spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 130
لحظة رائعة لا بل تاريخية بحضرة فضيلة سيدنا المرحوم الشيخ أمين طريف
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كلمة العدد: الذين اخترقوا الأفق بحثا عن الله والذين يحفظون الله في قلوبهم طباعة ارسال لصديق

صرح رجل الفضاء السوفييتي يوري غاغرين، وهو اول رجل فضاء في العالم، بعد نجاحه في اختراق الغلاف الجوي للأرض، وعودته سالما قائلا: " حين صعدت إلى الفضاء، أخذتني روعة الكون، فأخذت ابحث عن الله..." وقد جاء هذا الكلام تلقائيا من عالم فضاء وطيار ولد ونشأ وتربى في الاتحاد السوفييتي في فترة ازدهار الشيوعية التي نادت بإنكار وجود الله تعالى وكل الغيبيات، والقول بأن المادة هي أساس كل شيء.  واستحوذت على أذهان المواطنين وعلّمتهم أن الدين هو شر وأنه " أفيون الشعوب" كما قال ماركس أبو الماركسية والشيوعية. وقد لام رؤساء الاتحاد السوفييتي رجل الفضاء يوري غاغارين على جملته العفوية هذه وأرغموه أن يضيف عليها العبارة" لكنني لم أجده". وقد ذُكر أن غاغرين قُتل في حادث طائرة مشبوه بعد سنوات. كما أن الاتحاد السوفييتي الملحد المنكر لوجود الله انهار بعد سبعين سنة فقط من تأسيسه.
وهنا نلاحظ أن حتى عالم الفضاء الذي غسلت السلطات دماغه ونشأ على إنكار وجود الله، حتى هو اعترف بوجود الله في لحظة مصيرية في حياته، ولا شك أن هذا كان عاملا في أن يتحمّل بشجاعة الساعات التي قضاها في رحلته الفضائية غير العادية، التي سبّبت سباقا علميا فريدا من نوعه بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، من أجل غزو الفضاء والصعود إلى القمر ومحاولة الوصول إلى كواكب أخرى في هذا الكون.
ونحن كمواطنين دروز، نؤمن بالله سبحانه وتعالى وبوحدانيته. وبأنه يدير هذا الكون الذي ليس له حدود منذ ملايين السنين، ويعرف ويعلم عن كل حدث صغير لأبسط إنسان في الوجود، بالرغم من أن الكون مكوّن من المليارات من النفوس الحية النابضة، التي تعمل الخير، وتعمل الشر، وهو يسجّل كل حدث لكل فرد من الأفراد، ويكافئه أو يعاقبه، ويقرر مصيره استنادا إلى حكمة ربانية نجهلها. وقد حابانا الله كأبناء دين التوحيد، أن يكون إيماننا بالله سبحانه وتعالى مطلقا، كليّا، غير مشروط، لا نهاية له، جارفا، وأن نمارس حياتنا كمواطنين عاديين، لهم برامج في الحياة، يسعون إلى تحقيقها، يبنون البيوت، يكوّنون الأسر، يشاركون في إعمار هذا الكون، يفعلون الخير ، يبتعدون عن الشر، يقدّمون المساعدة للغير، يتجاوزون عن مساوئ الغير، ويفعلون كل شيء في نطاق قاعدة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وهذا الكلام يسير على القاعدة الشعبية الكبيرة، التي تكوّن طائفة الموحدين الدروز. ففي السابق، تكوّنت هذه القاعدة بين الرجال من المحاربين الأشداء والمزارعين النشيطين، وأصحاب بعض المهن الحرة، وبين النساء عند غالبية المجتمع النسائي، الذي قام دين التوحيد بالاعتماد عليه، وولاّه كل شؤون تربية الأولاد، وتكوين الأسرة، وتصريف شؤون البيت، واستقبال الضيوف، ودعم رجال البيت، وطبعا القيام بكافة الشعائر الدينية. وفي العصر الحديث تبدّلت الأعمال التي يقوم بها الرجال، وضمّت تشكيلة كبيرة من المهن والمناصب في كافة مجالات الحياة، وأصبح همّ كل أسرة أن تبني بيتا، وأن تربي الأولاد أحسن تربية، وأن تمنحهم العلوم الدنيوية والدينية، وأن تؤهّلهم للحياة، ليقوموا هم كذلك بدورهم في تنشئة جيل جديد، واسر جديدة، وهكذا دواليك. وسعد المجتمع الدرزي بهذا المنطق، وهذا النظام، طوال وجوده الأخير خلال ألف سنة. فقام أرباب الأسر بواجباتهم الأمنية الدفاعية، حينما هوجمت قراهم ومناطقهم. وقامت النساء بحضانة الأولاد، وتأهيلهم للحياة عندما يكبرون. وتقدّم المجتمع الدرزي من عصر إلى عصر، مزوّدا بالتعاليم والمناقب والقيم والفضائل التوحيدية العريقة، إلى أن وصلنا إلى أيامنا هذه، حيث يشعر الدروز بعزة وكرامة وسؤدد وفخامة، بالرغم من وجودهم أحيانا في محيطات عدائية لا تنوي لهم الخير.
ولا شكّ أن الله، سبحانه وتعالى، ألهم في الألف سنة الأخيرة، عددا من كبار الأولياء الصالحين، أن يهبوا أنفسهم للدين والعبادة، وذكر الله، والتفاني والإخلاص له، والعيش فقط من أجله، عازفين عن الحياة الدنيا. وهؤلاء ثلّة من المحظوظين، ومن كبار الأتقياء المبجّلين، الذين يزخر ويبتهج ويزهو بهم مجتمع الطائفة الدرزية. فالتضحيات التي قدموها، والمسلك الشريف الذي اتّبعوه، لا يستطيع كل إنسان أن يقوم به.
وظهرت بين طبقة العوام، التي تضم الأغلبية الساحقة من المواطنين الدروز، بينهم متدينون وغير متدينين،  يشكّلون عماد المجتمع الدرزي، وبين طبقة الصوفيين الكبار والأولياء الصالحين، ظهرت فئة من كبار رجال الدين، أرسلهم الله سبحانه وتعالى، لقيادة المجتمع التوحيدي، وليكونوا مثلا أعلى للمواطن الدرزي المتديّن المخلص لأسرته ولأمّته، والذي يرى ويشعر بخالقه في كل لحظة من لحظات حياته. هؤلاء هم القيادة الفعلية والطبقة الراقية المميزة التي استطاعت أن تقوم بواجباتها الدينية اتجاه الله، سبحانه وتعالى، لكنها ضحّت وعملت وساهمت في الذود وفي الإستماتة في المجتمع الكلي التوحيدي كي يظل عامرا شامخا رافعا رأسه مخلصا لمبادئه منفّذا لأوامر الدين لكنه يتمتع بالحياة بالقدر المناسب ويحمد ربه في كل مناسبة أنه جعله من الصفوة المختارة وفي نفس الوقت قدوة ونموذجا لباقي أبناء المجتمع.
هكذا نرى أن الإيمان بالله والتفاني في عبادته وذكره والتقيّد بما يرضيه هو أمر يشمل كل طبقات المجتمع الدرزي. وإذا أخذنا بعين الاعتبار، أن غالبية المجتمع الدرزي هي من الذين لم يتوصّلوا بعد إلى الدين، لكن تمسّكهم بدين التوحيد الدرزي، وتعلّقهم به، ودفاعهم عنه، وتضحيتهم من أجله، لفتت أنظار كل الشعوب على مرّ العصور، وجلبت لهم التقدير والاحترام، وجعلتهم في الصدارة بين الشعوب. ونحن نرى في الزيارات الموسمية، وفي المناسبات الدينية، وفي الأعياد وحتى في الجنائز، وعند وقوع كوارث ومحن، نجد الحرارة التوحيدية، والتعاطف المعروفي، والتكاتف والتعاون. كل هذه الأمور، تغمر المجتمع التوحيدي، وتثبت أن هناك سرا خفيا وراء تكتل وتراصّ، وصلابة المجتمع التوحيدي الدرزي بالرغم من أنه توجد أحيانا بعض الظواهر وبعض التصرفات التي تنمّ عن معارضة ما أو خلاف صغير لكن التاريخ أثبت أن الغالبية العظمى من الموحدين الدروز تقرّ وتعترف وتؤمن وتعتقد ويطيب لها وهي تعتز أن خالق هذا الكون ومدبّره ومديره لا حاجة للبحث عنه فكل مواطن توحيدي درزي يعرف ويشعر ويؤمن ويسلّم بالحقيقة الناصعة أن الله سبحانه وتعالى محفوظ دائما وأبدا في قلوب الموحدين الدروز.
زيارات مقبولة وكل عام وأنتم بخير..

والله ولي التوفيق

Image

سميح ناطور
دالية الكرمل
تموز 2018
 

 

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.