spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 105
كلمة العدد: الدروز والخداع البصري
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كلمة العدد: أبو عجاج، ما بين الست نظيرة وسيدنا سقراط... طباعة ارسال لصديق

 
ذُكر في كتاب بعنوان " الست نظيرة جنبلاط، من حدود العائلة إلى ربوع الوطن"، تأليف الأستاذ شوكت اشتي، عن سيدة المختارة، أرملة زعيم الشوف الأمير فؤاد جنبلاط، ووالدة المعلم الكبير، الأستاذ كمال جنبلاط، انها تولت قيادة عائلة جنبلاط وغالبية الدروز في لبنان، من موقعها النسائي، وحققت نجاحا كبيرا مع جميع الأوساط، وكانت ترتدي النقاب دائما، وكانت تجلس مع اللبنانيين والمشايخ والأجانب وكل إنسان معتبر، يزور قصر المختارة، وتتفاوض معه، بوجود ستار بينها وبين الرجال. وقد حققت السيدة نظيرة الكثير لدروز لبنان والعالم، وعالجت كافة الأمور، ولم تتنازل عن الظهور بحشمة ووقار، وهي في موقع الزعامة والسيادة والقيادة. وجاء في الكتاب المذكور، أن السيدة نظيرة اتفقت مع مسئول فرنسي في الشوف، أن تحضر فرقة هندسية عسكرية فرنسية، لتفتح الطريق بين المختارة وقرية بطمة الشوف. وكانت مسرورة بهذا الاتفاق، فاستدعت شيخ قرية بطمة الشوف واسمه  الشيخ أبو عجاج وقالت: " بدي بشرك يا شيخ أبو عجاج، أنه عندما يتحسن الطقس، ستأتي فرقة الهندسة من الجيش الفرنساوي، ويباشروا بشق الطريق من المختارة إلى بطمة.". فرد الشيخ بانفعال: " شو إنت خوثا يا ست، فأجابت بهدوء: كيف بتقول هيك؟ فقال بدك الجيش الفرنساوي، يطلع على بطمة، يتفرج على نسواننا! فقالت يعني ما بدكم الطريق. فقال: نعم لا نريدها... وهكذا كان، وتأخرت الطريق حوالي ثلاثين سنة.
وقد دار هذا الحوار في الثلاثينات من القرن العشرين، ولا ندري اليوم كيف يمكن أن ننظر إلى هذا الحدث، فنحن نجلّ ونحترم الشيخ أبي عجاج، شيخ قرية بطمة على موقفه الواضح، لأن هذا هو ما كان يعرفه، وإلى هنا كانت تصل آفاقه ومداركه، ولا شك أنه احتدّ وغضب، وتحدث بلغة نابية مع أميرة الشوف، لأنه يريد أن يحافظ على الطائفة الدرزية.  من منطلق غيرته واهتمامه بالمرأة الدرزية حسب مفاهيمه. ونحن في نفس الوقت، نفتخر ونعتز ونرفع رؤوسنا، بالسيدة نظيرة جنبلاط، التي عاشت في قمة الحضارة في الشرق في ذلك الوقت، والتي كانت في أوج الزعامة، والتي التقت بأكبر الزعماء والقادة والوجهاء والشعراء، وتحدثت معهم بلغة الأسياد والقادة، وفي نفس الوقت حافظت على الكرامة الأنثوية الدرزية ألا تُخدَش. وبما أنها تعالت عن نبرة الشيخ أبي عجاج، وتجاوزت عنها، ولم تتأثر، أثبتت إحدى الفضائل الدرزية العريقة، وهي سعة الصدر، والتسامح، والعفو، والمغفرة، والترفع عن رد الإساءة بالإساءة، هذا إلى جانب الحشمة، والتواضع، والعفة، التي رافقتها طوال حياتها. ونحن نورد هذه الحادثة لأنه فيها عبر كثيرة، فطائفتنا التوحيدية، مرّت بأخطار جسيمة خلال وجودها، وعانت من مطاردات وملاحقات وتهجمات واعتداءات بلا نهاية، وقد تكوّنت مع الوقت، لدى الطائفة الدرزية ظاهرة، ما يمكن أن نسميه "الديناميكية الدفاعية"، وهذه الظاهرة تبرز في أوقات حالكة قاسية صعبة، بحيث ييسّر الله سبحانه وتعالى، لمسئول أو لشيخ او لقائد من الجنسين في الطائفة الدرزية، الحل الأمثل المناسب، لتلك الوضعية، ولذلك الحدث، ولهذا الواقع الذي وُجد فيه فقط، فيتم تصرّف المسئولين في ذلك الوقت، بشكل تمر الحادثة بسلام، وتبقى الطائفة شامخة. ومن البديهي أن نقول، إننا لا نستطيع ان نأخذ حلا، أوجده شيخ أو زعيم درزي في فترة، لنطبقه في فترة أخرى، فالحياة شديدة التطور، والأمور متقلبة جدا، وما كان صالحا في الأمس، لا يمكن أن يكون صالحا اليوم، لذلك، يمكننا أن نعتمد على الرعاية الربانية، أن تخلق فينا، وقت الحاجة، القادة والزعماء والمسئولين والمشايخ، الذين يقدمون الحل الأمثل والمناسب في أي ظرف كان.
ومن هذا المنطلق، وبما أن الطائفة الدرزية، أثبتت صمودها العقائدي، وتمسكها بتوحيدها، وبمزاياها، وبأركانها، خلال ألف سنة. وبما أن الطائفة الدرزية، حافظت على مواقعها، وجبالها، وقراها، وأماكنها المقدسة، وضَحَّت، واستطاعت البقاء، في حين هُزم الآخرون، وظلت رايتها مرفوعة إلى هذا اليوم، وبما أن العشرات والمئات من القادة والزعماء الدروز، ظهروا على وجه التاريخ، وقاموا بأعمال خارقة في حينه، أنقذت الطائفة من أكثر من مصير بائس، ودفعتها إلى الأمام، وحافظت على وجودها. وبما أن الأخطار ما زالت قائمة، وأحيانا تظهر بالهول العسكري، وأحيانا أخرى بالتهديد الحضاري، وأحيانا أخرى بالجهل المطبق، وإلى ما لا نهاية من مصائب، لذلك، تعوّدت الطائفة الدرزية، التي تريد الحياة، والمدعومة من العزة الإلهية، والتي يمكن أن تشهد أنها لم تعتدِ على أحد في حياتها، إنما ناصرت المظلوم، وضحّت من أجل استقلال الدول والأمم التي تعيش بداخلها، وعُزلت بعد ذلك على الهامش، تعوّدت هذه الطائفة، أن تلاقي الحلول المناسبة والأجوبة الشافية للأخطار والمصاعب التي تواجهها.
 واليوم، وبعد أن ظهرت بوادر الاستقرار لدى إخواننا الدروز في سوريا، وبعد أن قام فضيلة الشيخ موفق طريف، والقيادة الدرزية في البلاد، بتأمين سلامة وكرامة إخواننا الدروز في سوريا وفي لبنان، حيث زال الخطر العسكري الداهم، يمكننا أن نكرّس جهودا أكبر، لخطر لا يقلّ شراسة وفتكا وضراوة من القنابل والقذائف، وهو خطر التمدّن الغربي الزائف، الذي يستحوذ علينا في الشرق، ويجرفنا، ويتغلغل كالسم القاتل في عقليتنا، وفي أفكارنا. فقد أصبحنا مستعبدين لأنواع المشروبات، وأصناف الهامبورغر، وصرخات الجينس، والبرامج السخيفة في التلفزيون، وحياة الاستهلاك بلا حساب، والاعتماد على الآلة أكثر من الاعتماد على النفس، والانجراف وراء بدع وخرافات وأساطير، وكل هذا نستعمله ونمارسه، ونمتع أنفسنا به، ونحن واثقون، أننا محصّنون من أن يفتك بنا، ويغير من مسارنا التوحيدي، ويجعلنا أمميين، فوق الدين، وفوق القومية، حيث نعبد آلهة كرة القدم، والموسيقى، والممثلين والمصارعين وغيرهم. وإذا نظر كل إنسان حوله، يجد أنه متورط حتى عنقه في هذا المستنقع الغربي الكبير، لكننا استطعنا، بعونه تعالى حتى الآن، أن نطفو فوق الماء، وأن نحافظ على مميزاتنا وخصائصنا، بالرغم من تشابكنا الكبير، مع عناصر غريبة.  
وفي خضم هذا الصراع الفاتك المطبق نقول، إنه بإمكاننا بسهولة أن نصون أنفسنا من كل الأخطار إذا تمسكنا بتراثنا ومبادئنا بعقلية واعتمدنا على الثقافة والعلوم، وحكمنا عقولنا والمنطق لدينا في كل قضية وفي كل مناسبة، ووضعنا ثقلنا على مؤسساتنا التوحيدية الرسمية، وعلى مدارسنا، واتبعنا الاعتدال في الاحتكام، وابتعدنا عن التطرف والتشدد والمبالغة في التضييق على شبابنا وفتياتنا، فكل مجتمعنا يعج بالنزاهة والخير والبركة والاستقامة بشكل عام. ولا ننكر أنه توجد أحيانا ثلة صغيرة هامشية، من الشباب وكذلك من الفتيات، تسيء التصرف وتنحرف عن الأصول، فليس معنى هذا أن المجتمع أخذ بالانهيار، ولا يمكن أن ندخل في هستيريا، وكأن كل شيء في خطر، فنسن القوانين الجارفة، ونفرض القيود الكاسحة، ونخمد كل تقدم وتنفس فينا. إنما علينا أن نتصرف بهدوء ورزانة وعقلانية وحكمة ومسئولية، وعلينا ان نتعلم من سيدنا سقراط، الذي كانت والدته تعمل (قابلة)، اما والده فكان يقوم بنحت التماثيل. وعندما سُؤل سقراط: كيف تعلمت الفلسفة؟ رد قائلا: من ابوي ! فكما ان والدتي تقوم بتوليد الاطفال من بطون امهاتهم، كذلك انا اقوم بتوليد الافكار الصحيحة من عقول الناس. وكما ان والدى ينظر الى حجر ما ويتصوره اسدا او غيره، ويحاول ان ينحته على هذه الهيئة التي تصورها، حتى يصل اليها, كذلك انا اتصور الحقيقة في عقول الناس واحاول الوصول اليها واستخراجها على صورتها الصحيحة.

والله ولي التوفيق

Image

سميح ناطور
دالية الكرمل
حزيران 2018

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.