spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 70
مؤسسة الهدى التوحيدية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
لقطات من التراث التوحيدي القديم طباعة ارسال لصديق
بقلم د. سليمان بشير

مما لا شك فيه أن البحث العلمي في مواضيع التاريخ الديني والاجتماعي قد أصبح في الفترة الحديثة يشكّل إحدى الركائز التي لا يستغنى عنها لقضايا الوعي الذاتي والهوية بالنسبة للشعوب والتجمعات البشرية على اختلافها، وذلك إلى جانب عوامل وتطورات تاريخية ملموسة تعيشها تلك الشعوب والتجمعات. إلاّ أنّ البحث العلمي في مجال الهوية والتراث الدينيين بشكل عام يصطدم في الغالب بعقبات تنبع في الأساس من ندرة المصادر التاريخية خاصّة عن فترات التكوين والتطوّر المبكّرة، الأمر الذي يشكّل ظاهرة معروفة لدى كل مَن له أدنى اطّلاع على الأبحاث في مجالات الديانات السماوية الأخرى كاليهودية والمسيحية والإسلامية على فروقها المختلفة.
وبالنسبة للتراث التوحيدي القديم الذي يعتقد الدروز بأن جذوره تعود آلاف السنين إلى الوراء، مع أنهم يعتبرون أنفسهم حفظته وحملة رسالته في طوره الأخير أي منذ عهد الحاكم الحكيم في مصر الفاطمية قبل حوالي ألف سنة، فإنّ البحث العلمي يصطدم بعقبات إضافية وخاصّة. وهذه تتعلّق بطبيعة المصادر من ناحية وبمناهج البحث التب اتّبعت حتى الآن من الناحية الأخرى. وفي رأيي من الممكن الربط بين شقيّ هذه الأشكال. وقد عبّر المرحوم كمال جنبلاط عن الموقف الرافض لمقولة أن المعتقد التوحيدي قد بدأ في مصر الفاطمية فقط وأكّد على أنّ هذه المقولة هي خطيئة لا تُغتفر، وأن دعوة التوحيد التي بدأت في ذلك العصر ليست إلاّ الطور الأخير لظهور المعتقد التوحيدي الذي يعود في منابته إلى الفترة اليونانية والفرعونية أي حتى إلى مبتدأ خلق العالم من وجهة النظر الدينية، إلاّ أنّ البحث العلمي لا يستطيع بدوره إلا أن يسجّل حقيقة أن كل ما يوجد في متناول أيدينا اليوم ينحصر في رسائل الحكمة الشريفة وشروحاتها التي كُتبت في الدور الفاطمي وما بعده وباللغة العربية فقط. وهنالك بالطبع الرواية الشفوية التي يتناقلها الموحّدون الدروز جيلا بعد جيل، وعلى الرغم من أنّ هذه الرواية تتضمّن عقائد وأخلاقيات صيغت على شكل أدب شعبي ومحلي عن حياة الأنبياء الصالحين والزهاد الذين عاشوا قبل العهد الفاطمي بعهود سحيقة وارتبطوا بشكل أو بآخر بعقائد ونظم دينية أخرى (كشعيب والخضر والسيد المسيح والاسكندر المكدوني وشخصيات من فترة صدر الإسلام كسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري ألخ...)، إلا أن الرجوع إلى مثل هذه الرواية كمصدر تاريخي هو أمر في غاية الصعوبة والتعقيد.
ويضاف إلى ذلك بالطبع عامل السرّية التامّة التي اكتنفت المعتقد التوحيدي منذ عهد الاحتجاب الأخير والتي اتخذ فينا بعد شكل التقيّة في عصور اتّسمت بالملاحقة وعدم التسامح الدينيين في هذا الجزء من العالم. ومع أنني اعتقد شخصيا أن مفهوم السريّة الأصلي قد نبع في الأساس من اعتبار أنّ معرفة الله تكمن في معرفة سرّه في خلقه ونظام ذلك الخلق على مرّ العصور، وأن تلك المعرفة تتسنّى فقط لفئة قليلة وبعد جهد جهيد من التأمّل (وذلك على نحو مماثل للكثير من التوجّهات الفلسفية العرفانية التي ظهرت على مر العصور وكان من بينهاالتواجد التوحيدي الدرزي، وهو معتقد سامٍ وأصيل وأنه جدير بالدراسة والبحث كأحد ارقى ما أنتجه الفكر البشري على مرّ العصور من تأمل وفلسفة كونيين، فإنه لا بد والحال هذه من احترام المشاعر الدينية والإبقاء على هذا المعتقد سرّا مستودعا ومصونا كأقدس الأقداس.
أما الجانب المنهجي للصعوبة في تقصّي جذور المعتقد التوحيدي في الفترة ما قبل الفاطمية فينبع في رأيي من كون أكثر الباحثين العصريين في تاريخ الدروز ومعتقداتهم قد جاؤوا من مدرسة الاستشراق الغربية، وعلى رأسها سلفستر دي ساسي، التي انطلقت من تخصّصها الأصلي في مجال تاريخ الإسلام الشيعي بشكل عام والإسماعيلي بشكل خاص، أو من كُتاب عرب ودروز أبرزوا جانب علاقة الدروز التاريخية والتنظيمية بالشيعة الإسماعيلية وذلك على حساب بحث عناصر المعتقد التوحيدي القديمة في الفترات السابقة للدور الفاطمي.
ولا حاجة في العجالة إلى ذكر عشرات أو حتى مئات المراجع التي تناولت تاريخ الدروز منذ العهد الفاطمي على هذا النحو، ويكفي القول بأنّ هذه الدراسات لا تشذّ من ناحية المبدأ عن الإطار الذي وضعه لها دي ساسي في القرن التاسع عشر من ناحية، أو عن المؤلّفات العربية ذات طابع الطروحات السياسية التي تبرز البعد الإسلامي والعربي لتاريخ الدروز. صحيح أن بعض الدارسين قد تطرّقوا إلى جوانب معيّنة لعلاقة بعض معتقدات التوحيد الدرزية بالديانات والفلسفات أو حتى الشعوب القديمة، إلاّ أن معالجة الموضوع لا تزال بعيدة عن الشمول والوفرة المطلوبين، الأمر الذي يفسّر الشعور السائد لدى أكثر الدارسين بأن اللغز بشأن أصل الدروز لا يزال بانتظار الحلّ.
وحيال هذا الوضع اعتقد ان باستطاعة البحث العلمي الحديث سدّ الفراغ الناتج عن تكريس أطر البحث القائمة من ناحية ومن السريّة التامّة التي تكتنف المصادر والكتابات الدرزية من الناحية الأخرى، وذلك عن طريق الرجوع إلى ما تمّ إنجازه حتى الآن من أبحاث في مجال الدراسات المقارنة للديانات السماوية الأخرى وإبراز العناصر التوحيدية الأصيلة فيها، وهو ما أنوي وضع إطاره العام وخطوطه العريضة في هذا المقال أملا مني في مواصلة البحث والتنقيب في دراسات قائمة. وهذا المشروع لو تمّ إنجازه فمن الممكن أن يضع مسألة الهوية على أسس راسخة من الوعي التاريخي ليس فقط لأصالة المعتقد التوحيدي بل وحتى لشيء من الاستمرارية العرقية لدى حفظته على مرّ العصور في هذه المنطقة على الأقل. لقد بدأت بالتنقيب في هذا المجال منذ بضع سنوات، وأتيح لي حتى الآن عرض بعض الملاحظات والاستنتاجات على شكل سلسلة محاضرات دعاني مفتش المعارف الدرزية الأستاذ سلمان فلاح لإلقائها في جامعة حيفا ضمن مساق "الدروز: مجتمع وتاريخ". كما نشرت في مجلة العمامة مقاليْن بعنوان "قصة خلق العقل (العدد 13) و"الصين في القرآن الكريم" (العدد 14)، وقمت بإلقاء محاضرة أخرى عن نفس الموضوع في بيت المسنين في دالية الكرمل بمبادرة من الأستاذ سميح ناطور محرر مجلة العمامة. ومع ذلك فإنني أبقى المسئول الوحيد عن الآراء الواردة في هذا العرض أو أية نواقص وأخطاء قد تشوبه.  

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.