spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 10
كلمة العدد: اكراس الأصفر والطائفة البيضاء
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 155
العدد 154
العدد 153
العدد 152
العدد 151


 
الرؤيا الدينية للتربية التوحيدية طباعة ارسال لصديق
 بقلم فضيلة الشيخ موفق طريف
بسم الله الرحمن الرحيم
التربية التوحيدية, هي نهج وعمل مستمر, منذ بدء الدعوة, وحتى أيامنا. فاستمرارية دين التوحيد, تيسّرت ونُفذت, بفضل عملية تربية توحيدية مستمرة لم تنقطع ابدا,ً وبفضل الله سبحانه وتعالى, وبفضل جهود المشايخ, ظل التوحيد غارساً في نفوس أبناء التوحيد, منذ عهد الدعوة وحتى هذه الأيام. ومع الوقت تغيّرت أساليب غرس التوحيد في النفوس, ومع الوقت تبدّلت طرق التربية من أجل التوحيد, ومع الوقت انتُهجت أساليب وطرق جديدة, من أجل إعداد وتخريج أفواج جديدة من النشء الجديد على الطريقة التوحيدية.
وإذا جئنا نحدّد ماهية التربية التوحيدية, نجد انها تنقسم الى قسميْن :
القسم الأول هو إعداد رجال دين وأشخاص يستلمون زمام أمور الدين, للقيام بالوظائف الدينية التي تتطلبها الواجبات الدينية في الزواج والوفاة وإدارة الخلوات وأمور الأحوال الشخصية. وكذلك إعداد كادر من رجال الدين, الذين يُلقى على عاتقهم التعمّق والبحث في الشؤون الدينية, وحفظ ما يستطيعون حفظه من أجل الاستمرار في حمل الشعلة الدينية الى الأمام. فمنذ القِدم كان المجتمع الدرزي منقسما الى قسميْن, العُقال والجُهّال. والحمد لله, كان دائماً يتواجد عدد كافٍ من رجال الدين المنتمين الى فئة العُقال, الذين تابعوا المسيرة التوحيدية الدينية, وقاموا بالفروض الدينية, وواجهوا الفئة الثانية التي كانت تجهل امور الدين, وعاشوا معها بسلام. وقد كان من واجب المسؤولين في الطائفة في كل زمان ومكان, ان يهتموا بجذب أكبر عدد من الشباب الدروز ومن الفتيات, للإنضمام الى صفوف الدين, فعملية التربية التوحيدية لإعداد أصحاب الوظائف المذكورة ورجال الدين, كانت تجري بطريقة تلقائية في الخلوات وفي المجالس وفي القرى, وليس بواسطة معاهد ومؤسسات ومدارس, ففي كل خلوة, كان يبرز هناك شخص له أكثر دراية وتعلم وتعمّق وتبحر في الشؤون الدينية, وله اساليب ومعاملة حسنة مع الناس, وكان بطبيعة الحال يتم تعيينه واختياره, وليس بالطريقة الرسمية, من قبَل الذين يأتون للخلوات, ومن قبل أهالي القرية, ليكونَ إماماً للخلوة وسائساً لها. وكان هو بطبيعة الحال الرجل الذي يصلّي على الأموات, ويكتب الوصايا, ويحرر عقود الزواج, ويقوم بسائر الواجبات الدينية في الشرح والتفسير وهداية الناس والإجتماع بهم. وإذا لم يكن هناك في المنطقة قاض ٍ ديني مكلّف من قبل الحكم, كان سائس الخلوة, بالتنسيق مع المختار الزمني, او الزعيم, يحلّون كل المشاكل المتعلقة بالأحوال الشخصية, التي كانت تنتج بين أفراد العائلة. ولم تخلُ أي قرية درزية في يوم من الأيام, من شخصية مرموقة لها موقع كبير في نفوس السكان يلجأ إليها الُمحتكِمون وقت الحاجة. لذلك سارت الأمور الدينية مع الوقت في كل حين وحين, بواسطة التعلم الذاتي, ومرافقة أصحاب المناصب ومشاركتهم, وتسلم زمام الأمور بعدهم, وكان بطبيعة الحال الإبن او الأخ الأصغر يرث, مكان أبيه أو أخيه في الخلوة بعد رحيلهم, وعندما لم يكن قريب من الدرجة الأولى, كان يتسلم زمام الأمور عادة, أقرب الناس للمتوفي, إما من ناحية قرابة عائلية, او صداقة او مؤاخاة او زمالة. وكان المجتمع الدرزي متسامحاً شهماً وذا أخلاق, فقليلا ما كانت تنتج حوادث ومشاكل في تسلم شخص ما اي وظيفة بعد رحيل المسؤول, إذ كان من شبه المتفق عليه, في عهد الشخص المتوفي, ان يعرف الناس من سيخلفهُ. وقد ظل هذا الوضع سائدا, حتى منتصف القرن التاسع عشر, حيث بدأت فترة جديدة من التنظيمات والتعيينات. فقد أوجدت وظيفة شيخ العقل في سوريا, ثم في لبنان وفي اسرائيل, وأخذ شيخ العقل يعيّن قضاة للتحكيم في الأحوال الشخصية وأخذ القضاة  وشيخ العقل, يتدخلون في تعيين السُيّاس والأئمة في الخلوات, وبدأت العملية التربوية, تأخذ شكلاً آخر. فقد كبرت ونمت في تلك الفترة, خلوات البياضة التي تخرّج منها عدد كبير من رجال الدين, الذين احتلوا كل المناصب الدينية الشاغرة في قراهم. وفُتحت مدارس دينية لتأهيل طلاب علم وطلاب دين.
 وفي القسم الثاني من القرن العشرين, وبداية الواحد والعشرين, أخذت الوظائف الدينية تحصل على صفة شبه رسمية من قبل مؤسسات الطائفة, كمشيخة العقل والرئاسة الروحية والمحاكم الدينية, وبدات تُطلب شروط معينة من الذين يتقدمون للحصول على وظيفة دينية, فمن هذه الناحية, وصلت الطائفة الدرزية, الى الوضع السائد في كل انحاء العالم, وهو ان اصحاب الوظائف الدينية, الذين يشكّلون لُب التربية التوحيدية, يتم تأهليهم من قِبل مؤسسات مناسبة, ويتم اختيارهم بواسطة المؤسسات الدرزية المتخصصة.
القسم الثاني من المواطنين الدروز, والذي يتطلب تربية توحيدية بشكل خاص, وبعناية مكثفة, هم ما يسمى الجمهور العادي, المؤلّف من المتدينين وبصورة خاصة القسم المُسمى الجهال. المتدين عادة يعرف ما له وما عليه, وما هي واجباته, وما هي القيود المفروضة عليه, لمجرد انه يحضر السهرات في الخلوات, وكذلك المذاكرات ويتقيّد بالسلوك الديني الصحيح, ويحاول بقدر الإمكان, تقليد رجال الدين الأكبر سنا, او الأقدم منه, ولا يجرؤ بحضرتهم, ان يخالف او ان يشذ, وهذه هي التربية الدينية الحقة, فالجو الديني السائد بين رجال الدين, يفرض وجوده على كل المتدينيين, ولا يجرؤ احد ان يفعل اي حركة, او اي عمل غير مالوف.
 المشكلة هي مع الجمهور المسمى بجمهور الجهال. فهناك اليوم هوّة كبيرة بين الطرفيْن, فالمتدينون يعيشون في عالمهم الخاص ويتصرفون حسب ما يرونه مناسباً, وما هو مألوف, ويتقيّدون بالفروض الدينية الواجبة, ومنهم من يتشدد في فرض واجبات دينية على نفسه,  تؤدي الى تعميق الهوة بينه وبين الجُهال, فمثلاً هناك من يكون جاهلاً ويتديّن, وهذا بحد ذاته أمر مُستحب ومرغوب وله قيمته، لكن هذا الإنسان, ولسبب من الأسباب, يبالغ في تديّنه, فيتخلص من أجهزة التلفزيون والحاسوب, ومن الأثاث في بيته, ويكتفي بالفراش والجلوس على الأرض, ويحاول ان يضيّق على البنات فلا يسمح لهن بالتعليم الثانوي او العالي ويتشدد في ملبسهن, وهذا الأمر يؤدي الى نفور بينه وبين الجهال. فالشاب الذي لم يصل الى الدين, لم يعش الجو الديني, ولم يشترك في السهرات والمذاكرات, ولم تنجبل عقليته وروحه بالتعليمات المذهبية, ولم يطّلع على تاريخ الدعوة والحوادث التي وقعت للأولياء والأنبياء, ولم يتذوّق حلاوة الصلاة والذكر والأناشيد الدينية الروحانية, ولم يمر بالمراحل التي قطعها المتدين, ليصل الى النتيجة التي بلغها هذا الإنسان المتشدد, لذلك يبقى منزعجاً وغير راض ٍ عن تصرفات المتدين المتشدد ويرى بها رجعية وتخلف وعقلية ساذجة, ومن ناحية أخرى يتضايق المتدين المتشدد من هذا الجاهل, وتزداد الهوة بين الطرفيّن.
 وهناك مجموعة كبيرة من الناس, ينتمون الى فئة الجهال, ومن الممكن ان يكونوا متدينيين. فاعمالهم صالحة, وسلوكهم سليم, وتصرفاتهم لائقة, وهم لا يدخّنون ولا يشربون المسكرات, ولا يفعلون المحرمات, ولا ينقصهم إلاّ حلق شعورهم والتوبة والرجوع الى الدين. وكل انسان له حساباته وله طموحاته وله أفكاره وله مخططاته, فمنهم من يقرر فجأة ان يتدين ومنهم يعتقد ان تصرفاته لدرجة سليمة بحيث ان الانضمام الى الدين لا يشكّل هدفا في حياته, إذ انه يرى شيئا من الراحة على بقائه على تلك الحال, فهو لا يسارع للإنضمام او التدين, لكنه يكون جاهزاً دائما, لأن يحارب ويقاتل من اجل الدين, او ان يتبرع للخلوات, او ان يهرع لنجدة اخوانه الدروز, متدينين وغير متدينين, اذا وقعوا في خطر ما, فهذا الانسان وهو الذي يشكّل رمزا للأغلبية الساحقة لأبناء الطائفة الدرزية, التي تركت مصر في اواخر ايام الحاكم بأمر الله, وانتقلت الى جبال الشوف وبنت لبنان الحديث.
 والمُطلع على امور الطائفة الدرزية يرى ظاهرة غريبة في الطائفة, وهي ان أغلبية السكان الدروز, هم غير متدينين, ولكنهم متعلقون بالدين وبالطائفة, بشكل غريب. وقليلون جدا, هم اولئك الأفراد الذين ينحرفون ويتركون المجتمع الدرزي, وهذا ناتج عن عملية تربية توحيدية ذاتية, تجري في القرى الدرزية, دون ان يشعر بها الانسان. فالمتدينون مع قلتهم, منتشرون في كافة البيوت, وهم عادة يحظون بالصدارة وبالأولية في كل المجتمعات, والمواطن الدرزي المنتمي الى فئة الجهال, يشاهد من صغره, تبجيل واحترام رجال الدين في المجتمع, فهم الذين يدعون للطعام اولا, ويدخلون ويخرجون الى الدواوين في البداية, ولهم تقدير واحترام عند الجميع. وكل انسان درزي, مهما كان جاهلا,ً لكنه يعترف بالأولوية والصدارة والتقدير لرجال الدين, وقد كان هذا الوضع في كل الأوقات, وتوارث الأبناء المناصب عن آبائهم, فكان القاضي الجديد, يحترم زملاءه القضاة القُدم. ويحاول بقدر الإمكان, ان يثبت وجوده وأن يكسب شخصيته, الخصال المُتبعة, فالعملية التربوية, هنا هي عملية ذاتية تلقائية, بدأت في العصور الأخيرة, وتطوّرت وأصبحت مصيراً ثابتاً مقبولا.ً
والخطر الكامن اليوم, هو ان الأجيال الشابة, من ابناء الطائفة الدرزية, انكشفت وانفتحت لعوالم جديدة, بواسطة التلفزيون والحاسوب, وسهولة السفر الى اقصى مكان في العالم. وعلينا ان نكون واقعيين, وعلينا ان نكون عقلانيين, لكي نرى الصورة كما هي, بوضوحها ولمعانها, فعلينا في البداية ان نحمد ربنا ونشكره, على الألف سنة التي يسّرت لنا ان تظل جمرة التوحيد متوهّجة, فقد كانت القرى الدرزية منعزلة وبعيدة عن مراكز الحضارة, ولم تنكشف  الشبيبة على مغريات المدينة, فاستطاع المجتمع ان يحصر هموم الشباب ويحوّلها الى طاقة للعمل والإنتاج والتقدم في نطاق التقاليد والدين. اما اليوم فقد اصبحت المغريات جذابة وتؤثر على نفوس الشباب والبنات وتؤدي الى شذوذ وانحراف وخطيئة البعض منهم. فالمغريات الكثيرة التي تلعب في نفوس الشباب وتهدد أخلاقياتهم زادت في الآونة الأخيرة وتكثفت واصبحت أمرا لا يُطاق, وقد سقط ضحيتها عدد من الشباب والخطر ما زال كامناً ومُهدِّداً . وهنا يأتي دور الرؤيا الدينية للتربية التوحيدية فنحن اليوم في موقف تؤثر العناصر الهداّمة على أمورنا وتهددنا وتتطلب منا ان نكون صارمين في أحكامنا وتصرفاتنا وان نبتعد عن كل ما فيه إثارة او جنس او مغريات او مُحفّزات لتصرفات غير لائقة . وهنا يأتي دور رجال الدين والقيادة الدينية لبث روح الدين والتعاليم في اوساط اولئك الشباب والفتيات الذين لم يحضروا ولا مرة في حياتهم سهرة دينية. وفي السابق كان عادة الآباء والأمهات متدينين, وإذا كان اولادهم غير متدينين, فقد كانوا يراعون شعور الواحد للآخر, وكان الأبناء يحاولون بقدر الإمكان, عدم المس بأهلهم إن كانوا متدينين فالمدخن لا يتناول السيجارة ووالده موجود مثلا, وإذا كان والده يصلي, فلا يزعجه ولا يعمل ما يثير غضبه, وهذه بحد ذاتها عملية تربية توحيدية. لكن توجد بيوت كلها غير متدينة, وأفراد هذه الأسر, لا يعرفون شيئا عن الدين, وعن حياة رجال الدين, إلا من بعيد وقد لاحظت الرئاسة الروحية ما يجري وهي تعمل على التقارب بين الفئات المتدينة وغير المتدينة في الطائفة ففي عدة قرى يقوم رجال الدين الشباب المتعلمون بالاجتماع بطلاب المدارس لحثهم على التقيد بتعاليم الدين وتشجيعهم على التدين, وعادة يدعو أئمة الخلوات الشباب والجماهير الغير متدينة, للإشتراك في السهرات الدينية في ليالي العشر, او حتى ايام السنة الأخرى. وإذا حضر هؤلاء لاجتماع ديني, يستمعون الى وعظ واناشيد دينية روحانية, وهذا لا بد يؤثر على بعضهم, ويجعلهم ينتقلون الى عالم المتدينين. وعلى المؤسسات الدرزية والحكومية, ان تنتبه الى هذا الوضع, وان تخصص الميزانيات والإمكانيات لبث الروح التوحيدية, في نفوس الشباب الغير متدين, ولتعميق التربية الدينية والتهذيب والايمان والدعوة للإشتراك في السهرات الدينية وفي مشاركة رجال الدين حياتهم والتعلم منهم.
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2021 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.