spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 16
كبر التواضع وضعة الكبرياء
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 144
العدد 143
العدد 142
العدد 141
العدد 140


 
كلمة العدد: وتظل هيبة الدروز أقوى من كل سلاح طباعة ارسال لصديق

ذكر الرئيس جمال عبد الناصر، رئيس الجمهورية العربية المتحدة، أنه كان صديقا حميما للفيلسوف المعلم كمال جنبلاط، وقد دعاه لزيارة مصر، ونوى الرئيس عبد الناصر أن يحتفي به كثيرا ويكرمه، وقد فعل ذلك، فمنحه وساما، وأشاد به أمام جميع أعضاء مجلس الأمة، وأبرز دوره ومكانته في الإذاعة والتلفزيون وغير ذلك، ولم يفعل هذا مع أي مفكر عربي آخر. وعندما جاء يوم وصول المعلم إلى مصر، أعلن الرئيس عبد الناصر، أنه سيذهب للمطار لاستقباله. عندها تدخل رئيس التشريفات في مكتب رئاسة الجمهورية، وابلغ الرئيس عبد الناصر، أن قواعد البروتوكول، لا تسمح له بذلك، لأن كمال جنبلاط هو وزير، ويكفي أن يرسل وزيرا لاستقباله، عندها ابتسم الرئيس عبد الناصر، وقال للموظف الحريص المدقق: أنا لا استقبل كمال جنبلاط الوزير، انا استقبل كمال الفيلسوف العلامة، وكم يوجد مثله في بلادنا!!!
كان هذا رأي أكبر زعيم عربي في القرن العشرين وموقفه من شخصية درزية وهو الذي كسر كل فوانين الإتيكيت وتحمل المشقة ليحل ضيفا على عطوفة سلطان باشا الأطرش في مضافته ليشكره على مواقفه البطولية. ولم يكن الرئيس عبد الناصر الوحيد في هذا الراي فقد عبر عن آراء مماثلة، كل في حينه، السلطان صلاح الدين،  والسلطان العثماني سليم الفاتح، ونابليون بونابارت، وعدد من البابوات الذين شكروا الدروز لحمايتهم للمسيحيين، والزعيم سعد زغلول باشا والجنرال ديغول والملك سعود وعدد كبير من القادة العرب والعالميين. ولم تحظَ في التاريخ طائفة أخرى بالتقدير والاهتمام مثل الطائفة الدرزية وهذا الأمر مستمر منذ الف سنة حتى اليوم مما كون مع الوقت الهيبة الرفيعة للدروز ، هذه الهيبة التي تنير دربهم في الحرب والسلم وعندما يتعرضوا لأي امتحان.                           
وفي الآونة الأخيرة، تُحسم الأمور مرة أخرى، ويخرج الدروز منتصرين، رافعي الرؤوس، من معركة، فُرضت عليهم، وفوجئوا بها وداهمتهم، مثلها مثل عشرات ومئات المعارك والمواقع، التي واجهت الطائفة الدرزية في القرون الماضية، لكن هذه الطائفة، التي تحظى، والحمد لله، بالرعاية الربانية، وبالدعم الإلهي، وتتسلح بالإيمان الراسخ العميق بقدراتها وبقادتها وشبابها، وباعتمادها على الله، سبحانه وتعالى، تدفع ثمنا ليس قليلا، لكنها تخرج في النهاية، مكللة بالغار، تعطي درسا إضافيا في الشجاعة، والبسالة، والعزم، والتصميم، والصمود، والمواجهة الحقة.
فقد هاجمت طغمة من مجرمي داعش، في ليل الخامس والعشرين من شهر تموز هذه السنة، بعض القرى الدرزية في أطراف الجبل، واستطاعت إحدى العناصر، الوصول إلى قلب السويداء، وفتكت بالسكان، في ظروف لم تتوضح بعد، حيث طلب النظام من السكان قبل يومين من ذلك، إخراج كل قوى الدفاع، التي كانت في المنطقة، بحجة أن النظام هو الذي يحمي الجبل الآن. وتمّ بقدرة قادر، قطع التيار الكهربائي، كي يستطيع المهاجمون، البطش والفتك بالسكان، في محاولة لاحتلال قرى كاملة في الجبل، ولغرس البلبلة والفوضى في مدينة السويداء. لكن أولئك المجرمين، لم يأخذوا في الحسبان، أنهم يتعاملون مع أشجع قوة،  ومع أيقظ مجموعة، ومع طائفة ترضع البسالة والقوة مع حليب أمها، فاستطاعوا قتل حوالي ثلاثمائة مواطن ومواطنة، بحكم المفاجأة والمباغتة، وتمكّنوا من سبي عدد من النساء والأطفال، لكن القوى الكامنة في سكان الجبل الأشم، استطاعت خلال ساعات، أن تستنفذ الطاقة الهائلة المتوفرة فيها، فتم خلال ساعات، حشد حوالي خمسين ألف مقاتل، قاموا بصد الهجوم، وبالتغلب على المجرمين، وبإيقاف هذه المحاولة، وتحطيم كل مخططات داعش ومَن وراءها، ومن يسندها، للنيل من جبل الدروز الأشم. وكان الثمن باهظا، وكان الحدث أليما، وقد تم القضاء على عائلات كاملة، ووريت جثامين الأطفال مع الأمهات، ومع الآباء والإخوة، وعمّت الجبل بأسره، والطائفة الدرزية جمعاء، في كل مكان، لحظات من الحسرة، والحزن، والأسى، كونها لم تستطع منع هذا الحدث، وإنما أوقفته، وأفشلت كل مخططات القائمين به، وذلك في معركة، لم يشهد مثلها الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، حيث أن هذه العناصر الهدّامة، كانت تخطط وتهاجم خلسة، واستطاعت أن تحتل مساحات شاسعة في سوريا والعراق، وأن تقيم لها حكما في عدة أماكن، وأن تتاجر بالنفط وبالثروات الأخرى، وأن تهدم كل المباني، ورموز العمران والثقافة، بحجج دينية واهية. إلا أنها صُدّت في جبل الدروز، وأُوقفت عند حدها، وأصيبت بالنكسة، بالرغم من نجاحها الجزئي، بقتل 300 شهيدا، وسبي النساء والأطفال.
وقد اقشعرّت الأبدان، منذ ظهرت عناصر داعش في المنطقة، وذلك للأساليب الوحشية، والطرق الهمجية، وعمليات الذبح، والقتل، والبطش، التي انتهجتها، بحجة الإسلام، متخذة من الدين ذريعة، للتنكيل والقتل، وكل الأديان من ذلك براء. واستطاعت أن تلقي الرعب، والخوف، والذعر، في كل البلدان، التي توغّلت فيها، فخطّطت أن تستحوذ على جبل الدروز، وأن تنفذ مآرب ومخططات شيطانية، للقضاء على السكان، وتشريدهم، وقتلهم، كما فعلت مع طوائف ومجموعات سكانية أخرى في سوريا، والعراق، واليمن، ومصر وغيرها. لكنها لم تأخذ بالحسبان، أنها أمام أشجع، وأقوى، وأبسل، وأنبل طائفة، ظهرت على الوجود منذ التاريخ، لا تسكت على الضيم، ولا تقبل الهزيمة، إنما تستميت، وتبذل الغالي والرخيص، في الحفاظ على كرامتها، وعلى شرفها، وتصون أبناءها وبناتها بقدر المستطاع، ولا تفكّر، إلا بحكاية عرضها، ودينها، وتراب أرضها. ولأول مرة منذ ظهرت هذه الطغمة الفاسدة من داعش وغيرها، تمّ صدّ العدوان، وتحطيم المخططات، وهزيمة داعش وغيرها، بالرغم من أنهم حققوا مأربا واحداـ نجحوا فيه، وهو سبي مجموعة من النساء والأطفال. فيا لها من بطولة فاخرة تُحسد عليها !!
وقد سمعنا وقرأنا الكثير، عن تصرفات داعش مع السبايا، لكن حتى هؤلاء، وهم أشرس وأحقر وأذلّ خلق الله، فهموا وأدركوا، ما هي هيبة الطائفة الدرزية، وما تستطيع أن تفعله، فارتدعوا عن المس بكرامة وطهر الفتيات والأولاد، واكتفوا بقتل البعض منهم فقط، إلى أن تجنّدت الطائفة بكامل قواها، مدعومة من العلي القدير، وتمّ تحرير المخطوفات والمخطوفين، وإعادتهم إلى أهاليهم، والحمد لله سالمين.
 وقد برزت في هذه المعركة، صور متعددة من البطولة، ومن التضحية، ومن الشجاعة الخارقة، فبالرغم من المباغتة والمفاجأة والظروف الصعبة، التي استغلها المهاجمون، وأوقعوا بسكان الجبل، إلا أن السكان استطاعوا أن يفشلوا المخطط، وأن ينتصروا، وذلك بفضل شجاعة سكان الجبل، وبسالتهم، رجالا ونساء، صغارا وكبارا، ونكتفي هنا برفع رؤوسنا، والافتخار بالسيدة أم محفوظ جمال الجباعي، السيدة المتدينة، ابنة الاثنتين وسبعين سنة، التي ألهمها الله، العلي القدير، ان تتناول سلاح ابنها، الذي كان غائبا، فقتلت اثنين من عناصر داعش هاجموا بيتها، وفر الباقون، وهكذا أنقذت أربعة أحفاد كانوا في بيتها...،
السيدة أم محفوظ، هي وجه الطائفة الدرزية، وهي عامودها الفقري، وهي الرمز، والمثل الأعلى، لأمة صمدت في التاريخ، أمام أكبر الجيوش، وأقوى الإمبراطوريات، وأشرس القادة والفاتحين، بإيمانها، بعزمها، بقوتها، بوحدتها وباتكالها على الله، سبحانه وتعالى، وظلّت شامخة، رافعة الرأس، لها حضور، ووقار، وهيبة لم يشهد مثلها التاريخ.
والله ولي التوفيق


سميح ناطور

دالية الكرمل
كانون اول 2018
 


 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.