spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 91
بوركت اليد التي تكتب لنعرف
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كوارث ومحن تجاوزتها الطائفة الدرزية، برعاية ربانية، قبل حضر طباعة ارسال لصديق

لقد أنعم الله سبحانه وتعالى على الطائفة الدرزية، بأنه يشملها بحمايته ورعايته ويذود عنها ويحافظ عليها ويشدّ أزرها وينصرها ويقوّيها، ويعينها في التغلّب على كل الذين قاموا ويقومون طامعين بالتغلّب عليها ومطاردتها والتنكيل بها، لا لشيء، إلاّ لأنّها تنعم بأجمل الفضائل وأحلى المناقب وأروع المبادئ وأسمى التعاليم، التي يتحلّى بها قوم أو شعب أو دين على وجه الأرض. فرجل الدين الدرزي الحقيقي، يُعتبر في قمّة الوقار والفضيلة والطهارة والاستقامة، إذا كان ينفّذ تعاليم دينه بحذافيرها أو قريبا منها. فالدين الدرزي يعتبر الإنسان زانيا، لمجرّد أنه نظر إلى امرأة وتمعّن فيها، ويعتبر المؤمن مخطئا إذا أخذ أي قرش حراما ليس من عرق جبينه، ويعتبر الرجل قاتلا محروما من دينه طوال حياته، إذا تعدّى أو تجنّى وأزهق روح إنسان آخر لأيّ سبب كان، ما عدى في حالة الدفاع عن النفس. وفي نفس الوقت، يتجرّد المتديّن الدرزي من كافة المشروبات والتدخين والمتع الجسدية والشهوات والطمع في الدنيا والكبرياء، وطبعا كافة المحذورات والأمور الأخرى التي تنهى عنها الأديان. لذلك، وبما أن المتدينين الدروز طبّقوا ونفّذوا وتقيّدوا بكل هذه النواهي والتعاليم خلال ألف سنة، فقد اثاروا حفيظة غيرهم، وأصبحوا عرضة للتعدي والهجوم عليهم، لقلة عددهم ولكونهم شعبا مسالما. والمواطن المتدين الدرزي يفعل كل ذلك عن اقتناع وعن إيمان وعن عقيدة راسخة، بأن مسلك الإنسان يجب أن يكون شريفا ومترفّعا عن كل الشوائب، وهو بذلك يرضي الله، سبحانه وتعالى، ويرضي ضميره ويكسب الحماية الربّانيّة، ويستطيع بعد توكّله على الله، أن يبني بيته ومجتمعه وكيانه بقوة ساعديه، وبعرق جبينه، وباستنفاذ قدراته، دون التفات أو انتباه أو محاولة تقليد لمجتمعات أخرى، تنعم بالملذات وتسيّرها الشهوات وتغريها مفاخر الحياة. ومن اعتمد على الله، سبحانه وتعالى، وآمن بسلامة طريقه، وزرع الثقة بنفسه، فإنه منتصر بعونه تعالى، لأن الانتصار على النفس، هو أقوى الانتصارات. فالمتدين الدرزي، يقهر نفسه ويكبت شهواته ويخمد نزعاته الدنيوية. ومن تمكّن أن ينتصر على نفسه، يستطيع أن ينتصر على كافة القوى الدنيوية الأخرى.
 وما حدث في حضر مؤخّرا، وما حدث في سوريا في الحرب الأهلية الأخيرة، يدلّ أن الطائفة الدرزية، هي، والحمد لله، في رعاية ربّانيّة، وقد كانت وما زالت في قلب النار، وفي خضمّ المعركة، وفي فوّهة البركان، وأصابتها بعض شظايا الحرب الأهلية، لكنها خرجت منها، بعونه تعالى، بسلام كطائفة وككيان وكمجموعة مميّزة، بالرغم من أنها فقدت آلاف الشهداء أثناء خدمتهم في الجيش النظامي في الدولة السورية. ونحن نشجّع ونحيّي كل مجموعة درزية، تدعم الكيان السياسي الذي تعيش فيه، طالما هو يحترمها ويقدّرها، ونحثّها أن تضحّي من أجل حماية هذا الكيان، لأنها بذلك تصونه وتصون نفسها. وإذا نظرنا إلى تاريخ الطائفة الدرزية منذ بثّ الدعوة حتّى أيامنا، نجد أنها واجهت مصائب ومحن كثيرة وكبيرة، وصمدت أمام جيوش عاتية، وأمام أشرس القادة، وظلّت، بعونه تعالى، مستمرّة في طريقها، محافظة على دينها، تعطي الدرس تلو الآخر، في البطولة وفي الكرامة وفي الاستقلال وفي التضحية وفي المحافظة على جمرة التوحيد. وفيما يلي استعراض موجز، لأهم الأخطار التي واجهتها الطائفة الدرزية خلال مسيرتها، وتمكّنت من النجاة منها، والاستمرارية في وجودها المبارك الشامخ الراسخ إلى الأبد إن شاء الله:




محنة الظاهر

بعد غياب الحاكم بأمر الله، تولى الخلافة الظاهر لدين الله، الذي تعهّد أمام الخليفة الحاكم، بأربعين قَسما، أن يحافظ على الموحدين الدروز وأن يرعاهم. لكنه غضب لتجريده من الإمامة، حيث أن الحاكم بأمر الله حوّل الإمامة منه إلى حمزة بن علي (ع)، فكان رد فعله أن قرر الانتقام من الموحدين، فطاردهم ونكّل بهم لمدة ست سنوات. وقد صمد، بعونه تعالى الموحدون وتحمّلوا المحنة حتى تجاوزوها عام 1026 واستمرت الدعوة وانتشرت ورسخت في البلدان.



محنة انطاكية

وهي محنة من أصعب المحن في الطائفة الدرزية، حلّت بالموحدين في أنطاكيا ومنطقة حلب شمالي سوريا، الذين عانوا الكثير من العذاب والقتل والتشريد. فقد تقبّلت القبائل العربية التي كانت تسكن هذه المناطق، دعوة التوحيد بشغف واهتمام وحماس، وتكوّنت في عهد الحاكم بأمر الله محميّة توحيدية متوهّجة بالإيمان، برزت بتقواها وإيمانها وأصبحت شعلة من شعل التوحيد، تؤثّر على باقي التجمعات التوحيدية، وتهديها وترشدها، وأصبح جبل السمّاق جبلا مقدّسا لانتشار الموحدين حوله، وازدهر العلم والإيمان في هذه المنطقة بشكل مميّز. فأثار ذلك حنق وحسد وخوف البيزنطيين الذين تواطأوا مع صالح بن مرداس، وشنّوا حربا شعواء على الموحّدين، أدّت إلى مقتل مئات الآلاف منهم. لكنّ الأغلبية ظلّت صامدة بإيمانها وثباتها، واستطاعت بعد سنوات، أن تستمر في تمسّكها بدعوة التوحيد، خاصّة في منطقة جبل السمّاق حتى أيّامنا هذه، حيث نأمل أن تنفرج قريبا أزمة إخواننا هناك، وأن يعودوا إلى سابق عهدهم.




غزوات الصليبيين

اجتاحت الحملات الصليبية منطقة الشرق الوسط في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وكانت تأتي من أوروبا إمّا برّا عن طريق تركيا، فتمرّ في لبنان، وإمّا بحرا حيث كانت تصل السفن إلى ميناء بيروت وإلى ميناء عكا. وفي الحالتيْن كان الموحدون الدروز في لبنان، أوّل من واجه القوّات الصليبية، التي كانت تأتي محمومة متحمسة شديدة الولع برسالتها، وكان هدفها بيت المقدس والاستيلاء على الأماكن المقدّسة في القدس وبيت لحم والجليل والغور. وكان الصليبيون يمرّون بمناطق النفوذ الدرزية، حيث كان التنوخيون يحكمون لبنان، فكان المقاتلون التنوخيون يصطدمون بالجيوش الصليبية، ويعانون من عبثهم وفساد خلقهم وتنكيلهم. وقد جرت عدّة معارك في لبنان بين الصليبيين والدروز، تغلّب فيها الدروز أحيانا، وتغلب الصليبيون أحيانا أخرى، وفي كل الحالات كانت معاناة الموحدين شديدة من أولئك الذين أتوا بدافع ديني لحماية الأماكن المقدسة، لكن كانت لهم أهداف توسّعية واقتصادية وعسكرية بعيدة كل البُعد عن الدين. وقد وقف الموحدون الدروز بشرف وكرامة إلى جانب السلطان صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين عام 1187، وأبلوا بلاء حسنا، فكافأهم السلطان صلاح الدين، بمنحهم الولاية على مقام النبي شعيب عليه السلام في حطين، واعترافه بهم كفرقة مذهبية توحيدية مؤمنة.




المغول ومعركة عين جالوت

قام الفاتح المغولي هولاكو، حفيد جنكيز خان (1217-1265م) بحملة عسكرية ضخمة، احتل فيها بلاد فارس والعراق، فقتل الخليفة العباسي في بغداد وقضى على عدد كبير من الناس، ثم توجه إلى شمالي سوريا واحتلها وفتك بسكانها، وكان يعتزم أن يجتاح لبنان وفلسطين حيث يعيش الدروز. لكن أوقف في معركة ضارية وقعت عام 1260 م، في موقع عين جالوت، بين غور الأردن ومرج بن عامر، على مسافة من مدينة الناصرة وطبريا، وانتهت بانتصار المسلمين وصد الجيوش المغولية وتراجعها. وقد تجمعت جيوش المسلمين بقيادة المملوك، حاكم مصر، السلطان قطز في موقع عين جالوت، وواجهت جيوش كتبغا، قائد هولاكو، وتغلبت عليها وهزمتها. وقد حارب عدد كبير من المواطنين الدروز في صفوف المسلمين، وأبلوا بلاء حسنا، خاصة من الأمراء التنوخيين، ومن سكان البلاد من آل تراب. وبرز في هذه المعركة الأمير زين الدين صالح بن علي بن بحتر التنوخي، وأعجب المماليك برميه، وأخذوا يقدمون له النشاب من جعبهم، ونال التقدير والاحترام بعد المعركة، واستعان به المماليك فيما بعد في المحافظة على ثغور بيروت.





معركة عين دارا

كانت معركة عين دارا، أكبر مصيبة تحلّ بالطائفة الدرزية في تاريخهم خلال ألف سنة. وهي لا تتعلق بعنصر خارجي، ولا بمستعمر أو فاتح، وإنما بانقسامات داخلية بعيدة كل البعد عن مبادئ التوحيد، وعن أركان المذهب الدرزي الحنيف. لقد انقسم الدروز إلى قبائل قيس ويمن، وهذه الانقسام تعود جذوره إلى القرن السابع والثامن بعد انتشار الإسلام، حيث خرجت قبائل من الجزيرة العربية، وتوجّهت إلى العراق وسوريا، وخرجت قبائل أخرى من اليمن وتوجّهت هي الأخرى إلى نفس المكان، واستوطنت في العراق وفي شمالي سوريا وفي لبنان، وقسم منها انصهر في الدولة العباسية، وفي المجتمع المسلم الحديث، ونسوا الانتساب القيسي واليمني. أما الدروز فظلّوا متمسّكين بهذا الانقسام طوال الوقت، وهو ما زال متأصلا فيهم لأسفنا الشديد حتى أيامنا. وقد كان الصراع على السلطة بين هذه القبائل، وبعد أن حكم التنوخيون والمعنيون، وبعد أن ضعف المعنيون، ثار الصراع على السلطة فاحتدم الخلاف، ولأسفنا الشديد، تناسى الطرفان جذورهما التوحيديةـ وتصارعوا ونشبت معركة عين دارا 1711 التي أدّت إلى انقسام كبير، ولجوء الفئة المغلوبة من اليمنيين، ونزوحها إلى جبل الدروز. وكانت هذه المعركة بداية انهيار الحكم الدرزي في لبنان، حيث تولّى الشهابيون، وهم غير دروز الحكم وقضوا على نفوذ الدروز.




واقعة عكار

 سلب عام 1584، مجهولون الأموال الأميرية المرسلة من مصر وسوريا، وهي في طريقها إلى خزينة السلطان في اسطنبول، وكان ينقلها جنود الإنكشارية الأتراك. وقد وقعت هذه الحادثة في منطقة عكار، شمالي لبنان. فوجّهت الدولة العثمانية الوالي آنذاك، واسمه إبراهيم باشا لمعاقبة المعتدين، وكان الولاة العثمانيون يحسبون حساب الدروز، ويتربّصون لهم، فوجّهوا التهمة إليهم، فأنكرها الدروز لأن الحادثة وقعت في أقصى شمال لبنان، حيث لا يوجد دروز. لكن الدولة لم تقتنع، فجرّدت حملة قوامها 20 ألف مقاتل بقيادة، إبراهيم باشا لكسر شوكتهم. خيّم إبراهيم باشا بالقرب من عين صوفر، ودعا المواطنين للتفاهم معهم. وقد آمن الدروز الأبرياء بنواياه، فحضرت وفود كبيرة. ولما خيم الظلام ذبح الجنود 600 زعيما ووجيها درزيا وهم نيام، وانتشر الجنود في الجبل وأمعنوا في النهب والسلب والحرق. وتجمع الدروز وهاجموا المعسكر العثماني المصري، وقتلوا قائده قويس باشا و500 من جنوده. وقد حارب قرقماش ابن فخر الدين الأول جيش إبراهيم باشا، لكنه مات اختناقا في شقيف تيرون. وقد وصل عدد ضحايا حادثة عكار إلى حوالي ستين ألفا من الدروز، وكل ذلك لأسباب ملفقة. ومع كل هذا تمكن الدروز بسرعة، أن يستعيدوا قواهم فبرز 600 زعيما وشيخا جديدا، وتمكنوا، بعونه تعالى، الاستمرار في حكم لبنان، حيث عوضهم الله، سبحانه وتعالى بدعم الأمير فخر الدين المعني الثاني، وتوفيقه حيث امتد حكم الدروز من شمالي لبنان إلى حلب إلى الأردن وفلسطين حتى العريش.




إبراهيم باشا المصري

اجتاح إبراهيم باشا، ابن محمد علي باشا والي مصر ،بلاد فلسطين والأردن وسوريا ولبنان عام 1831 حتى وصل إلى مشارف القسطنطينية. وقد كسر جيوش الإمبراطورية العثمانية، وانتصر في كل معاركه، إلا مع الدروز. فقد أرسل ثلاث حملات مجهزة ضدهم. (حملة علي آغا البصيلي، حملة محمد باشا وحملة أحمد منيكلي باشا) وفشل فيها، لذلك قرر تجهيز حملة كبيرة وقيادتها بنفسه، لكي يقضي على الثوار الدروز، فجمع بين عشرين إلى أربعين ألف مقاتل من الألبانيين والموارنة والمصريين والأكراد وغيرهم، وحاصر جبل الدروز من كل منافذه، لكن الثوار الدروز قاوموه ووقفوا أمامه ببسالة، ولم يستطع أن يخضعهم. وفي نفس الوقت أعلن الدروز الثورة في إقليم البلان ووادي التيم، فاضطر إلى إرسال قوات إلى هناك، واستطاع إخضاع الثورة في هذه المناطق، وشدد الحصار على الجبل، وأغلق كل عيون الماء، فتدخل بعض الزعماء ووصلوا إلى اتفاق يتم بموجبه تسليم بعض سلاح الدروز للسلطة، وتنازل إبراهيم باشا عن تجنيدهم، وانتهت الثورة في آب 1838م. وكان من أبطال الصراع بين إبراهيم باشا والدروز، يحيى الحمدان، الشيخ إبراهيم الهجري، إبراهيم الأطرش، إسماعيل الأطرش، الشيخ أبو علي الحناوي، حسين أبو عساف، حسين درويش، عز الدين الحلبي، قاسم القلعاني، محمد القلعاني، محود هنيدي، حسين عزام، شبلي العريان وغيرهم.




حوادث الستين

حوادث مشهورة في تاريخ الطائفة، وهي عبارة عن حرب أهلية، عصفت بجبل لبنان عام 1860 ودمشق وغيرها، وكانت نتيجتها مئات وآلاف القتلى وعشرات الآلاف من المشردين. وقد بدأت الشرارة الأولى في بلدة بيت مرّي عام 1859 حيث مرّ شيخ درزي في حارة مسيحية، واعترض طريقه غلام نصراني، فتجمّع الناس وأهانوا الشيخ الدرزي وضربوه وطرحوه جريحا مهشّما، فهبّ الطرفان، واستُعملت النيران، ووقع عدد كبير من القتلى. ومن هنا امتدت إلى كافة المناطق في لبنان، ووقعت حوادث قتل شنيعة، مات فيها عدد كبير من المسيحيين وكذلك من الدروز.
 بدأت جذور هذه الفتنة قبل ذلك بكثير، فقد كان الدروز حكّام لبنان حتى عهد بشير الشهابي، الذي انتُخب أميرا على لبنان بواسطة الدروز وباسمهم. وفي تلك الفترة، آوى الحكام الدروز اللاجئين المسيحيين، وفسحوا لهم المجال في السكن في قراهم، وبناء الأديرة والكنائس. وبسبب دخول المبشّرين الغربيين، واهتمام الدول الكبرى بالإمبراطورية العثمانية، وخاصة في لبنان، قوي مركز المسيحيين الذين فتح لهم المبشّرون المدارس، ودعمهم قناصل الدول الأجنبية. ففي القرى والمدن الآهلة بأغلبية مسيحية، قام الشبان في تنظيم أنفسهم في عصابات مسلحة، كما أن المطارنة في بيروت وغيرها، ألهبوا الحماس في نفوس أولئك الشباب ودعموهم. وقد وقعت حوادث بين المسيحيين والدروز ابتداء من عام 1848 على فترات مختلفة. وكان الجو، بعد عزل بشير الشهابي، متوترا بين الدروز والمسيحيين، وكانت تكفي أي شرارة صغيرة لتشعل فتنة كبيرة. فوقعت بعض الفتن وبلغت أوجها في حوادث الستين، حيث جرت مذابح كثيرة بين الطرفين. مما اضطر الدول الغربية أن تتدخل وتفرض نظاما جديدا في لبنان. فبعثت فرنسا وبريطانيا قوات عسكرية للبنان، قامت بالوصول إلى المناطق المنكوبة، وعملت في القتل والنهب ضد الدروز. وعيّنت لجنة من مندوبي الدول الكبرى، اتخذت قرارا بتغيير النظام في لبنان، حيث أوجد نظام المتصرفية. وحددوا بذلك كثيرا من سلطة الدروز، ومنحوا المسيحيين امتيازات كثيرة، وتركوا لبنان جريحا، يئن تحت وطأة الطائفية حتى يومنا هذا.




حملة سامي باشا الفاروقي

وهي إجراء تعسفي قام به العثمانيون الأتراك ضد أبناء الطائفة الدرزية في جبل الدروز، لمطاردتهم والحد من قوتهم،  فجردت الدولة العثمانية حملة عسكرية، بقيادة سامي باشا الفاروقي عام 1910 ضد الدروز في الجبل، باشتراك قوات عسكرية كبيرة ومعدات ومدافع، وبدعم من البدو، وباستغلال كل عمليات الخداع والغدر من أجل أن يسلم زعماء الدروز أنفسهم للسلطة، على أمل العفو عنهم، وبعد أن سلموا أنفسهم قدموا للمحاكمة وأعدموا. وقد حكم على ستة من الزعماء بالإعدام هم: ذوقان الأطرش والد سلطان، مزيد عامر، محمد القلعاني، هزاع الحلبي، حمد المغوش ويحيى عامر. وكان من بين المحكوم عليهم بالإعدام الزعيم يحيى الأطرش، حاكم الجبل، لكنه استطاع أن يدفع لسامي باشا ثلاثة آلاف ليرة عثمانية، فاكتفى بنفيه إلى جزيرة رودس.
وقد فرض سامي الفاروقي، بقوة السلاح والجنود المكثفة، شروطا قاسية للأهالي، فجمع نحو عشرة آلاف قطعة من السلاح، وجند للخدمة العسكرية أكثر من 1250 شابا، وحدد مناطق الرعي وتحركات قطعان المواطنين الدروز وغير ذلك من إجراءات تعسفية قاسية، سببت تذمرا كبيرا لدى السكان، وكونت نقمة لقيت لها انفراجا بعد أربع سنوات، حينما نشبت الحرب العالمية الأولى، ولاحت أمام السكان فرصة ذهبية للتخلص من هذا العبء الجاثم. وبعد سنوات زالت الدولة العثمانية من الوجود وبقيت الطائفة الدرزية شامخة.




الثورة السورية الكبرى

وهي أهم حدث في تاريخ استقلال الدول العربية، وقد تعاقبت بعدها الثورات والانتفاضات في العالم العربي وحصلت كل الدول العربية على استقلالها التام، متعلمة درسا في البطولة والوطنية من سلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية. وقد حصل السوريون بعد سنوات على استقلالهم لكن الدروز والجبل دفعوا ثمنا غاليا بسبب الثورة، فقد استشهد أكثر من ثلاثة آلاف مقاتل من الشجعان، وقتل أكثر من ثلاثة آلف مواطن ومواطنة من المدنيين، وخربت معظم بيوت وقرى جبل الدروز، وعاش قادة الثورة وكبار مقاتليها في المنفى لمدة عشر سنوات. ومع هذا يشعر المواطنون الدروز، أنهم أدوا واجبهم اتجاه دولتهم، وضحوا من أجلها، وقدموا لها الاستقلال، تنعم به حتى خربت البلاد من جديد عام 2011 وما زالت.




الشعبية والطرشان

برز الدروز بعد الثورة السورية الكبرى، كقوة عسكرية وطنية هامة، أقلقت باقي الزعماء والطوائف. ولما نالت سوريا استقلالها التام، انتخب شكري القوتلي رئيسا للحكومة، وكان يخشى قوة وباس جبل الدروز، فلجأ إلى طريقة قديمة في إضعاف القوة الماثلة أمامه، وأثار بواسطة بعض الأعوان فتنة داخلية في الجبل، فرقت بين رفاق الماضي، فوقف المجاهد حمزة درويش متحديا سلطان الأطرش، وحصلت بعض الاصطدامات، وأزهقت بعض الأرواح، وكأنه لا يكفي ما حل بالجبل من تعديات خارجية. وقد ترأس فضيلة الشيخ أمين طريف وفدا رفيع المستوى، ضم سياسيين ومشايخ من لبنان، ووصلوا إلى جبل الدروز لإخماد الفتنة وإحلال الصلح، لكن مساعيهم لم تنجح، وخمد هذا الصراع تدريجيا بعد سنوات.




الصراع العربي الإسرائيلي

لقد قضت الظروف أن يقف المواطنون الدروز في بلادنا في موقف حرج. لقد كان عدد الدروز في بداية الانتداب حوالي سبعة آلاف نسمة فقط، وبدأ الصراع العربي الإسرائيلي بعد وعد بلفور، ووقعت مناوشات بين العرب واليهود في البلاد، ووقف الدروز على الحياد بشكل رسمي، لكن كان هناك من انضمّ للمقاومة العربية، وكان هناك من تعاون مع المنظمات اليهودية، إيمانا منه بأنه يخدم القضية الدرزية. وعندما وقعت الثورة العربية في فلسطين بين السنين 1936 -1939 تعرّضت الطائفة الدرزية إلى تعدّيات شنيعة من قِبل متطرفين عرب، بلغت حدّ القتل والغدر وسلب الكتب المقدّسة من الخلوات وتسخير المواطنين وممتلكاتهم لأغراض الثورة، ممّا أغاظ المواطنين الدروز والقيادة الدرزية، لدرجة أن وفودا منهم وصلت إلى عطوفة سلطان باشا الأطرش، وإلى الأمير مجيد أرسلان كي يتدخّلوا في إيقاف هذه التعدّيات. وعندما وقعت حرب 1948 دعت الأنظمة العربية سكّان البلاد إلى ترك مواقعهم، كي تهجم الجيوش العربية وتقضي على اليهود. وعندها قرّر زعماء الطائفة الدرزية البقاء في قراهم وبيوتهم وعدم تركها، وبسبب الضغوطات العربية أيّدوا قيام دولة إسرائيل التي تعهّد زعماؤها أن يحافظوا على الطائفة الدرزية وكيانها، وبذلك تمّ، بعونه تعالى، إنقاذ دروز إسرائيل من أن يتحوّلوا إلى لاجئين، وأن يفقدوا مواقعهم التي حافظوا عليها خلال ألف سنة.




ظلم الشيشكلي
 
 كان الدكتاتور أديب الشيشكلي الذي حكم سوريا إثر انقلاب عام 1951 يعلن حقده وكراهيته لدروز الجبل وزعامته، وذلك لمواقفهم الوطنية وفضائلهم وخدمتهم للوطن وللأمة العربية. وقرّر القضاء على زعامتهم وعليهم كقوة سياسية، فلم يكن من الصعب عليه أن يختلق بعض الأسباب ليهاجم القرى الدرزية في الجبل بالطائرات وبالجنود، ويمارس العنف والتعسف معهم، متّهما إيّاهم بالاتصال مع العراق ومع الأردن، وهم الذين ضحّوا بآلاف المقاتلين والأهالي من أجل استقلال سوريا في بداية عهد الانتداب. وحفاظا على أرواح السكّان، وعلى وحدة سوريا، فضل عطوفة سلطان باشا الأطرش ألاّ يعلن الثورة في البلد الذي أحبّه، ولجأ إلى المملكة الأردنية الهاشمية، تفاديا لقتل الأبرياء من الطرفيْن. وهبّ سكان دروز إسرائيل، معلنين سخطهم واستياءهم من تعسف الشيشكلي، وكان لذلك صدى حيث تمرّدت وحدات من الجيش في منطقة حلب، وأعلن أديب الشيشكلي تنحّيه عن الحكم وخروجه من البلاد ممّا وفّر وقوع حرب أهلية.




حرب لبنان
عُرف الدروز طوال حياتهم، بتسامحهم وعطفهم على باقي الأقليات، وقد دقعوا ثمنا باهظا نتيجة لذلك، ففي عهد فخر الدين المعني الثاني لجأت إلى إمارته آلاف العائلات المسيحية من تركيا وروسيا من الكاثوليك الذين طوردوا من قِبل إخوانهم الأرثوذوكس، فرحّب بهم واستقبلهم ومنحهم الأراضي وسمح لهم ببناء الكنائس والأديرة والعمل الحرّ  في إمارته. وقوي المسيحيون وأخذوا ينافسون الدروز بعد أن قويت شوكتهم بفضل المساعدات التي حصلوا عليها من الإرساليات الأجنبية الأوروبية. في عام 1982 زاد نفوذ المسيحيين وقرّرت قيادة الكتائب استغلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان للفتك بالدروز وترحليهم من لبنان إلى سوريا وأماكن أخرى، ليخلو لهم الجو في لبنان. ومرّة أخرى هبّ دروز إسرائيل وأعلنوا سخطهم واستياءهم من هذا التصرُّف، وقاموا بدعم إخوانهم في لبنان بالأموال والمعدّات والتشجيع والضغط السياسي، ووقعت حرب الجبل التي استطاع فيها الدروز المحافظة على كيانهم وعلى وجودهم، بعونه تعالى وهم الذين كانوا اسياد وحُكّام لبنان منذ القرن الحادي عشر حتى القرن التاسع عشر، وظلّوا بعد ذلك، قوّة هامّة في لبنان، تحافظ على الشرعية والقانون والديمقراطية الوحيدة في العالم العربي.. 



 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.