spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 111
كلمة العدد: ليتنا كلنا جهلاء مثله!!
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138
العدد 137


 
قصة: وظل الخرج كما هو طباعة ارسال لصديق
عن كتاب الأستاذ غالب سليقة
  • "مآثر وعبر من التراث والتاريخ"  بتصرف  

عاش في حاصبيا شيخ اشتهر بتسميته بين الناس (جدي ابو عواد) لما كان له في نفوس الجميع من تقدير واحترام لزهده في دنياه، وتعلّقه بخالقه ورضاه. كان عمله حراثة الارض نهاراً، والانقطاع لعبادة خالقه ليلاً. يملك قطعة ارض تُعرف (بالمقبل) نظراً لموقعها على الطريق العام الذي يربط وادي التيم بفلسطين جنوباً، وبلاد البقاع وسوريا شمالاً، حيث يرتاح بها المارة قيلولة واستراحة.
المعروف سابقاً عن وسائل النقل، هي الخيل، او الجمال، او الدواب، وليس سواها. ذات يوم، بينما جدنا ابو عواد كان يعمل في حراثة ارضه (المقبل)، اذا احد عابري السبيل يترجّل عن جواده لأخذ قسط من الراحة. وما كاد يستلقي على الارض، حتى غلبه النعاس تحت ظل شجرة زيتون، وارفة الظلال، فالهواء منعش، والجو يدعو الى راحة البال. طالت فترة نومه، وإذا به ينهض مذعوراً، ليجد الشمس تميل نحو المغيب. امتطى صهوة حصانه، وتوجه شمالاً نحو البقاع. لكن سرعته هذه، جعلته يغفل عن (خرج) يضم راس ماله مع بعض الحوائج كان قد ألقاه بجانبه عند نومه. غابت شمس ذلك اليوم، وانتهى الشيخ من عمله، وبطريق عودته الى بيته، كان لا بد له من المرور في المكان الذي استراح فيه الرجل. أمعن النظر فإذا به أمام (خِرْج)، رفسه برجله قصد معرفة ما في داخله، لتكون المفاجأة، انه مملوء بالمال والذهب وبعض الحوائج. تريّث فترة من الزمن أمام ما شاهد ولمس، واحتار في أمره. أيتركه في محله فيكون من نصيب رجل يخفيه عن صاحبه الحقيقي، ام يأخذه ويحفظه حتى يعرف صاحبه؟ وفي النهاية قر رأيه، فدفع الخرج الى ظهر دابته، وعاد نحو منزله. وفور وصوله، أعلم زوجته بما وجد، ثم اتفقا على وضعه على الرف، آملين بإعادة الأمانة الى صاحبها. طالت الأيام ام قصرت، فهي ستبقى في محلها.
انقضى بعض الوقت، والخرج في مكانه، وصاحبه لم يظهر ولم يُعرف. وذات يوم، بينما شيخنا يعمل في أرضه المذكورة، سمع صوتاً غريباً، التفت ليرى رجلاً لا يعرفه يندب حظه، مولولاً، ضارباً كفاً بكف، يروح ويجيء وعلامات الاضطراب والقلق بادية على محياه. تقدم الشيخ منه بخطى بطيئة. ثم سأله: "ما بك ايها الرجل؟ ولماذا أنت بهذه الحالة؟". رمقه الرجل، ثم أجاب بغصة وحرقة: "اذا عرفت قصتي، زال استغرابك، وتأسفت لحالي، وعذرتني لما أنا فيه". "ماذا بك يا أخي، تكلّم لعلّني أساعدك". دُهش الرجل: "أتساعدني؟...أتساعدني؟" "كررها وخاطبه": بماذا تساعدني، فأنا رجل من التابعية التركية، ومهنتي تاجر غنم، أقضي السنة في تسويق الغنم وجمعه من هنا وهناك. وفي فصل الربيع، آتي بها نحو فلسطين لأبيعه. وهذه السنة، وأثناء عودتي الى بلادي بعد بيعها وجلب ثمنها، مررت من هنا واسترحت قليلاً. وبعد ان غفوت فترة من الزمن، نهضت من نومي، وبادرت الى حصاني، فامتطيته وحثثته السير بعد ان مالت الشمس الى المغيب ناسياً الخرج الذي كان بجانبي والمحتوي على كل ما أملك من مال وليرات ذهبية، وغيرها. وهي رأس مالي وكل ما أملك من حطام هذه الدنيا.
هذه قصتي ايها الشيخ، وما عساك ان تفعل لمساعدتي. وأنت كما يبدو لي من مظهرك، رجل فقير الحال، تعس المنوال. وأكثر من ذلك، مضى على إضاعتي ما أملك فترة من الزمن". ما كاد التاجر ينهي كلامه، حتى انتصب الشيخ أمامه قائلاً بحزم: "ليس المال عندنا بشيء، ولا لحطام الدنيا الفانية بثمن... كن مطمئن البال، فمالك محفوظ، وخرجك موجود". دُهش التاجر، ونظر الى الشيخ نظرة تعجّب واضطراب، وقال بلهجة الحائر الملهوف، وغير المصدّق لما تسمعه اذناه: "أصحيح مالي عندك كما تقول؟.."هوّن عليك يا اخي، نعم ... نعم". قال التاجر: "الخرج مملوء بالمال والذهب، وأنت لم تزل على هذه الحال ..." صرخ الشيخ غاضباً، مقطب الحاجبيْن: "هل تعتقد ان أيدينا تمتد الى مال ليس لنا، واعلم تمام اليقين أنه ليس المال عندنا بشيء، وكذلك حطام هذه الدنيا، كما قلت. كن مطمئن البال، فمالك محفوظ ولم يزل بوضع يدك". تقدّم التاجر من الشيخ بعد التيقّن من ذلك طالباً يده كي يقبّلها. لكن الشيخ ابى، قائلاً: "حفظ العهود والأمانات من اولى واجباتنا، ومن فحوى معتقداتنا". ثم دعاه الى بيته ليستلم أمانته. اعتلى كل منهما ظهر دابته، واتجها حيث أراد الشيخ. وكم كان تعجّب التاجر عندما رأى بيتاً بسيطاً متواضعاً، يسكنه شيخ أمين كهذا الشيخ. دخلا البيت، حيث استقبلتهما زوجة الشيخ بكل ترحاب، ثم قدّمت طعام العشاء بعد استئذان زوجها ودون الطلب اليها. مما حمل التاجر على إكبارهما متعجّباً بكرمهما، وحسن ضيافتهما. لكنه، بات بالحقيقة ليلته قلق البال، حائر الفكر، متسائلاً الى ماذا ستؤول قصة الخرج. عند الصباح، أتى الشيخ بسلّم أسنده الى حائط فوقه رف، ثم طلب الى التاجر الصعود بنفسه على السلم وإنزال الخرج الذي لم يزل في مكانه كما وُضع سابقاً. بعد تفقد محتوياته، كاد الخلل يدخل الى عقله، ثم التفت نحو الشيخ قائلاً : "هل أنت بشر حقاً، أم ولي من اولياء الله؟ .." ليركع بعدها ارضاً محاولاً تقبيل قدميه قبل يديه، لكن الشيخ استغفر الله وانهضه قائلاً: "هذه أموالك، وهي ملكك، وما قمنا به إلا ما يوحيه ضميرنا، وما يفرضه معتقدنا". كبر ذلك الشيخ، وعظم عند صاحبنا التاجر، ثم أراد ان يفرغ احدى (عينتي) الخرج المملوءة بالأموال لتكون من نصيب الشيخ. لكن الشيخ بقي على إصراره ورفضه قبول اي شيء، سواء كان كثيراً ام قليلاً مما جعل التاجر يقع في حيرة من أمره. وكيف يكافئ من حفظ له هذا الكنز والثروة الكبيرة. ولما أعيته الحيلة ولم يجد سبيلاً الى إقناع الشيخ، ودّعه وانصرف مسرور البال، عائداً الى بلاده شاكراً حفظ الأمانة وطيب الإقامة.   

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.