spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 112
الساعات الأخيرة في حياة سيدنا سلمان الفارسي (ر)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كلمة العدد: الطائفة التي تصنع الفحم في الليل لتنير الظلمات طباعة ارسال لصديق
Image

يروى عن الزعيم السوري، رئيس الحكومة،  فارس الخوري، الذي انتُخب عام 1947 رئيسا لمجلس الأمن الدولي، والذي كان أول ممثل دائم لسوريا في الأمم المتحدة، أنه اشترك في جلسة مجلس الأمن المخصصة لبحث موضوع إنهاء الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، فجلس عمدا في مقعد المندوب الفرنسي هناك، وعندما أتى هذا، امتعض واستشاط غضبا، فتعمد فارس الخوري عدم القيام لفترة وتلكأ عن قصد، مما زاد من حنق هذا المندوب وكاد أن يضربه، عندها وقف فارس الخوري،  متوجها لأعضاء مجلس الأمن والصحافة والجمهور، وقال عبارته التاريخية: "أنت لم تتحمّل أن أجلس في مقعدك نصف ساعة، كيف تقبل أن تجلس جيوش بلدك في دولتنا ما يزيد عن 25 عاما!!!"  وحالا جرى التصويت وقرر المجلس استقلال سوريا ولبنان. ويروى عنه كذلك، أنه في إحدى محاضراته في جامعة دمشق، دخل أحد طلابه من الجبل متأخرا عن المحاضرة، فسأله فارس الخوري عن سبب تأخره، ارتبك الطالب الجبلي، وتقدّم من المنصة، ليشرح للأستاذ، بأن سبب تأخره، هو أنه يشتغل فحّاما في الليل، ليموّل تعليمه. عندها قام الزعيم فارس الخوري وتناول يد الطالب، وقبّلها أمام الطلاّب، تقديرا له على اجتهاده ومثابرته وصراحته وثقته بنفسه...
وهذه الخصال: الاجتهاد، المثابرة، الصراحة والثقة بالنفس، هي الصفات التي تميز الطائفة الدرزية على مر العصور، وفي كل مكان، بالرغم من قلة عدد افرادها، وبالرغم من هول وشدة الضغوط والحروب والمطاردات التي عانت منها على مر التاريخ. فكل مواطن درزي في أي مكان في العالم، يعرف أنه يجب أن يعتمد على قوته وذكائه وإخلاصه وإيمانه، لكي يستطيع أن يقوم بواجبه في أي مهمة تلقى عليه، وأنه لا يستطيع أن يثق أو يعتمد على أي مصدر خارجي يدعمه ويشد أزره إلا الله، سبحانه وتعالى. ومن هذا المنطلق شب الدروز في كل مكان تواجدوا فيه، ونهضوا وتقدموا كأفراد وكمجموعة، وأثبتوا وجودهم وحضورهم وتأثيرهم، بالرغم من انهم لا يملكون الثروات، أو الأسلحة، أو العناصر التي تبرهن للآخرين عن قوتهم، لكنهم يملكون صفات إنسانية، لا تقل أهمية عن الصفات التي ذكرت، وهي تفانيهم، واستماتتهم من أجل الهدف الذي يخدمونه.
 وإذا أخذنا، مثلا المواطنين الدروز الذين تركوا أسرهم وبيوتهم وأهاليهم في سوريا ولبنان، وانتقلوا للعمل في الدول العربية المختلفة، نجد انهم يتركزون في أعمالهم، ولا يلتفتون شمالا أو يمينا، إلا إلى شغلهم ووظيفتهم، ويظلون مخلصين لعائلاتهم، ويطلبون فقط السترة والرزق الحلال، وهم لا يتطاولون على شيء، ولا يخونون النعمة، ولا يطمعون في شيء ليس لهم، لذلك ذاع صيتهم في هذه البلدان، انهم شرفاء، مستقيمون، مجتهدون ويمكن الاعتماد عليهم بشكل مطلق.
والشباب الدروز الذين يخدمون في الجيوش النظامية في دولهم، كمواطنين يؤدون واجباتهم المدنية اتجاه دولهم، سواء في سوريا، أو لبنان، أو الأردن، أو إسرائيل، أو فنزويلا، أو الولايات المتحدة، أو غيرها، يقومون بأداء هذه المهمة المقدسة بإخلاص كامل، وتضحية قصوى، أكثر من غيرهم من الطوائف الأخرى ، لأنهم لا يعرفون المراوغة، والمماطلة، والمداهنة، وإنما يتركزون في تنفيذ ما يلقى عليهم، لإيمانهم أن هذا هو واجب، له احترامه وأهميته، ولكي يقومون بتبرئة ذممهم امام الله، سبحانه وتعالى، ولتوفير المعيشة النقية الصافية لأولادهم وأسرهم، المبنية على الكسب الحلال الذي لا تشوبه شائبة. ولهذا نرى الشباب الدروز يتقدمون، ويترقون، ويرتفعون في المراتب، بعد أن لاحظ المسئولون عنهم إخلاصهم وولاءهم.
 وإذا بحثنا موضوع المغتربين الدروز في دول أوروبا وامريكا وغيرها، نجد أن كل مغترب يحاول أن يتقدم، وأن ينجح، وأن يوفر العيش الكريم لأسرته، لكي يرضي الله، سبحانه وتعالى، ولكي يرضي ضميره، أنه جازف وغادر وطنه، وانتقل إلى بلاد الغربة، ليس لكي يتسكع في الشوارع والحانات وإنما لكي يوفر العيش الكريم، فإن نجح استمر، وإن لم يستطع ذلك عاد إلى قريته وبيته في الجبل وإلى أهله، يعيش بينهم، بدل أن يتسول في الغربة، أو يصبح من قُطّاع الطرق والمجرمين وأمثالهم. والمغتربون الدروز في المهاجر يبذلون كل الجهود في المحافظة على انتمائهم واصولهم بالرغم من وجودهم في بيئة جديدة غريبة جارفة، وهم يستحقون كل التقدير والتشجيع والتبجيل على صمودهم هذا.
وقد تعود الدروز على المعيشة في الدول المختلفة كأقلية، ولكل أقلية في العالم طبيعة تصرف ونمط حياة مميز في تعاملها مع الأكثرية أو في تعامل الأكثرية معها واستطاع الدروز خلال الف سنة تحقيق أمر نادر الوجود مع أقليات أخرى وهو أنهم بالرغم من مطاردة الاغلبية لهم وضغطها عليهم أن ينصهروا ويندمجوا فيها إلا أنهم استطاعوا بعونه تعالى أن يحافظوا على خصائصهم ومميزاتهم وأن يستمروا في نهجهم وطريقهم الذي سلكوه من البداية، ولذلك وعندما سمحت لهم الظروف التاريخية أن يكونوا أغلبية في مكان ما، تعاملوا هم مع الأقليات التي سكنت بينهم بشكل آخر من تعامل الأغلبية معهم. لقد حاولوا طوال الوقت احترام الأقليات ودعمها والتعامل معها بمساواة ومنحها كافة الحقوق والدعم والمساعدة. هكذا اتخذ مولانا الحاكم بأمر الله وزراء يهود ومسيحيين من أهل الذمة لأول مرة في تاريخ البلاد الإسلامية، هكذا تصرف الأمير فخر الدين المعني الثاني، هكذا حصل في الحرب العالمية الأولى عندما وقعت مجاعة في سوريا ولبنان وكانت المحاصيل في جبل الدروز وافرة، استوعب جبل الدروز عشرات الآلاف من المواطنين المسلمين والمسيحيين وأطعمهم وحماهم، هكذا فعلت القرى الدرزية في إسرائيل عام 1948 عندما استوعبت هذه القرى عشرة أضعاف من سكانها من اللاجئين المسلمين والمسيحيين لبضعة أشهر وتقاسمت معهم الغذاء والماء والمأوى وكل شيء إلى أن وجدت الحلول لهم وهكذا حصل في جبل الدروز الآن في الحرب الأهلية في سوريا حيث ظل الجبل آمنا بفضل شجاعة قيادته وسكانه لذلك لجأ إليه عشرات الآلاف من المواطنين السوريين المسلمين والمسيحيين من المناطق المنكوبة في سوريا ينعمون بخيراته ودفء معاملة سكانه يتقاسمون معهم كل شيء.
هؤلاء هم الموحدون الدروز جُبلوا على العفة والطهارة والعطاء والكرم والغيرة وعزة النفس وحماية الطريد وإيواء المسكين والإخلاص للحكم الذي يحترمهم والإسراع في الذود والتضحية بالنفس من أجل كل كيان يعيشون في كنفه والمحافظة على الجار والتعامل الأخلاقي مع النساء، حتى نساء أعدائهم لا يتطاولون عليهن ولا يسمحون لأنفسهم أن يصيبوا شعرة منهن وإنما يحرصون على كرامتهن أكثر من نسائهم، كل ذلك من وحي دينهم وتعاليم مشايخهم وأصالة معتقداتهم واحترامهم لأنفسهم ولغيرهم وسعيهم دائما لعمل الأفضل ولتحقيق المستحيل ولمواجهة الصعاب وللتغلب على كافة الصعوبات وهم في تفكيرهم وسلوكهم وأساليب أعمالهم يستعملون المبدأ الذي أوجده القائد الأسطوري هانيبال، حيث قال: " إن لم نجد حلا سنصنع واحدا..".

والله ولي التوفيق

سميح ناطور
دالية الكرمل
آذار 2018

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.