spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 103
خلوة العدد: خلوة الحارة الشرقية في المغار
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 140
العدد 139
العدد 138
العدد 137
العدد 136


 
وهج التوحيد وحرارة الإيمان بين أروقة المقام طباعة ارسال لصديق
بقلم فضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف
الرئيس الروحي للطائفة الدرزية

Image

بسم الله الرحمن الرحيم
لقد أصبحت الزيارة الرسمية السنوية، لمقام سيدنا شعيب عليه السلام، حدثا ذا أهمية كبيرة، في حياة أبناء الطائفة الدرزية في البلاد. وقد تحوّلت إلى جزء لا يتجزأ من واقع أبناء الطائفة، متدينين وغير متدينين، رجالا ونساء، كبارا وصغارا. وقد تمّ هذا، بسبب استمرارية الزيارة بدون انقطاع، خلال عشرات السنين، ولكونها مفتوحة أمام جميع أبناء الطائفة الدرزية، ففي ليلة الزيارة يحضر المشايخ للصلوات وفي نهار الزيارة يحضر المشايخ والشياب والضيوف، وتقوم النساء بالزيارة فيما بعد، وذلك احتراما لتقاليدنا التراثية الراسخة، بعدم الاختلاط بين الجنسين.
ومن يزور المقام باقي أيام السنة، يرى أن جموع أبناء الطائفة الدرزية، رجالا ونساء، تؤمّ المقام طوال أيام السنة، لإيفاء النذور، وللجلسات العائلية الهادئة في رحاب المقام الشريف، الذي دأبنا أن نهيئه لهذا الغرض، ونوفر فيه كل وسائل الراحة، كي تقضي الأسرة الدرزية وقتا جميلا في رحاب قدسية، وفي أجواء تحافظ على الاحتشام والأصول المعروفية المتّبعة.
وهذه الزيارة، بدأت في ظروف تاريخية غير سهلة، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما كانت بلادنا تئن تحت وطأة الحكم العثماني، الذي امتاز بالتخلف، والجهل، والمطاردة، والتنكيل، والتعذيب. لكن الرئيس الروحي والقيمين على شؤون طائفتنا في ذلك الوقت، كانوا على درجة من الحكمة والدراية وبعد النظر، بحيث أنهم وفّروا لأبناء الطائفة الدرزية، مكانا رسميا يخصّهم، ويستطيعون اللجوء إليه، والصلاة فيه، والتنفيس عن مصائبهم ومشاكلهم، بجوار ضريح نبيّ يعتمدون عليه، ويثقون به، ويأملون أن يحسّن أحوالهم.
وكان هذا الموضوع جوهريا جدا، وله أهمية كبيرة بالغة، فقد كان الدروز في البلاد أقلية، وقد كانوا مستهدَفين من جيرانهم، ومن السلطات العثمانية، وكانت الفوضى تسود في البلاد بشكل عام، فلا أمن على الطرقات، وانعدمت كل الخدمات التي كان من المفروض أن تقدّمها دولة لرعاياها. ولم يكن هذا الأمر موجّها إلى الدروز فقط، وإنما إلى كافة سكان الدولة، من جميع الطوائف، لكن الطوائف الأخرى، كانت لها مؤسساتها وجمعياتها، ومنها من اعتمد على قناصل الدول الأجنبية، أما الدروز، فكان اعتمادهم على الله فقط. ولهذا بادر فضيلة المرحوم الشيخ مهنا طريف، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفهم العوامل النفسية، والاحتياجات الاجتماعية، للسكان الدروز،  فأرسل مشايخ معتمدين إلى التجمعات الدرزية في سوريا ولبنان، وجمع التبرعات من أجل ترميم المقام، وتحويله إلى مقصد، وموئل، ومحج، ومرجع، يجمع كل أبناء الطائفة، ويبعث فيهم الأمل والرجاء، وتوقع تغيير الأحوال إلى الأحسن دائما، هذا بالإضافة إلى مكانة المقام الراسخة في نفوس أبناء الطائفة الدرزية، كمقام لسيدنا النبي شعيب عليه السلام، ووجوده الديني العقائدي المثالي، كوسيلة للتقرب من الله سبحانه وتعالى، والتمسّك بأهداب الدين، ودعم المجتمع التوحيدي، وتصعيد الطائفة إلى أوضاع أحسن، في تلك الظروف الحياتية الصعبة. 
ومع الوقت، أصبح مقام النبي شعيب عليه السلام، المكان الأول الذي يقصده المواطنون الدروز، حتى من سوريا ولبنان. والدليل على ذلك، هو أن جموع أبناء الطائفة الدرزية، توافدت إلى المقام في الزيارة الرسمية السنوية التقليدية في نيسان قبل قيام الدولة، من سوريا ولبنان، وأهم من ذلك، أن الشخصيات السياسية والدينية المرموقة، للطائفة الدرزية في كل مكان، حرصت أن تصل إليه، وأن تتبارك به، وأن تنعم بالبقاء في كنفه بضعة أيام. ونذكر في مقدمتهم، عطوفة سلطان باشا الأطرش، والأمير شكيب أرسلان، والأمير مجيد أرسلان، والزعيم نسيب جنبلاط الذي بنى غرفة في المقام، والقائد زيد الأطرش، والقائد عبد الغفار باشا الأطرش، والبطل حمزة درويش، وسيدنا الشيخ أبو حسين محمود فرج، والشيخ حسين حمادة، وكان آخرهم المرحوم الشيخ أبو فندي جمال الدين شجاع وسيدنا المرحوم الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين رضي الله عنهما وغيرهم كثيرون.
ومع الوقت أصبح المقام جزءا من واقع كل المواطنين الدروز في البلاد، وارتفعت مكانته في نفوس أبناء الطائفة الدرزية، وأصبح هدفا للشباب، للمثقفين، ولكافة العناصر الدرزية غير المتدينة، الذين رأوا به راية قومية مميّزة، ترفع من شأن الدروز، وتبعث فيهم النزعة إلى التآلف والوحدة دائما، هذا بالإضافة إلى مكانة المقام الدينية لدى المشايخ، متوّجي العمامات في الطائفة الدرزية، الذين ينظرون إلى المقام بالدرجة الأولى، كموقع ديني مميز للطائفة الدرزية، وكمقر حضاري يوفق بين جميع أطراف الطائفة، ويشكّل بالنسبة لأبنائها مصدر إلهام، ومبعث فخر واعتزاز، خاصة في علاقاتها واتصالاتها مع الطوائف الأخرى.
وفي هذه الأجواء، التي تعيشها الطائفة الدرزية، حيث ما زال المجتمع التوحيدي ينقسم إلى تجمعات سكنية، خاضعة لظروف سياسة قاهرة، ليس لدينا أي إمكانية أن نسيطر عليها، ولوجود حدود وحواجز، تفصل واحدنا عن الآخر، يظل المقام الشريف، موئل جميع أبناء الطائفة، هنا وهناك، يعلقون عليه رجاءهم، حيث يتمنى القريب منه، أن تُفتح الحدود، ويحضر الإخوة من هناك، ويتمنى من يعيش وراء الحدود، أن تستقر الأمور، ليستطيع أن يُقَبِّلَ الستائر التوحيدية في الضريح الشريف.
 
وعلينا حتى ذلك الوقت، أن نتحلى بالصبرـ وأن نبتهل إلى الله العلي القدير، أن يسود السلام والهدوء، في جميع أنحاء المعمورة، وأن يكف القتل والتشريد، وأن تتحقق جميع التعاليم السماوية، التي نادت بها الأديان التوحيدية وغيرها، من أجل رفاهية الإنسان وسعادته.
ومن جوار المقام الشريف، أدعو للجميع، أن تكون هذه الزيارة مقبولة، ونأمل أن نرى في القريب العاجل، جميع أبناء الطائفة الدرزية، مجتمعين في زيارة واحدة، ينعمون بالهدوء والسلام والطمأنينة. وكل عام وأنتم بخير.      

Image



 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.