spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 104
النبي يحيى بن زكريا (ع)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
مرور سنة على رحيل المرحوم الشيخ أبو سعيد نجيب عنتير معدي طباعة ارسال لصديق
كنت كالشجرة الخضراء اليانعة
بقلم نجله الشيخ عنتير معدي - قاضي المحكمة الدينية الدرزية



Image

بسم الله الرحمن الرحيم

يا مَن يعزُّ علينا مفارقتهم            أصبح كل شيء بعدكم عدم
لقد بلغَ الحزن كل قدر             والحياة من بعدكم فراق وألم

Image

مرَّت سنة والدموع ما زالت تنهمر، مرَّت سنة والقلوب بالألم تعتصر، مرَّت سنة والنفوس ما زالت تضيق وتنحصر، أما الدار فلأصحابها تئِّنُ، تَعِنُّ وتفتقرُ.
والدي الحبيب، حسبنا أن فراقك سيمرُّ كما تمرُ باقي الأشياء، وإن صفحتك ستنطوي كما انطوت باقي الصفحات، وأنَّ الحياة ستستمر وتأخذ مجراها كسائر الأزمان، ولكننا أيقنا أن الأمر يختلف تمامًا كل الاختلاف، ففي كل يومٍ يزداد الشوق والحنين، ونشعر بالأسى والأنين، فنتذكرك يا أيها الأب الرائع والمخلص الأمين. طيفك يأبى أن يفارقنا أبدًا، وفضلكَ يزداد علينا يومًا بعد يوم، وابتسامتك لا تغيب عنا، وهي مرسومة في أذهاننا دائمًا وأبدًا.  أصدقاؤك ما زالوا يسألون عنك، يفتقدونك، يُرددون أقوالك وعباراتك، ويتذكرون خصالك وأفعالك، فكنتَ لهم الصديق المخلص الأمين، وكنت الرفيق الوفي الكريم، ودائمًا على العهد ثابتًا ومُقيم.  لقد مررتَ بحياتك بمحطات عدة، فعلى الصعيد العائلي، كُنتَ الأب الداعم والمعطاء الكريم، وعلى الصعيد المهني، كُنتَ مساعد لوزير العمل والرفاه الاجتماعي، وفي المجال التطوعي كُنتَ عضوًا في المجلس المحلي ومجلس العمال الاقليمي، ففي كل محطة من هذه المحطات، تركتَ أثرًا طيبًا وعملاً صالحًا وختمًا واضحًا وقاطعًا.
والدي الحبيب، لقد كنت نبعًا من الفيض والعطاء وكنت قدوة في الإخلاص والوفاء، أحببت الناس جميعًا دون استثناء، شاركتهم في أفراحهم وفي أتراحهم، فأحبَّ ما عندك كان الجلوس مع الأحبة والأصدقاء، وأبغض ما كان عندك، نهج النميمة والافتراء، أصريتَ على قول كلمة الحق حتى لو أتت بك أحيانًا إلى بعض الانتقادات، وهناك مَن قال: "أنَّ العدو الأكبر على أبي السعيد هو لسانه"، لقد كنت كالشجرة الخضراء اليانعة التي كلما غرست وتعمقت في الأرض جذورها، كلما ازداد علوها وشموخها. عشت في بداية حياتك يتيمًا فقيرًا، لكنك كنت مثلاً للعصامية الحقيقية، وقدوة للمثابرة الدائمة المستديمة، كافحتَ وناضلتَ، وتسلّقتَ في سُلم الحياة، إلى أن وصلتَ إلى القمة، لقد عشتَ بكرامة، تميزتَ بشهامة وتحليتَ بالمروءة والشجاعة، فلم تخسر يومًا، ولم تعرف الهزيمة، وكنتَ دائمًا صاحبًا للحق وأهلاً ًللعزيمة.  
والدي الحبيب، لم تكن أبًا كباقي الآباء، ولم تكن وليا كباقي الأولياء، إذ كل إنسان في الحياة له طموحاته وله تمنياته ورغباته في التقدم، الازدهار والتسلق على درجات سلم الحياة، وهذا أمر طبيعي وعادي، أما أنت فلم تكن طموحاتك سوى أن ترانا ناجحين، وتمنياتك كانت أن نكون مثقفين، وآمالك ورغباتك بأن نكون مجتهدين ومحبوبين، وعلى هذا الأساس كرَّستَ كل حياتك وبذلتَ كل جهودك وطاقاتك وعملتَ كل ما باستطاعتك، وهل هناك أسمى وأرقى من هذه الرسالة، وهل هناك أجلَ وأقدس من هذه الإرادة والثقافة، فلذلك نحن نعتز ونفتخر بك يا والدي، ونقول طوبى للإنسان الذي يحب لغيره كما يحب لنفسه، وطوبى للذي يرغب بمصلحة غيره كما يرغب لمصلحته، وطوبى للذي يعطي غيره أكثر مما يأخذ لنفسه، فهذه هي النفس الراقية الحقيقية التي تحترم نفسها وتحترم الغير، فإذا تكلمت، تتكلم بعمق، وإذا طلبت،  تطلب بذوق، وإذا عفت، تعفو وتغفر بصدق، ومن ثم ترحل بهدوء. لقد كانت نظراتك ثاقبة، وابتسامك واضحة مُعبرة، وكلماتك وعودًا صادقة وثابتة، فمَن جالسكَ استأنسَ بمجالستك، ومَن نظرَ إلى ابتسامتك أحبكَ واحترمكَ، ومَن صافحكَ وَثِقَ وآمنَ بك، ومَن نظرَ إلى عقدة جبينكَ خافكَ وهابكَ.  
 
والدي الحبيب، أريد أن أطمئنك عنَّا جميعًا، فنحن الإخوة بألف خير لأنك وكما ذكرتُ آنفًا، أمنّتَ وهيأتَ لنا أفضل الأجواء وأحسن الفرص، أما الوالدة الحبيبة ومع أن الحزن ما زال يُخيم على نفسيتها وعلى حياتها، إلّا أنها ما زالت مجتهدة ومثابرة وعلى الطاعة ثابتة وبإيمانها راسخة وواثقة، فنحن نبذل كل جهدنا من أجل اسعادها وارضائها ونحن لا نتركها أبدًا، أما أحفادك الذين أحببتهم كنفسك وروحك، فالحمد لله عددهم يتزايد في الجامعات والمعاهد العليا سنة بعد سنة ويعملون حسب رغبتك وبموجب وصيتك.
والدي، تعجز الكلمات عن وصف مدى افتخارنا وشكرنا لك على الإرث العظيم الذي تركتهُ لنا من العلاقات الاجتماعية، إن كان مع الأصدقاء والأحباب والشخصيات المرموقة وأصحاب الأسماء الذين نعتز ونفتخر باستمرارية العلاقة معهم، والإرث الآخر من الأراضي والعقارات، فأريد أن أُخبرك أن أرضنا المسماة بكرم الباشا، يزداد فيها دور السكن، وخروبنا تزدهر فيه المصالح وتتوسع، أما خلتنا التي كانت غالية عليك والمزروعة بأشجار الزيتون، فقد زُرتها بالأمس القريب أنا وحفيدك الشيخ نجيب السعيد وهناك سمعت زقزقة العصافير من على أجباب السريس والسنديان ولكنني لاحظت يا والدي أن في صوتها بحة غريبة ومختلفة تُعبّر عن الحزن والأسى وكأنها تتساءَل، أين أنتَ يا أبا السعيد.
والدي الحبيب، تعجز الكلمات عن وصف شوقنا وحنيننا إليك، فنحن نذكرك ونتذكرك في كل يوم، نُردد أقوالك ونفتخر بأفعالك وبفضلك وبمعروفك، أما أنا بالذات، فأذكر عندما كنت ترافقني إلى المناسبات العامة وإلى زيارة المقامات وإلى السهرات الدينية وإلى الصلاة في خلوة البلد، فأنا اليوم أشعر بالوحدة التامة، ففي كل ليلة جمعة أنظر إلى يميني نحو المكان الذي كُنتَ تجلس فيه فلا أراك أبدا، وكذلك الأمر في باقي الأماكن وباقي المناسبات، فبدأت أشعر بقرب ساعة الكروب وأن الشمس أيضًا قاربت على الغروب. فأقول:
فناء الدار يحط فيها السواد              
 والدرب يلبس حولنا ثوب الحداد
طيفك باق متمسك بالعناد           
 والحسرة تسكن بالروح والفؤاد
لقد رحلَ الركن السديد والعماد       
 فكن معينًا لنا يا رب العباد
 رحمك الله يا والدي، وإنا لله وإنا إليه راجعون.  

Image
المشايخ في جنازة المرحوم الشيخ أبو سعيد نجيب معدي

Image
المرحوم الشيخ أبو سعيد نجيب عنتير معدي ونجله القاضي الشيخ عنتير معدي مع السيد أبو جابر نور الدين شنان

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.