معاملتها ـ وللزعيم الكبير, سعيد بك جنبلاط, الذي قاد الطائفة الدرزية في لبنان, في أصعب المراحل, حينما وقعت حوادث الستين, ووصل الصراع على السلطة في لبنان الى أوجه.
 تلقى نسيب جنبلاط مع اخيه الأكبر نجيب (جد الزعيم كمال جنبلاط) تعليمه الأولي في المدرسة الوطنية, التي كان صاحبها ومديرها, المعلم بطرس البستاني في بيروت. وكان نسيب تلميذا نجيبا, وطالبا بارعا,ً لفت نظر مدير مدرسته وأساتذته, باجتهاده وآفاقه الواسعة, ومداركه العالية, فأحرز قسطا وافراً من العلوم, وأصبح ملماً بكافة المواضيع, وتعلم كذلك اللغة الإنجليزية. وفي هذه الغترة توفي والده عام 1861 بمرض الصدر, فتولت تربيته مع اخيه, والسهر عليهما, والدته التي غمرتهما باهتمامها ورعايتها, وبثت فيهما روح الزعامة والقيادة, وقامت بتهذيبهما وتدريبهما على رعاية شؤون الناس, والإدارة والعلاقات العامة, فما أن أنهيا تعليمهما في مدرسة المعلم بطرس البستاني في بيروت, وانتقلا للدراسة الأعلى في مدرسة الكلية السورية, وانهياها بنجاح, حتى عينتهما الحكومة العثمانية, في وظيفة ادارة, كل واحد في منطقة من منااطق الشوف. وهكذا بدآ حياة قيادية حافلة بالأعمال والمهمات والإنجازات, إلا ان نجيب توفي عام 1893, وظل اخوه نسيب في الحلبة القيادية, يدير شؤون الحزب الجنبلاطي, والطائفة الدرزية في لبنان, سنوات كثيرة بعد ذلك. وقد لفت نسيب جنبلاط نظر المتصرفين في لبنان, وهم فرانكو باشا, ورستم باشا, وواصا باشا, فقرّبوه منهم, وكانوا يستشيرونه في امور كثيرة, ويستفيدون من خبرته ونفوذه, ويحترمون آراءه ومواقفه. وقد مُنح عدة وظائف ادارية, منها رئيس دائرة الجزاء الإستئنافية, عام 1983 وقائمقام على قضاء الشوف عام 1884, وقد تناوب في هذا المنصب مع الأمير مصطفى ارسلان خلال ثلاثين سنة.
وقد سعى الزعيم نسيب جنبلاط طوال حياته, الى تعزيز مكانة الدروز في لبنان وفي المنطقة, والى تحسين العلاقات مع باقي الطوائف, والى خدمة ابناء طائفته وبلده وبلاده. وكانت له نشاطات وأعمال على نطاق الدولة العثمانية, وعلى المستوى العام, كما قام بخدمات ومشاريع حيوية هامة. فمن أوائل أعماله, كان أن أنشأ من ماله الخاص, جسراً على النهر الكبير, خدمة للمواطنين. وقام بنقل المياه الى بلدة بعقلين, وحفر هناك عين ماء من ماله الخاص.وبنى خزان ماء على نفقته في مزرعة الشوف.

وقد كُتبت على بلاطة من الرخام على خزان المياه في مزرعة الشوف الأبيات التالية :
لله عصرُ نسيب جنبلاط به 
مناهل الخير يُروى وردُها البشر
أبدى التفافاً فأنشأ اليوم في بلد
   سبيل ماء إليه كان مفتقرا
أفاضل الناس في تاريخه لهجوا
     هذا سبيل به ماء النعيم جرى
 
وفي عهد المتصرف مظفر باشا 1905 على نفقته, دار الحكومة في الشويفات, كما بنى قصر البرامية سنة 1895, ومدّ طريق العربات من بيت الدين الى المختارة, وبنى عدداً من الكنائس والمساجد في مناطق جزين وصيدا والشوف, وأقام في مزرعة الشوف, سبيل ماء وخزان للمياه, وفي الحرب العالمية الأولى, دفع رواتب عشرات الجنود طوال ايام الحرب. وقد كتب له الشيخ أحمد تقي الدين قصيدة مهنئا إياه بغيد الفطر وواصفا قصره في الهلالية فوق صيدا جاء فيها:

دار النسيب وحبذا النسب       تعنو القصور لها وتنتسب
قامت تجاه البحر ترمقه        واناظران العجب والعجب
الحر يرغي وهي ساكنة       والبحر يزبد وهي لا تجب
والدار مثل الطود راسخة       يرتد عنها الطرف والنوب

وقد مُنح عدة أوسمة, وحصل على ميداليات, لحسن إدارته وإخلاصه وتفانيه في خدمة المواطنين, منها وسام الدولة العثمانية من الرتبة الثانية عام 1883, والوسام العثماني الرابع عام 1885, ووسام الرتبة الأولى من الصنف الأول عام 1883. وحصل كذلك على وسام من الدولة الفارسية, وفي وقت لاحق نال وسام النهضة العربية الثاني, ووسام جوقة الشرف من رتبة فارس, والميدالية الذهبية الحجازية والفضية, وعندما جلس الشريف حسين على عرش المملكة الحجازية, منحه لقب باشا ووساماً رفيعاً. وقد تلقى كتاب شكر من الملك ادوارد السابع ملك انجلترا, وأهداه هذا كذلك سيفاً مرصعاً, كما وصله كتاب شكر من اللورد دفيرن, وزير خارجية انجلترا العظمى.
 ومن أهم أعمال الشيخ نسيب جنبلاط, هو بناء غرفة في مقام النبي شعيب عليه السلام في حطين.وقد وردت القصة الكاملة لبناء هذه الغرفة في كتاب المرحوم عبداللة طريف"سيرة النبي شعيب (ع) 2003 ص 112":" دعا في عام 1905 والي بيروت فضيلة الشيخ طريف طريف,الذي كان الرئيس الروحي للطائفة الدرزية, وقاضي المذهب لولاية بيروت, التي كانت مسؤولة عن دروز فلسطين. ولما وصل مقر الوالي, مظفر باشا استقبله احسن استقبال وقال له: ان السلطان المعظم يريد منك مقابلة الزعماء الدروز في لبنان, وابداء النصيحة لهم, بعدم اثارة القلاقل واخلال الامن, لأن هناك مغرضون يريدون تعكير الجو, ولا يخفى عليكم بان السلطان المعظم, يكن للطائفة الدرزية, ولكم شخصيا كل احترام..." واستجاب الشيخ, ومكث في لبنان اربعين يوما, اجتمع فيها بكافة الزعماء الدروز, وابلغهم وجهة نظر الامبراطورية العثمانية. وقد التقى بالزعيم نسيب جنبلاط, فدعاه لزيارة مقام النبي شعيب(ع) في الزيارة القريبة. وحضر في يوم  25 نيسان 1906, فاقيم له استقبال ضخم, وفي اثنائه طلب ان يسمح له, بإقامة غرفة على نفقته ونفقة المرحومة عمته السيدة نايفة جنبلاط, ودفع حالا اربعة عشر ليرة ذهبية للشروع بالبناء. وعندما تم تشييد الغرفة دعي الشيخ نسيب للقدوم لتدشينها, لكنه لم يستطع ذلك, وظلت الغرفة باستعمال الزوار وهي تحمل إسمه.
 وفي الإصلاحات والتغييرات الجديدة في المقام, وفي عملية الترميم, كان لا بد من نقل هذه الغرفة واستبدالها, ليُبنى مكانها المسطح الكبير, الذي ضمّ القاعة الكبرى والغرف الأخرى والساحة, بجانب الضريح.
وقد انتقل  نسيب باشا الى رحمته تعالى, في الحادي عشر من شهر تشرين ثاني عام 1922 عن عمر يناهز السابعة والستين, وجرى له مأتم مهيب بحضور آلاف الأشخاص من أكثر من اربعمائة قرية, وفي مقدمتهم المندوب السامي الفرنسي, واعيان البلاد وتم دفنه في المختارة في مدفن الأسرة. وقد توفي الأمير نسيب بدون ان يترك أولادا وراءه. وقام بمدح الزعيم في حياته, ورثائه عند مماته عدد كبير من الشعراء .

قال الشاعر حسن خضر :

اذا كان مدحٌ فالنسيب مقدم
   وإلاّ فإن الصمت بالحر أحزم
وفي غير اوصاف النسيب ومدحه
  لقد تاه معمودٌ وظل متيّمُ
وقال الشاعر ابراهيم الأسود:
قف يا قضاء الشوف إنشد في نواحيه
  مهللاً فنسيب اليوم واليه
الجنبلاطي اعراقاً ومحتده
   قد عزّ في الناس من فيه يضاهيه
صفاته ليست الأقلام تحصرها 
  وفضله ليست الافكار تحصيه
هو الذي لم يقم في الشوف من حكم
  نظيره لا ولا في الناس ثانيه
وقال الشاعر شامل عبد الملك:
جمعا المحاسن ولاظائف مثلما
  جمع النسيب مَعالياً وعلوما
شهمُ اذا ذُكر الكرام رايته
   درّاً لتيجان الفخار يتيما

ومدحه المعلم ابراهيم عطية مهنئاً :

أحيت قلوب أهالي الشوف طلعته
  كالماء يجري فيروي قلب ظمآن
إبن السعيد سعيد في طوالعه 
  فمن يعانده يُرمى بخذلان
وقال فيه الشاعر خليل اليازجي ابن الشيخ ناصيف اليازجي:
نسيبنا الجنبلاطي الكريم سمتْ
  له مكانة مجد دونها الشهب
مجد على مجده السامي أضيف كما 
 تضاف فوق مياهه البحر السحب
نجل السعيد العظيم المجد من قِدم
  يا حبذا نسب قد زانه حسب
من معشر بلغوا في المجد قمته 
 وادركوا في المعالي فوق ما طلبوا
تسنّنوا من ربى لبنان ذروتها 
 لكنها قمة للمجد تُحتسب

وكتب إليه الأمير شكيب ارسلان قائلاً:

هُنّئتَ بالشرف الأثيل فإنه  
 لاقاكَ وافده بطرق مهند
ألقتْ بأيديك السعود زمامها 
  ورمتْ إليك المكرمات بمقلد
ذاعت فعالك في العباد شريفة
  كالبدر حين بدا بسعد الأسعد

ورثاه الشاعر امين تقي الدين قائلاً :

وقفتُ حيال النعش وقفة خاشع 
 فاكبرتُ ما في النعش من عظمات
ألا في سبيل الله أكرم راحل  
 تبدّله لبنان بعض رفات
قضى وهو بالذكر الجميل مخلد 
 كأنه لم يفز منه الثرى بممات
تغمّده الرحمن بالعفو والرضى 
 و جادت ثراه ديمة الرحمات  

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.