spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 137
الشجاعة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
الفتاة الدرزية تتألّق في التعليم، إن أُعطيت الفرصة طباعة ارسال لصديق
بقلم السيدة سهام ناطور (عيسمي)




عندما نتمعّن في أوضاع المجتمع الدرزي ونبحث في دور المرأة فيه علينا أن نأخذ بعين الاعتبار الظروف الدينية والاجتماعية التي عاشت فيها المرأة الدرزية في كل جيل وجيل. ولا يمكننا أن نحكم على الفتاة الدرزية في أي موضوع كان بدون أن نعرف الإطار الذي عاشت فيه والظروف التي سادت في تلك الفترة . ولا أنكر أنه حتى أواخر القرن العشرين كانت المرأة الدرزية محتجبة في غياهب البيوت لا يُسمح لها بالخروج ولا بالبروز ولا بالظهور إلا في حالات خاصة. وقد سبّب هذا ان تظل المرأة خلال سنوات طويلة بعيدة عن التعليم وعن العمل وعن المشاركة في المجتمع بشكل علني. وإذا تمعنا أكثر في المجتمع نجد أن الشاب الدرزي هو كذلك كان محصورا في نطاق القرية الصغيرة وقد حُرم هو كذلك من نعمة التعليم والثقافة لأن المدارس لم تكن متوفرة في القرى وفقط بعد سنوات الستين والسبعين فُتحت في بلادنا مدارس ثانوية تؤهّل الطلاب والطالبات للدراسة الجامعية. وحتى ذلك الوقت كان عدد الفتيات وكان عدد الشباب المتعلمين في كافة القرى الدرزية يُعدّ على الأصابع.
 
 
وبالرغم من هذه الظروف يحق لنا أن نفتخر ونعتز أن المرأة الدرزية في أصعب الأوقات وفي أحلك الظلمات كان لها كيان ووجود وكرامة وشخصية ونفوذ في داخل أسرتها وعائلتها الموسّعة. وقد نبع ذلك من المساواة المطلقة التي منحها الدين الدرزي بين الرجل والمرأة حيث فرض عليها وعليه نفس الحقوق ونفس الواجبات ولم يعطِ الرجل دينيا ولا أي امتياز أكثر من المرأة بل بالعكس كانت المرأة الدرزية حتى قبل سنوات تُعتبر متدينة بطبيعتها إلا إذا اختارت بكامل حريّتها طريقا آخر. أما الشاب الدرزي فلم يكن متدينا تلقائيا وإنما كان عليه أن يسعى في التوجّه للخلوة والحصول على تقبّل الدين. وهذه المفاضلة هي فريدة من نوعها في العالم بأسره ولا يوجد مجتمع يمنح هذه الميزة للمرأة إلا المجتمع الدرزي. وقد ذكر المؤرّخون والمسافرون أن المرأة الدرزية في القرون الوسطى كانت المرأة الوحيدة التي تعرف القراءة والكتابة لأن الدين الدرزي فرض على المرأة المتدينة أن تقرأ الدين وتحفظه وكانت البنات تتعلمن إما في الخلوات أو لدى نساء تقيّات فاضلات كنّ تتبرعن بتعليم البنات وتثقيفهن. وكانت المرأة الدرزية هي التي وكّلها المجتمع أن تربّي أولادها وأن تكسبهم الثقافة الصحيحة وقد فرض عليها هذا الواجب أن تكون مثقفة، حتى ولو لم تتعلم. فقد أجمع كل علماء وخبراء التربية والتعليم وكل الثقافات وكل النظريات أن تربية الأولاد شيء وتعليم الأولاد شيء آخر، وحتى هذا اليوم، ما زال الرأي السائد هو أن التربية تسبق التعليم. وإذا تساءلنا حينما ننظر إلى الوراء ما هي التربية التي أكسبتها المرأة الدرزية لأولادها في القرون الغابرة، نجد أنها أعطتهم الكثير، فبالدرجة الأولى، علّمتهم احترام الوالدين والكبار والشيوخ والبالغين في الأسرة وفي القرية وفي الطائفة. وبما أنها عرفت القراءة والكتابة للدين الدرزي، فإنها كانت مطّلعة وكان بإمكانها أن تشرح لهم مبادئ وأسس دينهم، هذا بالإضافة الى التربية التوحيدية التي منحتهم إياها، من ناحية صدق اللسان والشجاعة والكرم وباقي الفضائل التوحيدية الأخرى. وحينما كان الشاب الدرزي يذهب للقتال مضطرا للدفاع عن الطائفة، فقد كان مزوّدا بقيم توحيدية فريدة من نوعها، مثل الشجاعة، وعدم القتل عمدا، وإنما القتل فقط للدفاع عن النفس، وعدم التعرّض للنساء والأطفال، وعدم تدني النفس لسرقة ونهب بيوت الأعداء، مثلما يفعل الآخرون. وقد ظهرت هذه الفضائل خلال ألف سنة في كافة التجمعات الدرزية، بحيث تجعل المجتمع الدرزي يرفع رأسه فخرا بهذه التربية. وقد كان الرجل الدرزي، مشغولا إما بالقتال للمحافظة على الطائفة، وإما بالزراعة، وكانت الأم في البيت هي التي تهتم بالمأكل والمشرب واللباس وتنشئة الأولاد والاهتمام بأن يتزوجوا وأن يجدوا لهم مأوى وعملا وكل هذه الأمور، كما أنها فتحت بيتها لضيوف زوجها ولكل طارق، وكل ذلك وهي تُعتبر غير متعلمة رسميا لكنها مثقفة اجتماعيا.
وقد ساد هذا الجو حتى أواخر القرن العشرين تقريبا، وعندما فُتح المجتمع وبُنيت المدارس، تهافت الطلاب على التعليم، وانتظرت البنات دورهن حتى يسمح لهن المجتمع بذلك. وفي الثمانينات عندما سُمح للفتيات الدرزيات أن تلتحقن بالكليات في غوردون وفي صفد، بدأت تظهر موجة عارمة من طالبات العلم، وقد تزايد عدد الفتيات المتعلمات، مثل متوالية حسابية، لدرجة أننا وصلنا اليوم إلى وضع، يظهر فيه أن عدد الفتيات المتعلمات الجامعيات يصل إلى حوالي 80% من كافة الجامعيين الدروز، أي ان عدد الشباب تقلّص إلى حوالي 20% فقط. ولهذا نرى في قرانا اليوم، أعدادا كبيرة من الخريجات الجامعيات، يفوق عدد الخريجين، وأخذت المرأة تأخذ مركزها الطبيعي في العمل، وفي الإدارة، وفي القيادة، وفي المبادرة، إلى أعمال اقتصادية مستقلة. ونجد أن الشهادات الجامعية المعلقة في البيوت، تحمل أسماء نسائية أكثر من أسماء الشباب، مما يشير ويدل، أن المرأة الدرزية، إن أُعطيت الفرصة، والجو المناسب للتعليم، فإنها تتألق، وتتقدم، وتبرز، وهي دائما محافظة على كرامتها، وعلى شرفها، وحريصة ألاّ تخدش حياء أهلها أو اسرتها بأمر يمسّهم. والحمد لله على ذلك، وها نحن نرى أن الكرمل ينعم بوجود مدرسة دينية للشباب وللبنات، تمنح التأهيل التوحيدي للطرفين على السواء، تطبيقا للتعاليم والأصول والوصايا والمثل العليا التوحيدية الدرزية التي نعتز بها..  

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.