spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 89
المقامات في جنوبي لبنان
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
قصة: وانتصرت البلطة على الدبابة طباعة ارسال لصديق
سلامي شنان يواجه عبد الغفار باشا الأطرش

بقلم عطا الله الزاقوت – جبل الدروز
مقتطفات من قصة من كتابه "في حكايا من مجالسنا" عنوانها " جواب مفحم"   


جرت في شهر تموز 1925 معركة الكفر وهي المعركة البكر في الثورة السورية الكبرى وانتصر فيها الدروز انتصارا هائلا وكان من نتائجها أنها كسرت جدار الخوف الذي كان قائما في نفوس الخائفين والمترددين وشحنت نفوس أبناء الجبل بطاقة هائلة من حب المقاومة والقيام بالنضال المسلّح لتحقيق النصر وطرد المستعمرين. وقد اعتقلت قوات الانتداب الفرنسية عددا كبيرا من زعماء الجبل لاسترجاع هيبة الدولة في النفوس وكان من بينهم الزعيم الكبير عبد الغفار باشا الأطرش. وحاولت فرنسا استرضاء الدروز فبدأت تؤثّر على المعتقلين أن يتركوا المقاومة لمصلحتهم كي لا تسفك دماء أكثر وكي لا يخرب الجبل. وقد أرسل المفوض السامي عبد الغفار باشا الأطرش في سيارة خاصة إلى الجبل بعد أن أقنعه أن يقنع زعماء وسكان الجبل بالخلود إلى الطاعة حفاظا على حياتهم وكي يمرّ بجانب المعدات الهائلة التي وضعتها في فرنسا في الطريق من دبابات وناقلات مدافع ومجنزرات اعتقادا منها أن هذا يثير الفزع في السكان.
وصل عبد الغفار باشا إلى الجبل وتوجّه إلى معسكر المجاهدين حيث يتواجد قائد الثورة ابن عمه سلطان مع المقاتلين من أبناء الجبل. وقف عبد الغفار باشا على صخرة ومن عليها راح يخاطب الجموع فقال فيما يفيد، إن فرنسا دولة معظمة ومتحضرة تستطيع أن تعادي من يعاديها وتسالم من يسالمها وأنها أفضت إليه بنواياها الحسنة اتجاه الدروز إن قبلوا منها بإلقاء سلاحهم والإقلاع عن مقاومتهم وفتح باب التفاهم بينها وبينهم... وظهر من بين الصخور شيخ مسن كشبح، له وجه أسمر متغضن كحبة تين يحمل مداسه أي حذاءه السميك والعتيق تحت إبطه فهو يخشى عليه أن يهترئ ولا يخشى على قدميه من صخور اللجاه: لأن لا بديل للمداس إن بلي، في حين يكون جلد قدميه أيسر تجديدا. كان يتوكأ على بلطة مسنونة تستطيع أن تسطو في حدّها في أصل شجرة يابسة، إنها سلاحه الذي اعتاد حمله في مثل تلك الأزمات، وقد شدّ إلى وسطه بضعة أرغفة في صرة، وقاطع هذا الشيخ عبد الغفار قائلا: "يا باشا عبد الغفار، حمدا لله على سلامتك. لكن نرجوك ألاّ تخذل الناس بعرضك مصالحة الدولة معنا. لأننا بحاجة من يرفع معنوياتنا وليس لمن يهبط بها..." وعاد عبد الغفار يقول: أيها الناس لقد رأيتُ بأم العين مناظر تشده العقول، من الآلة الحربية التي تسوقها عليكم فرنسا والتي لا عهد لكم بمثلها ولا قِبل لكم بمواجهتها... وحتى الآن يمكن تلافي الشر واجتناب الكارثة... وإن تسليم سلاحنا ومسالمتنا يشفع لنا في رحمة الدولة لنا... فاقبلوا مني قبل الندم". وقاطعه ذلك الرجل بحدّة وصلابة قائلا: "يا عبد الغفار يا باشا... أنا أكبر منك سنا، ولنا تجارب مع دولة بني عثمان... ليس للدول عهد... الدول لا ترعى الذمام... وهيبتنا بسلاحنا... وكرامتنا تصونها بواريدنا... فإذا أطعناك وسلّمنا سلاحنا فما هي الضمانة عند فرنسا للالتزام بحدود الاتفاق؟ نرجوك يا باشا، لا تخذل هؤلاء الثائرين، ولا تذهب بحماس المقاتلين، لأن هؤلاء إن تفرقوا لن يعودوا "وما غُزي قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا". وهنا صاح عبد الغفار باشا بالفلاح المعارض ساخرا وغاضبا قائلا: "أنتَ يا هذا ... يا أبا البلطة... هل الحروب محمّلة على ظهرك؟ أم أنك تأمل من بلطتك هذه مقاومة فرنسا؟ اجلس ودع عنك ما ليس لك...!" ووقف حامل البلطة، وقد أرغى وأزبد، وبصوت أعلى، وأكثر تصميما قال: "أنا لست... هذا... ولا أكنى بأبي البلطة، بل أنا أدرك ما أقول... أنا سلامي شنان وربعي يعرفونني... ولولا هذه البلطة لكنتَ أنت للآن في منفاك في الحسكة...!"
وسكت عبد الغفار فقد كان الجواب مفحما... ثم أردف وقال: "والنعم منك يا سلامي شنان، وأنا بدوري لن اقبل أن تدخلوا معركة إلا وأكون معكم وأمامكم والله وحده يعطي النصر من يشاء".
وإكمالا للحكاية وصلت جيوش ميشو وقابلها المجاهدون الدروز في معركة المزرعة المجيدة وفيها انتصرت البلطة على الدبابة والمدفع لأن الإيمان بالحق يغذيها وانهزمت فرنسا شر هزيمة وانتصرت إرادة الحق وظلّت كلمات شنان ترنّ في الآذان، ذلك الفلاح البسيط ابن قرّاصة البطل فقد ساهم فعلا في صناعة التاريخ.    

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.