spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 88
الذي ما زال يملأ وجودنا
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
البابوية والدروز طباعة ارسال لصديق
بقلم الدكتور سلمان حمود فلاح
بدأت العلاقات الرسمية, بين الدروز والفاتيكان, في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني, في  بداية القرن السابع عشر الميلادي. ففي عهد الحاكم بأمر الله والدولة الفاطمية, لم تتوفر لدينا معلومات تدل انه كانت هناك علاقات بين القاهرة والفاتيكان من اي نوع. وفي عهد حكم الأسرة التنوخية في لبنان, كانت العلاقات عكسية, بمعنى ان التنوخيين تصدّوا للحملات الصليبية وحاربوها. وبصورة عامّة لم تكن في القرون الحادي عشر حتى السادس عشر علاقات متطوّرة بين الشرق والغرب. فقد حكم المماليك, معظم بلدان الشرق الأوسط, وفرضوا حصاراً دينياً وفكرياً وسياسياً على كافة ولاياتها, ومن ضمنها مَواطن الدروز, ولم يحظ المسيحيون بالمساواة في هذه الولايات. وظلّ هذا الوضع حتى جاء فخر الدين المعني الثاني, وكان ذا عقل متنوّر وتفكير واسع, فغيّر كافة المفاهيم. وعن ذلك يقول الخوري بولس قرألي, في كتابه "فخر الدين المعني الثاني حاكم لبنان", الصادر في بيروت 1992 صفحة 33 :" دام هذا الظلم عشرة قرون طوال, الى ان جاء فخر الدين, فساوى بين رعاياه, وأطلق للجميع الحرية الدينية, مستاصلاً بهذا التدبير العلة الأولى للمنازعات الداخلية والتعدّيات الفردية... ونشأ بين مختلف العناصر اللبنانية تضامن أخوي, في سبيل الدفاع عن الوطن, الذي أصبح للجميع, وأصبح الجميع له. ومن أمجاد هذا الأمير الدرزي العظيم, أنه أقرّ في بلاده "الحرية والمساواة والإخاء" قبل أن تنادي بها في باريس الثورة الفرنسوية بقرنيْن". وقد وفر فخر الدين, الحماية للمسيحيين واليهود, وساواهم بكافة المواطنين. ووصلت أخبار هذه المعاملة إلى الفاتيكان, فبعث البابا بيوس الخامس, الذي تولى الباباوية بين 1607 و 1622, عام 1609 الرسالة التالية للأمير:
"الى فخر الدين, أمير الدروز ونيقوميديا وفلسطين وفينيقيا
سلام ايها الرجل الشريف, وليحلّ عليك نور النعمة الإلهية .
عرّفنا الأخ المحترم سركيس رئيس أساقفة دمشق الماروني, الذي أمّ روميّة لزيارة ضريحيّ الرسولين القديسيْن, عطفك العظيم على أولادنا المسيحيين, وخاصة الموارنة. فبتنا مدينين لك كثيراً, لأن ما تفعله نحو أولادنا تفعله نحونا. ولمّا كان رئيس الأساقفة المذكور عائداً إلى إخوته, راينا أن نكتب إليك هذه الرسالة دليلاً على محبتنا لك. وأوعزنا إليه أن يبلغك انتظارنا بكل الجوارح, الفرصة التي تتيح لنا أن نثبّت لك عِظْم هذه المحبة, وشدة ارتياحنا إلى حسناتك, نحو اولادنا المسيحيين. وقد أمرنا رئيس الأساقفة المذكور, أن يسلمك بعض التحف, املاً أن تحوز لديك قبولاً وإنْ صغيرة، لأنها دليل على ميلنا الخاص إليك. ونحثك ثانياً وثالثاً أن تواصل رعايتك لأولادنا, خاصة الموارنة وأن تشمل بحمايتك حامل هذه الرسالة. وهو يفصح لك عن رغبتنا الشديدة في مناصرتك على الأتراك الظلمة اعداء الطرفين. حتى إذا توسّعتَ في تخليص هذه الأماكن من نيرهم القاسي, عاد سكانها إلى الدين القويم، مجداً لله وخلاصاً للنفوس. ليضيء الإله قلبك برحمته ويسدّد في طريق الحق خطواتك.
أُعطي في روميا, بقرب مار بطرس في 16 كانون ثاني 1609 وهي السنة الرابعة لحبريّتنا. (قرألي ص 17)".
وكان الأمير فخر الدين قد وجّه رسالة الى سفير فرنسا لدى الفاتيكان سنة 1614 وصف فيها البابا بولس الخامس بقوله :
" الشخص العظيم، الذي يطيعه الأمراء والملوك والأباطرة, وينطرحون على قدميه خاضعين لأدنى إشارة تصدر منه، ذلك الإله الأرضي صاحب السلطة العليا الفريدة على الأرض" (قرألي 141).
 واستمرت المراسلات بين الأمير فخر الدين والكرسي البابوي, خاصة عندما لجأ الأمير الى أمراء ايطاليا, وهذا الموضوع جدير ببحث طويل, لأن هناك وثائق كثيرة, ولا نستطيع في هذا المقال, إلا ان نمرّ على مواقف عابرة في هذا الصدد. وعندما تولى البابا أوربانوس الثامن الكرسي الرسولي عام 1624,  إهتم هو كذلك بالعلاقة مع فخر الدين, وبعث برسائل وموفدين كثيرين إليه.
وبصورة عامّة ارتفع شأن المسيحيين في المنطقة, في عهد الأمير فخر الدين, لأوّل مرة منذ الف سنة " ولعل أصدق من عبّر عن هذه الحقائق, البطريرك اسطفان الدويهي في تاريخه إذ قال : وفي أيام فخر الدين ارتفعت رؤوس النصارى, وعمّروا الكنائس, وركبوا الخيل, ولبسوا شاشات بيضاء, وحملوا القسي والبنادق المجوهرة. – تاريخ الموحدين الدروز السياسي في المشرق العربي ، مكارم وابو صالح ص 143.
وفي مرحلة أخرى جرت مراسلات بين الدروز والكرسي الباباوي, يطلب فيها البابا من الزعماء الدروز, الحفاظ على المسيحيين تحت حكمهم. فقد أرسل البابا بيوس السابع, برسالة في مستهلّ القرن التاسع عشر الى الشيخ بشير جنبلاط, الذي كان زعيماً كبيرا, وذا نفوذ عظيم في عهد بشير الشهابي وفيها يقول :
" من بيوس البابا السابع, الى الشيخ بشير جنبلاط, الذائع الصيت والسطوة،
 أيها الأمير الشهير المقتدر سلام ونور النعمة الإلهية.
شملنا فرح كثير, إذ بلغ مسامعنا لأوّل مرة, ان من جملة المزايا الرفيعة, التي تتحلى بها نفسكم، عطفكم الخاص على الكاثوليك الموارنة. هذا ما أخبرنا به الإبن العزيز يوسف السمعان, المدبر الأول للجمعية الرهبانية الحلبية اللبنانية. وبما أنه استعد للرجوع الى نواحيكم, حاملا بعض الأحكام الموجّهة الى بطريرك الطائفة المارونية وأساقفتها, فإننا لم نشأ ان يبارح هذا المكان, دون أن نزوّده برسالة تخبر بمحبتنا لكم.
وفي الرسالة عينها, نطلب منكم والنفس واثقة, أن تسهروا بحمايتكم واهتمامكم على أولادنا الأعزاء الكاثوليك الموارنة, وتتابعوا  إعارة سلطتكم وخدماتكم, فتنفذ أحكامنا المذكورة العائدة بالخير على قوانين الطائفة الكنسية، واعلموا انكم بعملكم هذا, تحققون أمراً عزيزاً علينا, وتساهمون في سبيل ازدهار الطائفة المارونية الكرمية, وتوطيد السلام بين ابنائها. هذا وإننا لنضرع إلى الله العزيز قدره, لمنحكم نعمته السماوية والسعادة الحقيقية.
أُعطي بروما في 15 شباط 1817 السنة السابعة عشر لحبريتنا".- (المصدر سلمان فلاح, تاريخ الدروز في الشرق الأوسط, 2004).
وقد اجاب الشيخ بشير جنبلاط بالرسالة التالية:
"سعادة صاحب السدة البطريسية, وركن ملة العيسوية, المتوشّح بحلل رئاسته على جميع رؤسائه, وصاحب الفخر في دولته, وعلاية فريد الذات, حميد السمات, المحتشم حفظه الله.
عن أحلى ما تحلت به أحرف الرقاع, وأعلى ما شفت به أنوف السماع, وأشرف ما وشّاه البنان, من غُرر البيان والنطق, ما أنشاه من درر اللسان, بعد حمد الرحمن الرحيم, أنه في أبرك الأوقات, وفد الخطاب المستطاب, وحمدنا الباري جل وعلا, حيث الإشعار على رِفاه ذاتكم المأنوسة. وما تقدّم من فحو الخطاب, صار معلوماً وحسب المرغوب, بسطنا أغراض الرجا لسعادة أفندينا الأمير الأفخم, أطال الله بقاه, فيما التمستموه من لدنه, ومن وفور غيرته, ومزيد شهامته, أمر بإتمام مطلوباتكم, الى حضرة محبنا البطريرك, ومحبينا المطارين, واقاموا مجمعهم, وأننا حسبما أمرتموهم به, بموجب مرسوم ديانتكم, وأن شاء الله الرحمن, مع حسن سياسة سعادة أفندينا الأمير الأفخم في رعيته, وحمايته الفائقة لا يحصل تأخير عن ترتيب ونظام الرعايا, وتوفيق أحوالهم, وقيام الحق والعدل بموضوعاته ومحمولاته وأدام بقاكم.
في 21 رجب سنة 1233 هجرية المخلص بشير جنبلاط". (أنيس يحيى، الشيخ بشير جنبلاط ، بيروت 2001).
هذا وكانت اتصالات مستمرة بين الباباوات وبين زعماء دروز في لبنان. وكان الهدف الرئيسي منها هو طلب الباباوات من الزعماء الدروز, المحافظة على المسيحيين في لبنان.  ويشهد التاريخ أن الدروز في لبنان آووا المسيحيين ومنحوهم كافة الحقوق والإمتيازات, ومع الوقت تسلط المسيحيون على لبنان, فوقعت حوادث الستين, ثم جاء الإنتداب الفرنسي, الذي ثبّت الهيمنة المسيحية على لبنان, وعندما حصل لبنان على استقلاله, بدعم وتضحية الدروز, هُضمت حقوق الطائفة الدرزية, لدرجة أن بعض عناصر الكتائب, حاولت في بداية الثمانينات من القرن العشرين, أن تهجّر كافة الدروز من لبنان, فقام فضيلة الشيخ محمد ابو شقرا, شيخ العقل, وبعث برسالة في كانون اول 1983 الى البابا بولس يوحنا الثاني, يحكي فيها تاريخ العلاقات بين الدروز والمسيحيين في لبنان, ويطلب إرشاد المسؤولين, وردعهم عن الضرر بالدروز. وقد جاء فيها :
"... هذا الكتاب هو الرسالة المباشرة الأولى من الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية الى مقام البابوية ويسرنا إستئناف علاقات تاريخية بين أسلافكم وبين الدروز. فرسالة قداسة البابا بولس الخامس الى علي باشا جنبلاط بتاريخ شباط 1608 ثم رسالته بتاريخ 16 كانون أول 1609 "الى فخر الدين امير الدروز ونيقوميديا وفلسطين وفينيقيا" ورسالة البابا بيوس السابع المؤرخة في 15 شباط 1817 "الى الشيخ بشير جنبلاط الذائع الصيت الكبير السطوة " جد زعيم الدروز الحالي وليد بك جنبلاط  كانت كلها توصي بالعطف على المسيحيين وحمايتهم وتشيد بحسن معاملة الدروز لهم والإحسان إليهم... " (المصدر هو مجلة "الضحى" العدد الخاص عن الشيخ ابوشقرا كانون ثاني 1991). ولم يصل الى علمنا, أن البابا رد على هذه الرسالة.
وفي بلادنا قام عام 1963 البابا بولس السادس, بزيارة للبلاد, وكان بين مستقبليه في ذلك الوقت, فضيلة المرحوم الشيخ امين طريف, الرئيس الروحي للطائفة الدرزية. وقام كذلك البابا المتوفي يوحنا بولس الثاني بزيارة البلاد عام ألفين, وكان فضيلة الشيخ موفق طريف من بين مستقبليه ومودعيه, كما قام الشيخ موفق طريف, بزيارة للبابا في الفاتيكان في روما. وفي الأشهر الأخيرة, عندما وقعت حوادث المغار, اهتم البابا بما يحصل, وحصلت توجهات من الفاتيكان حول هذا الموضوع , وقام فضيلة الشيخ موفق طريف بالإجتماع بممثلي البابا في القدس, كما أن فضيلة الشيخ اشترك في جنازة البابا يوحنا بولص الثاني في الفاتيكان في الثامن من شهر نيسان 2005.
 وقد قام البابا المتوفي كذلك, بزيارة سوريا ولبنان, وهناك اجتمع به زعماء الطائفة الدرزية, وتحدثوا معه وشرحوا له عن أوضاع الدروز في البلديْن. وبشكل عام يمكن القول إن الكنيسة الكاثوليكية, التي تعد اكثر من مليارد مؤمن, لا تتجاهل الطائفة الدرزية, التي تعد واحد من الألف منها, وذلك لأن للطائفة الدرزية مواقف ايجابية اتجاه المسيحيين وتعاون متبادل خلال القرون العشرة الماضية.    
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.