spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 93
المرحوم الشيخ جبر داهش معدي
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
المرحوم الشيخ أبو سلمان حسين دربية (ر) طباعة ارسال لصديق
شخصيات تباركت بمعرفتها

بقلم السيد أبو سليمان علي هزيمة

Image

Image

أشعر أن الله سبحانه وتعالى، منّ عليّ بفضل كبير، ومنحني الصحة الجيدة، والأسرة الطيّبة، والمركز والنعمة والنجاح في الحياة، وذلك بالرغم من أنني لست متدينا، إلا أن إيماني بالله العلي العظيم هو كبير، وثقتي به هي دائمة، واتكالي عليه هو مستمر، وخوفي منه لا ينقطع. كل ذلك، بتعاليم من والدتي، التي شاهدتها كل الوقت، تراجع الأصول التوحيدية، وتقرأ، وتصلي، وتدعونا إلى عمل الخير، وإلى عدم المضرة بأحد، وإلى التعامل مع الجميع، بالود والحسنى والدعم والمساعدة. وقد زاد إيماني هذا بالله العلي العظيم، حين يسّر لي العلي القدير، في مسيرة حياتي، أن أجتمع بأقطاب من عمالقة الطائفة الدرزية في القرن العشرين، وأن أقبّل اياديهم الطاهرة، وأن أقضي ساعات بحضرتهم، وأن أتعلم منهم، وأن استفيد من تقواهم وتجاربهم، وأن أنفّذ طلباتهم، وأن أستعين بهم، وأن أغذي النفس والروح بما شاهدته من عظمة إخلاصهم، وتفانيهم من أجل الطائفة وقدسيتها، وطهارتها، ومن أجل أن تظلّ شامخة، رافعة الرأس، مصونة، محاطة بالرعاية الربّانية، ومستمرة في دعم، وتثبيت، وترسيخ جذور التوحيد. ومن الشخصيات البارزة الكبيرة، التي كان لي الشرف، والفخر، والاعتزاز أن ألتقي بها، وأن أتعامل معها، المرحوم سيدنا الشيخ، أبو سلمان حسين دربية (ر)، الذي كان علما، ومنارة، ونورا ساطعا في سماء عالمنا التوحيدي، اهتدينا بنوره، وتباركنا بلقائه، نحن سكان هذه البلاد، بعد أن فُتحت الحدود مع أهالينا في لبنان عام 1982.
كانت لي لقاءات متعددة مع فضيلته، في بيته العامر، حيث ألهمني الله سبحانه وتعالى، ووجّهني، بعد أن فُتحت الحدود، وتعرّفنا على إخواننا الدروز الموحدين في لبنان، والتقينا بهم، وكانوا بسبب الظروف والقلاقل السياسية التي سادت المنطقة في تلك الأيام، في ضيق، وفي محنة، حيث كانت طبول الحرب تدقّ أصداؤها من بعيد، وتقترب مهدّدة إياهم في عقر دارهم، وفي معاقلهم، التي سكنوها وحافظوا عليها خلال ألف سنة. وقد اجتمعت في تلك الفترة، بمشايخ البياضة الكرام، ومشايخ جنوبي لبنان، وفي مقدمتهم فضيلة المرحوم الشيخ أبو فندي جمال الدين شجاع، شيخ مشايخ البياضة، الذي كان قلعة معروفية شامخة في تلك المنطقة، وفي تلك الظروف. وفي حديث لي معه، أخبرني أن شباب بلادنا، يتوجّهون ليرتشفوا من مناهل البياضة القدسية، العلوم التوحيدية، وذكر لي أن خلوة الصفدية الموجودة في البياضة منذ سنوات، بحاجة إلى ترميم، وبحاجة إلى إصلاح، كي تستطيع أن تستوعب الجموع المتزايدة من شباب بلادنا، الراغبين في التعمق والدراسة. وقد توجّهت لفضيلة سيدنا المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف، وأعلمته بذلك، وسارع فضيلته، لغيرته واهتمامه، ودرس الأمر، وتبنى مشروع ترميم الخلوة، وفتحها أمام الشباب مشكورا. ومن ناحيتي، بلّغت الرسالة، وتمّ تنفيذها على أحسن وجه. ولقد كان اهتمامي شديدا، بعد أن رشفت من أجواء البياضة العطرة، وشاهدت جموع شبابنا يتهافتون على التعليم والدراسة، أن أقوم ببناء خلوة أخرى لدروز بلادنا، تحمل اسم قريتي، أبو سنان. وتوجّهت إلى المسئولين، وقيل لي، إن الشيخ الفاضل، أبو سلمان حسين دربية، يملك قطعة أرض في البياضة، ويمكن أن يتعاون في هذا المشروع. وكنت قد سمعت الكثير عن فضيلته من مشايخ بلادنا، ومن جميع الذين سافروا إلى حاصبيا، والتقوا به هناك، واقتربت مع أحد اقاربي المحليين، برهبة شديدة، ووجل من باحة بيته، وكأني أدخل هيكلا عظيما، ومعبدا قدسيا، يبعث الرهبة في النفوس. لكني وجدت أمامي، إنسانا متدينا، بشوش الوجه، سمح الأوصاف، عالي الأخلاق، يتحدث بنعومة، ولطافة، وتواضع معي، وكأنه يعرفني منذ سنوات، ويعاملني بالرقة والنعومة، مع أنني لست في زي الدين، إلا أنه، وبحكمته الرائعة، وبعمق تفكيره، وبغزارة علومه، وبنظرته الشمولية الكبيرة إلى الحياة والأمور والأوضاع، وبتفسيره الخلاّق للنصوص والتعاليم الدينية، ومنهجه العام، وتعامله مع كل من يتوجّه إليه من أهل التوحيد، بلا اهتمام، إلى درجة، ومركز، ومنصب، ووظيفة، وثروة، وجاه، إنما ينظر إليه كنفس توحيدية تشع بحرارة التوحيد، وتؤمن به، وتخدم الطائفة بطريقتها. وقد سعدت، وشعرت بارتياح، وباطمئنان، منذ أول لحظة جلست فيها مع حضرته، وتحدّثنا بالموضوع، ورأيت في عينيه، أنه يقدّر، ويكبّر المهمة، وحصلنا على قطعة الأرض، وباشرنا رأسا بالبناء، وتم بعد أشهر، تدشين المكان، بحضور وفد كبير من مشايخنا الأفاضل، ورجالات مجتمعنا، ونسائنا التقيات، وتحت رعاية فضيلته، وفضيلة مشايخ البياضة، افتتحت خلوة أبو سنان في البياضة، التي نعم بدفئها مئات الشباب المشايخ من بلادنا، والتي ما زالت قائمة ومصانة، وتُعتبر ركنا من أركان البياضة الزاهرة.
وقد لمستُ في شخصية سيدنا المرحوم الشيخ أبو سلمان، ابعادا أكثر من إنسان تقي متدين ورع كبير في الدين. لمست فيه صفات، وخصالا ومناقب فوق الطبيعة البشرية، حيث رأيت الفراسة والحدس في عينيه، يبلغان درجات، أكبر بكثير من إنسان عادي. كما فهمت عن نمط حياته، وتقواه، أنه قريب من خالقه، وأن الله سبحانه وتعالى، أكسبه، ومنحه، مزايا انفرد بها، وقام بمعجزات، وقام بإنجاز أمور خارقة، يكاد يكون وصفها قريبا من الخيال. وقد كثرت في حينه، القصص، والحكايات، والروايات عن أعماله وانجازاته، وسُردت أخبار قدراته الاشفائية، ولمسات يديه العلاجية، وقراءاته التي بعثت الروح، والعزيمة، والحياة، والنبض في الأجسام المتلاشية، حيث أصبح شخصية تقصد من جميع الأطراف، يتوسم فيها القاصدون، الخير، والشفاء، والعلاج، والصحة. ولا أنكر، أني عانيت في حينه، من ألم، ومن تصلّب في الجهة اليسرى من صدري، بجانب القلب، كانت تؤثر علي كثيرا، وتقيد من حركتي، وحاولت معالجتها، إلى أن أخبرت فضيلته عن ذلك، فتبسم، وقال لي أبشر خيرا، وبعد دقائق، زال كل ذلك التصلب، وشعرت بالارتياح وما زلت حتى يومي هذا، أشكره، وأدعو له بالرحمات، وأتحدث عنه، وعن مناقبه وتسامحه ومزاياه الخاصة.
ولا شك، أن شخصية سيدنا المرحوم الشيخ أبو سلمان حسين دربية، كان لها، تأثير كبير على حياتي، وعلى طريقي، وعلى دربي، وعلى منهجي في الحياة، حيث عرفت بعد ذلك النجاح، والتوفيق، والبركة في مسيرة حياتي، منذ ذلك الوقت، وحتى أيامنا هذه، إذ اعتبر، وأنا متأكد وكلي ثقة، أنني، إذا حققت شيئا من نجاح في حياتي، فهو بفضل زيارتي، ولقائي، وحديثي، وتعاملي، وإيماني بشخصية، من أهم، وأتقى، وأشرف، الشخصيات التوحيدية في القرن العشرين. 

Image
Image
 


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.