spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 69
شهداء قريتي كسرى وكفر سميع
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كلمة العدد: عندما يتسلط سوقيو القوم... طباعة ارسال لصديق
Image

ذُكر في التاريخ، أن العالم الكبير أرخميدس، عكف في أحد أيام عام 212 ق.م، على حل مسألة رياضية في باحة منزله، وهو لا يدري شيئا عن احتلال المدينة التي يعيش فيها من قبل الرومان، وبينما كان يرسم مسألة على الرمال، دخل عليه جندي روماني، وأمره أن يتبعه لمقابلة القائد ماركوس مارسيلويس، رد عليه أرخميدس بهدوء: من فضلك، لا تفسد دوائري!  وطلب أن يمهله حتى ينتهي من عمله، استشاط الجندي غضبا، وسل سيفه وطعن ارخميدس دون تردد. وسقط العالم الكبير على الفور غارقا في دمائه، ولفظ أنفاسه الأخيرة!!
هكذا، وللأسف الشديد، يتصرف جندي جاهل جلف، لا يفقه من حياته شيئا، يتحكّم بمصير عالِم فذ عبقري، قلما جاد الزمان بمثله، فخسر العالم إنجازات وعبقريات أرخميدس، ولم يربح من ذلك الجندي المتعجرف، إلا شيئا واحدا، وهو: العبرة. العبرة من تسلّط وتحكّم السوقيين، والجهلة، والمدّعين في المجتمع، على أصحاب الرأي، وعلى العقلاء والحكماء العزّل من السلاح.
 ولأسفنا الشديد، لسنا اليوم بعيدين كثيرا، عن تلك الأجواء، ومع كل التقدم والتطور في العلم، ومع بناء حضارات راقية، وبزوغ فلسفات عميقة، وظهور أديان قدسية، وبروز علماء وفلاسفة وحكماء لا حصر لهم، بثّوا في الحضارة الإنسانية كل قيم الرقيّ، والتقدم، والتسامح، والتقدير، والاحترام، إلا أن السوقية لم تختفِ من عالمنا، وهي تبرز هنا وهناك، وترفع رأسها، وتحاول أن تقلب النور إلى ظلام، والنعيم إلى جحيم، بجهلها وعنادها وغبائها. وتحكّم هذه الفئات، يظهر في المجتمعات، بدرجات متفاوتة. فأحيانا يكون خفيفا، وأحيانا طاغيا، وأحيانا تكفي حادثة واحدة لتقلب كل الموازين، وأحيانا ينعدم، ويختفي لفترة، لكنه يظل متوقدا تحت الجلد، ليظهر فجأة، ويغيّر مجرى التاريخ.
ومن يعيش في مجتمعنا اليوم، أبناء الأربعين والخمسين والستين، الذين عرفوا مجتمعا آخر، غير الذي نعيش فيه اليوم، يلاحظون أن كل شيء تغير. وهم يتحسّرون على ما فات، ويتوقون بكل قدراتهم لعودة ما كان. فقد كان مجتمعنا في السابق، قرويا، بسيطا، عفويا، ساذجا، لكنه كان رصينا، نابضا بالحكمة، مشبَّعا بالشجاعة، مرصعا بالأخلاق، ومزدانا بالقيم.  كان الجار لجاره، والأخ لأخيه، والمواطن لزميله، وكان كل إنسان غيورا على من حوله، وعلى استعداد أن يضحّي بكل ما يملك، لإرضاء من هو على علاقة به، وتنفيذ طلباته. وقد ساد في ذلك الوقت قرار الوجهاء، والشيوخ الكبار، وأصحاب التجارب، الذين لم يُرفق أحدهم بنفسه لقبا، أو وظيفة، أو رمزا للسلطة، وإنما كان بهيبته، ووقاره، وحكمته، ونفوذه، يشكل أكبر مصدر تُسمع كلمته، ويتقبّلها الجميع بالرضا، وفي كثير من الأحيان، كان مجرّد المعرفة، أنه موجود، كافية لأن يردع الكثيرين عن القيام بأي عمل سيء، فكيف إذا ظهر في الشارع، أو حضر في مجلس، أو تواجد في أي بيت.  نعم ظهر هؤلاء في كل مجتمع، وفي كل قرية، بمجرد عملية الانتقاء الطبيعي، وكانوا قبل أن يفرضوا هيبتهم على غيرهم، يلتزمون بكل القيم والمبادئ التي حاولوا أن يزرعوها في المجتمع، ولم ينتخبهم أحد، وإنما برزت هيبتهم مع الوقت، وتعوّد المجتمع أن يلجأ إليهم وقت الشدة، وأن يستنير برأيهم، وأن يطلب دعمهم ومساعدتهم، عند وقوع أي إشكال. وكان هؤلاء الرجال، سباقين إلى الدعم والمساعدة، تجدهم في رأس كل عرس، وكل مأتم، وكل عملية بناء بيت جديد، وهم  في المقدمة لدعم مَن نُكب، أو حلّت به مصيبة، وهم المباركون لكل من حظي بشيء جدير بالاحترام. وهكذا أعطوا دروسا في الأخلاق، وفي التعامل وفي تربية الأجيال الجديدة، لدرجة أن الديوان الذي كلن يعجّ حينها بالمشاركين، والخلوات التي كانت مليئة بالمصلين، والأعراس التي كانت تضم كل أهالي القرية، ومواسم الحصاد التي كان لها طابع خاص، والزيارات وإيفاء النذور للأماكن المقدسة، كل هذه المناسبات، كانت تجري فيها عمليات تربية وانصهار، واندماج في جو من التآخي، والتعاون، والترفّع عن كافة الرذائل. ولم يكن هناك سجن يردع، ولم تكن هناك عقوبات تخيف، بل كانت تكفي كلمة أو نظرة أو حركة عنيفة بالعكاز على الأرض، تبعث الرهبة. وكانت كل أهمية الردع، في منع الإساءة قبل أن تقع، وليس بعد أن تحدث.
واليوم تقدمنا حقا، ومسكنا الحضارة من قرونها، ونحن نملك أغلى السيارات، ونبني أفخم القصور، وحصلنا على الوظائف والمراتب الرفيعة، وقام أبسط إنسان فينا بارتياد العالم بأسره، وملكنا في بيوتنا كل وسائل الراحة، لكننا فقدنا الكثير، فقد اختلط الحابل بالنابل، وربما غلى دم الديمقراطية في رؤوسنا، وكنا نتباهى في السابق بقولنا: "إذا مات منا سيد قام سيد" ونحن اليوم مضطرون أن نقول، لدينا مئات الأسياد وآلاف الزعماء. فكل من يملك قرشين، وكل من حصل على رتبة صغيرة في الجيش، وكل من تعلّم بعض الكلمات باللغة الإنجليزية، وكل من بنى له مأوى، أو ركب سيارة، أصبح سلطان الأطرش، أو سعد زغلول، أو وينستون تشرتشل... وهذا الأمر صحيح، لأسفنا الشديد، في كل المجالات، وهو غير مقتصر على فئة أو طبقة معيّنة، وإنما هو شامل لكل المجتمعات، وليس فقط في مجتمعنا الدرزي. لكن مجتمعنا الدرزي، امتاز طوال الوقت، ويمتاز بخاصية مميزة، وبطابع مختلف عن باقي المجتمعات، وكان من المفروض أن تكون حدّة التغيير فيه، أقل من غيره، لأننا محفوفون بالأخطار، ولأننا مطّلعون على كنوز، وعلينا فقط أن نتعلم، وأن نتعظ، وأن ننتبه من أجل مصلحتنا نحن، إلا أن هذه الموجة العارمة، طغت حتى علينا، وهي تهدد بأن نفقد أركاننا، وأسسنا، ومكوّناتنا، التي حافظت علينا خلال آلاف السنين.
وفي هذه الظروف، وفي هذه الأجواء، وبين هذه الأخطار، يطيب لنا، حين نقف أمام ضريح سيدنا شعيب عليه السلام، ونقبّل الستائر، ونستذكر بعض الصلوات، يطيب لنا، متدينين وغير متدينين، أن نفكّر مليا بواقعنا، وأوضاعنا، وأن نعود إلى رشدنا، وأن نتقي، وأن نتعلّم، وأن نهتدي بالأتقياء في مجتمعنا، دروزا وغير دروز ، وأن نذكر ، ونتقيد، ونتعلم، ونهتدي، بقصص الحكماء، والأولياء، والصالحين، والشيوخ الأفاضل، وغيرهم ممن بنوا على مر العصور، حكمة الدهور، التي أصبحت الدستور، والمنهج، والقانون، والطريق، للسلوك الإنساني المتحضر. ونذكر اليوم من بين هؤلاء، الصوفي الزاهد العلاّمة، مالك بن دينار، الذي مر يوماً في السوق، فرأى بائع تين، فاشتاقت نفسه للتين، ولم يكن يملك ثمنه، فطلب إلى البائع أن يؤخره ( يدفع في وقت آخر ) فرفض هذا، فعرض عليه مالك أن يرهن عنده حذاءه مقابل هذا التين، فرفض ثانية، فانصرف مالك، وأقبل الناس على البائع بعدها وأخبروه ... عن هوية المشتري، فلما علم البائع أنه أهان مالك بن دينار، أرسل غلامه بعربة التين كلها لمالك بن دينار، وقال لغلامه: إن قبلها منك، فأنت حرّ لوجه الله. ذهب الغلام إلى مالك، ووضع في باله أن يبذل قصارى جهده، من أجل إقناع مالك أن يأخذ عربة التين كلها، حتى ينال هو حريته ، فإذا بمالك يقول له: اذهب إلى سيدك، وقل له: إن مالك بن دينار لا يأكل التين بالديْن، وإن مالك بن دينار حرّم على نفسه أكل التين إلى يوم الدين. قال الغلام متوسلا: يا سيدى، خذها، فإن فيها عتقي.
قال مالك: إن كان فيها عتقك، فإن فيها رِقّي ( عبودتي )، إذ رأى مالك، أن شهوته أذلته، وأن بطنه أهانته، فأدب نفسه، وحرم عليها أكل التين مدى الحياة، تهذيباً لها، وقال كلمته المشهورة: "لن أبيع الدين بالتين"....

زيارة مقبولة
وكل عام وأنتم بخير

سميح ناطور
دالية الكرمل
نيسان 2018
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.