spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 57
كلمة العدد: لكنهم في المكرمات كبار...
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144
العدد 143


 
السياسة العثمانية اتجاه الدروز في جبل حوران طباعة ارسال لصديق
بقلم الأستاذ إبراهيم العاقل- لبنان
باحث في الجغرافية البشرية والاقتصادية والتاريخ


تميّزت السياسة العثمانية اتجاه الدّروز في جبل حوران، بالصمت المبدئي عن دورهم بادئ الأمر إثر هجراتهم المتتالية إليه اعتبارا من عام 1685م، إذ تمكن الدروز الأوائل أن يكونوا سدّاً منيعاً يحمي دمشق وريفها، وهي مركز ولاية الشام، من الغزوات البدوية حيث لم يكن للدولة العثمانية من هيبة بعيداً عن عاصمة الولاية، وكثيراً ما كان البدو يغيرون على قوافل الحجّاج في موسم الحجّ وينهبونها أو يفرضون عليها الإتاوات الباهظة.  وفي عام 1810 تمكّن الدروز من كسر حملة وهابيّة في قرية عرى على أيام مشيخة آل الحمدان في الجبل. وعندما تمكّن محمّد علي باشا والي مصر المنشقّ على العثمانيين من احتلال بلاد الشام عام 1832، وتقدم شمالاً يطارد العثمانيين داخل بلادهم في الأناضول واحتاج جيشه إلى مقاتلين؛ طلب واليه على الشام جنوداً من الدروز، فأبوا بدعوى أنهم في محيط بدوي يقوم على الغزو والنّهب، ممّا أدّى إلى نشوب سلسلة من المعارك غير المتكافئة بين جيوش محمّد علي وبين الدروز عام 1838 كانت من بين الأسباب التي أضعفت هيبة دولته ومن ثم طرده من بلاد الشام.
سكت العثمانيون بعدها حيناً عن الدروز (بين عامي 1840و 1852) ولكنّهم عادوا لسياسة العداء الظالمة اتجاههم لعدة أسباب أبرزها، بنية الدولة العثمانية القائمة على الظلم وغياب العدالة فيها، وعلى نهبها الشعوب التابعة لها، وسياسة التفرقة الدينية والعرقية للتحكّم بالعرب وتفريق شملهم؛ وعدم قابلية العثمانيين ليكوّنوا دولة قابلة للتطوّر بالشكل الذي تطوّرت عليه الدول الأوروبية، التي أخذت بالعصرنة والعلم الحديث... فسيّروا سلسلة من الحملات الظالمة على الجبل، كانت أولها حملة قبرصلي باشا المعروفة بحملة (ساري عسكر) عام 1852 التي هزمها الموحّدون هزيمة ساحقة على أبواب الجبل الشمالية الغربية، ويذكر د. حسن أمين البعيني في كتابه "جبل العرب، ص 199" أنّه تدخّل على أثرها "القنصل البريطاني ريتشارد وود، بمساعدة صديقه سعيد جنبلاط لإعادة الأسلحة التي غنمها الدروز ونجح في إنهاء النزاع بين الفريقين وإيجاد حل وسط يقضي بإرجاع الدروز للأسلحة التي غنموها وتأديتهم للضرائب المتأخّرة مقابل إعفائهم من الخدمة الإجبارية".
كما سيّروا بعدها حملة تأديبية أخرى على الجبل عام 1881 وفي عام 1890 جرّد العثمانيون حملة أخرى على الجبل احتلّت السويداء بعد معركة عنيفة، مُصِرِّين على تطبيق سياساتهم الخاطئة بالقوّة والعنف ...إلّا أنَّ الدروز في الجبل "لم يكن لهم على ما يبدو أيّ خيار سوى القتال أو الخضوع لقوانين جائرة تجعلهم يعيشون في تلك البقعة من حوران (جبل الدروز كما كان يُدعى آنذاك) عيشة الأذلّاء لمطامع البدو والعشائر والولاة العثمانيين الطغاة).
وفي عام 1895 جُرّدت حملة أخرى على الجبل لتنفيذ قانون التجنيد الإجباري المكروه بالقوّة. ولمّا فشلوا في ذلك جرّدوا حملة بقيادة عمر رستم باشا وشرع القائد الجديد بتنفيذ قانون التجنيد الإجباري على دروز الجبل ووقعت القرعة على نحو مئتي رجل من هؤلاء أُرسلوا إلى دمشق ومعهم زعماء الطرشان والعوامرة ونُفي على أثر الحملة شبلي الأطرش ومعه أربعة عشر زعيماً إلى الأناضول ولم ينتهِ عام 1896 حتى أصبح عدد المنفييِّن نحو ألف رجل...
ولكنّ مقاومة الدروز لم تتوقّف إذ هاجموا الحامية العثمانية في السويداء وأحرقوا مركز القيادة فيها كما هزموا حملة عثمانيّة قرب قرية عرمان (عام 1896) وغنموا أسلحتها بما فيها سلاح المدفعيّة، وفي موقع تلّ الحديد غرب السويداء تمكّن الدروز من وقف تقدّم الجيش العثماني الزاحف نحو السويداء، وبعد عدة أيام من القتال المُسْتَعِرّ بين الفريقين انكسر الجيش العثماني وخسر أكثر من ألف جندي فيما خسر الدروز عدداً من كبار مقاتليهم بينهم عدد من الفرسان .
حملة طاهر باشا: لم يرضَ العثمانيون بالهزيمة النكراء التي حلّت بهم فجردوا حملة في مطلع عام 1897 بلغ عدد أفرادها نحو ثلاثين ألف رجل بالإضافة إلى أعداد كبيرة من البدو والأكراد والشراكسة وغيرهم من الجوار وقد أباحت لهم الدولة العثمانية نهب غلال وممتلكات الدروز ... ودخلوا السويداء عنوة وفرضوا غرامات حرب باهظة على الأهالي...ومع ذلك كله رفض الدروز تسليم سلاحهم لأنّ ذلك كان سيجعلهم تحت رحمة غزوات البدو، وأمام صمود الدروز الرائع وعنادهم في سبيل الحفاظ على حقّهم الطبيعي في العيش بحرّية واستعدادهم المستمرّ للتضحية تراجعت الدولة العثمانية عن إجراءاتها التعسفيّة.
وفيما بعد أعلن العثمانيون العفو العام عن الدروز الذين كانوا قد قطعوا جميع الطرق المؤدّية إلى دمشق ولكن العثمانيين لم يلجأوا إلى هذا القرار إلّا بعد أن فقدوا ثقة الدروز بهم؛ ذلك لأنهم أخَلّوا بقرار العفو ونفَوْا عدداً من زعماء دروز الجبل من جديد، لكنّ بعضاً من هؤلاء تمكّنوا من الفرار ومنهم نسيب الأطرش وسلامة الأطرش ووهبي عامر وقفطان عزّام والشيخ الرّوحي حسن الهجري وغيرهم... فأخذ هؤلاء يطالبون بإطلاق سراح رفاقهم وبإلغاء التجنيد الإجباري وهدّدوا بالثورة من جديد إن لم تستجب السلطات العثمانية لمطالبهم.
ولقيت مطالب الدروز هذه المرة آذاناً صاغية لدى الباب العالي ذلك أنّ سياسة التقرّب من عرب الإمبراطورية العثمانيّة التي اتّبعها السلطان عبد الحميد تركت بعض الأثر على منطقة حوران المُضطربة، وعيّن الباب العالي والياً جديداً هو حسين باشا فسعى هذا للتقرّب من دروز الجبل بشتّى الطرق وأصدر السلطان عبد الحميد عفواً عاماً عن جميع المنفييّن من زعماء جبل الدروز.
وفي عام 1910 كانت حملة سامي باشا الفاروقي الغاشمة على الجبل،... وقد ذهب ضحيتها الآلاف من الدروز.  يقول سلطان باشا الأطرش في هذا الشأن أن العثمانيين: "لجأوا إلى أسلوبهم التقليدي المعروف في إثارة الأحقاد الدينية واستغلال الحوادث العادية التي كانت تقع بيننا وبين جيراننا الحوارنة، لتبرير الحملات العسكرية التي كانوا يجرّدونها علينا، بقصد إخضاعنا لأنظمتهم الفاسدة وقوانينهم الجائرة في غفلة من ضمائر إخواننا العرب في كل مكان..". تألّفت تلك الحملة من ثلاثين ألف جندي، بقصد إنزال ضربة قاصمة بالدروز الذين أصبح جبلهم منذ مطلع هذا القرن (يقصد القرن العشرين) حمًى منيعاً يلجأ إليه أحرار العرب من كل حدب وصوب".
لجأ الفاروقي إلى الحيلة، فهو "يتعهد بأن يبسط لأبناء الجبل يد العفو والأمان، وأقسم على المصحف بأنه لن يعتقل أحدا من زعماء الجبل ... ولا يسمح لجيشه بالاعتداء على الحرمات، ولا يأمر بقتل إنسان ولا حيوان، ولا بتهديم قرى وبيوت، وإتلاف مزروعات ونهب أرزاق"، لكن الفاروقي خالف تعهداته بعد ذلك، فأودع يحيى الأطرش، شيخ مشايخ الدروز السجن، وأرسل جيشه بأسلحته الحديثة المؤلفة من مدافع الميدان الثقيلة، وبنادق المَوْزر، والذخائر والمؤن المحمّلة على آلاف الجمال والبغال، إلى مدينة السويداء، وعلى أثر توجّه قوات الحملة إلى قريتي الكفر ومفعلة، جرت مواجهات دامية في الكفر، خسر العثمانيون بنتيجتها أكثر من ألف قتيل، فيما خسر الثوار أكثر من مائة شهيد، وفي المواجهات التي دارت في قنوات ومفعلة، تغلّب الثوار في بدايتها، وأحكموا الطوق على الجيش العثماني، بعد أن فقد من عناصره خمسمائة من مشاته وفرسانه، ممّا أوقع سامي باشا في حيرة من أمره، فأخلى سبيل الشيخ يحيى الأطرش، بهدف إقناع الثوار بوقف القتال، ليعتقله ثانية في اليوم التالي، وبعد انكسار الثوار في جبهة قنوات، وتراجعهم إلى قرية سالة في جبهة الكفر... كلّ هذا مكّن لسامي باشا توطيد السلطة العثمانية في الجبل ونتج عن تلك الحملة القبض على مئات الوجوه والأعيان والتنكيل بهم وموت الكثير منهم وهم في طريقهم إلى المنافي والسجون وسوق نحو ألف وثلاثمئة شاب للخدمة العسكرية الإجبارية في بلاد الأناضول والبلقان (بينهم الشاب سلطان الأطرش نفسه)، "وحُكِمَ بالإعدام على ذوقان الأطرش (والد سلطان باشا) وخمسة من أعيان الجبل وهم: يحيى عامر من شهبا ومزيد عامر من المتونة وهزاع عز الدين من لاهثة ومحمّد القلعاني من نمرة وحمد المغوّش من خلخلة ومن التّهم التي وُجّهت إليهم دون أن يُدانوا بها: تهمة الخروج على الخلافة والكفر بالإسلام...".      
هكذا كانت العلاقة بين العثمانيين والموحّدين الدروز؛ علاقة حكّام ظَلَمَة ورعيّة مظلومة، إذ كان العثمانيون سلطة غاشمة لا تنتمي إلى قيم العصر الحديث الذي أخذت به شعوب العالم المعاصر... 

 
 
 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.