spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 125
مراسيم الجنازة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138
العدد 137


 
الدنيا أم طباعة ارسال لصديق
بقلم الشيخ أبو إيال حميد حديد

Image

سبحانك يا ربّي، الكون كامل، لا ينقصه إلاّ تأمل الإنسان فيما أعطى الخالق لعبيده من خيرات، لينعموا بها ويهنؤوا من ملذات الدنيا الغنيّة، من كل ما أنعم وأكرم وأفضل من نعمه الفائضة ورحمته الكبيرة. فله الحمد والثناء والشكر، ليديم علينا جوده وسخاه ،ومن أنفس ما يراه العبد في هذه الدنياـ وهي الأم، فالأم مفهومها مصدر الإنسان ومرجعه الأول، فمنها بدأ مشوار حياته، وتطوّر بتكامله البدني في أحشائها، وقاسمته دمها ونفسها وغذاءها وحنوّها ورعايتها وحمايتها ودفئها ووقايتها، لفترة طويلة تُعدّ بالثواني والساعات والأيام والشهور. وفي هذا المشوار الطويل الشاق، جهد وتعب وإرهاق لا يُحتمل، وتضحية وإخلاص وحرص فائق على حملها الثقيل، والغاية إيصاله إلى شاطئ الأمان والارتياح.   
فليستعيد الإنسان في خاطره هذه المسافة التي قطعتها الأم الجبّارة بكل لحظاتها ودقائقها وساعاتها، ليقدّر ويعتبر معاناة الأمر الشائك التحمّل والتضحية الكبيرة في هذه المهام. ولكي نعيش هذه اللحظات بالتصوّر لا بالإحساس، لأن التخيّل وكأن الطبيعة واقع في حياتنا، ليس بإمكاننا الشعور بما جرى وحدث.
ويأتي دور التقدير والاحترام والتقديس لدور الأم في حياتنا ووجودنا فرض وواجب وأمر من ربّ العالمين. الإخلاص بحبها ورعايتها وخدمتها وإعطائها حقّها، لكي نفيها جزءا بسيطا مما أخذنا منها، ونحن قاصرون عاجزون، لا حول لنا ولا قوّة، ضعفاء لا نستطيع دونها أي شيء، هي بدايتنا/ ومنها انبثقنا، وبفضل جهدها نحن الآن، وجاء دورنا لنعيد الأمانة التي في عنقنا لهذه الفاضلة الوحيدة في هذا الكون، فريدة مميّزة أعرفها برائحتها، من صوتها من بعيد، هي الوحيدة النادرة الأكيدة لا غيرها، الأم الدنيا، الكيان الماضي، الحاضر المستقبل، الأم واحدة لا اثنتان، جميلة دائما، أريدها وحدها، لا استبدلها بأحد، وحدها أقول لها ما أريد، أبكي لها، أفرح بها، أشتاق إليها، لا مثيل لها في الدنيا، إليها أعود رغم القيود وهي لي دون الحدود، وأعبدها كما المعبود، رضا رب العالمين من رضاها، حماها الله لي وأرضاها، وأدامها مشعّة بلظاها، وأطال في عمرها وأحياها، وقدّرني على ردّ جمائلها حتى أنال شيئا من رضاها، فهي متعة العيش في بقاها، ولا طيب في الوجود بلاها. الأم واحدة والرب واحد ولا معبود بعد الرب سواها.
في هذه الأوقات العصيبة الشاذة نتطرق إلى دور الأمهات اللاتي تهجرن فلذات كبدهن ونسمي ذلك "طلاق" وهذه ظاهرة اشتدّ ثورانها في هذه الأيام, فهذا صنيع الشيطان لعنه الله، وهو يمزّق أخلاق البشر، ويوصل به إلى الشذوذ البشع والمعصية والطغيان والظلم والقسوة، ويغريه بأساليبه الغرارة، ومكائده المزرية التي تخلّ بالتوازن والرشد والعقلانيةـ ليبعد الأم عن أولادها، ناسية كل معاناتها في ولادتهم وتربيتهم، وكأنها من جماد، لا يسري في دمها الحنان والرأفة، ضاربة برجلها كل المعايير الإنسانية التي تخصّها كمخلوق يتميز بالصفات المولدة كأم.
والمقلق في هذا الزمان، هو مدى القسوة التي يمارسها الإنسان بأخيه الإنسان، وكأن البشر أصبحوا وحوشا ضارية، كسّرت كل القيود الأخلاقيةـ ورمتها بعيدا عن المفاهيم التي اكتسبها الآدمي من دينه وخالقه، الذي أوحى بكل السلوكيات الآدمية المميزة الإنسان عن الحيوان الجاهل. فاليتيم في هذه الدنيا هو المولود الذي فقد أمه، وأمه في حياته قبل أن يموتوا أو يرحلوا من هذه الدنيا. ويبقى مكسور القلب والجناح ويشق طريقه في خضمّ الخلاف الذي ينشب بين والديه، وليس بإمكانه  عمل شيء سوى رحمة خالقه، ليشفع له ويدبّره أحسن تدبير، وهو القادر القدير، هدانا الله جميعا إلى الصواب والإدراك وحسن السلوك في تدبير أنفسنا.
والمحزن المؤلم هو فقدان القرار الصائب عند ترك الأولاد لمصيرهم, وعند ذلك لا ينفع الندم والحسرة والتوجّع والإحساس بالغلط الشنيع وعدم القدرة لإصلاح الحال الراهن في هذه المعضلة. وتمرّ الأيام والسنون ونتائج هذا الحال تنعكس على الابن والابنة الواقعين في التيه واليأس وعدم المبالاة بملاقاة مصيرهم البائس الحالك السواد ويتأثر المجتمع من هذه الظاهرة الخطيرة. 
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.