spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 132
نشاطات طائفية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 140
العدد 139
العدد 138
العدد 137
العدد 136


 
قصة: وأخيرا وصلت الرسالة!! طباعة ارسال لصديق
قصة بقلم سهام ناطور (عيسمي)،
عن كتابها المرتَقب (بيادر الفكر)  


نهضت أم صافي من نومها في الصباح الباكر، وفتحت عينيها، وبدأت بتلاوة الذكر الشريف، وقراءة الأصول التوحيدية، كعادتها كل يوم. ثم قامت وأعدّت لنفسها كوبا من الشاي، وتناولت الخبز والزعتر وحمدت الله على النعمة الكبيرة، التي منحها الله، سبحانه وتعالى بأن وهبها صحّة جيّدة، وأنها تستطيع أن توفّر لنفسها حاجياتها ومتطلباتها من منتوجات الأرض حولها، بعد أن توفي زوجها قبل بضع سنوات، وترك لها بعض الأموال، وأرضا فيها حوالي دونمين مليئة بالأشجار المثمرة، مسيّجة ومصانة. وقد كانت شريكة له في زراعة الأرض، وكانت تساعده في كل أعمال العزق والغرس وقطف الثمر، فهي تعرف كيف تزرع البطاطا والبصل والخس والفجل والبندورة والخيار، إلى جانب تقليم شجرات العنب والتفاح والتين والخوخ وغيرها. وقد كانت أثناء وجود زوجها تعيش في يسرٍ ورخاء، فلم يكن ينقصها شيء، وكانت تقوم بواجباتها اتجاه أهل قريتها في الشوف، وكانت أحيانا تقوم بزيارة أختها في الضيعة القريبة، وأخيها في مدينة بيروت.
عاشت مطمئنة مع زوجها، حتى رحيله إثر مرض ألمّ به، فقامت بكل واجبات الوفاة، ودعت له بالرحمة، وبدأت حياة جديدة، تعتمد فيها على نفسها، إذ لم يبقَ لها أحد في البيت، فزوجها توفي، وابنتها متزوجة في قرية بعيدة، وابنها غادر البلاد قبل حوالي ثلاث سنوات إلى القارة الأمريكية، ليفتش له عن مستقبل هناك، مثله مثل عدد من الشباب في القرية وفي القرى المجاورة، ضاقت بهم الحياة في لبنان بعد الاستقلال، حيث لا توجد أشغال كافية، والجيل الجديد لا يهتم بالزراعة مثل الأجيال السابقة، كما أن الزراعة لم تعد بمقدورها أن توفر المعيشة الكريمة لعائلة كبيرة. وعندما أعلن صافي نيّته بالسفر، لم يعارض والده ذلك، وتمنى له النجاح، وزوّده ببعض النقود. ولم يكن لأم صافي أي خيار، فمن جهتها، كان بودها أن يظل في القرية ويعمل أي شيء، وأن تزوّجه ممن يريد، لترى أولاده، خاصة وأن الله منحها فقط ولدا وبنتا، وكانت تريد أكثر من ذلك، إلا أنها كبتت أحلامها وآمالها وانصاعت لرغبة الابن المدلل، ودعت له بالتوفيق والتسهيل والنجاح في أن يجد عملا ملائما، وأن يحقق أحلامه وآماله هناك، وأن يكون سعيدا في حياته.
وصل صافي إلى البرازيل وبعث برسالة يقول فيها، إنه التقى ببعض أبناء الطائفة هناك، وهم يساعدونه على الاستقرار والانسجام في البلاد الجديدة. وذكر بالرسالة أنه لن يكتب إليهم كثيرا، وسيقوم بإبلاغهم حالما يستقر، ويجد عملا، ويحصل على بيت، لربما يدعوهم إليه للسكن معه.
أنهت ام صافي شرب الشاي، وفي هذه الأثناء أشرقت الشمس، فخرجت إلى الحديقة لتقوم ببعض الأعمال حول المنزل وفي الأرض، كعادتها كل يوم. وبعد دقائق، مرّ بجانب البيت، أبو نجيب، وهو ساعي البريد في القرية، الذي يُحضر الرسائل من بيروت مرتيْن في الأسبوع، ويوزّعها على أهالي القرية. فألقى السلام عليها، سائلا عن صحتها، وذاكرا أنه لا يوجد معه اليوم رسالة إليها. فقد تعوّدت منذ أشهر أن تسأله إن كانت قد وصلت إليها أي رسالة من ابنها من البرازيل، وكان أبو نجيب يشعر بالحرج، ان رسالة كهذه لم تصل، وأنه يخيّب آمال أم صافي المسكينة، التي يظهر على محيّاها، أنها تتحرّق شوقا لأن يصلها أي خبر من ابنها صافي، فهي تريد أن تطمئن عليه، وتود أن تعرف ما حصل له، وماذا جرى، وكيف يعيش، وكيف يدبّر شؤونه. وقد حضر في أحد الأيام أحد الشباب إلى القرية من البرازيل، وأسرعت للقائه تسأله عن ابنها، لعله يعرف بعض المعلومات، فأخبرها أنه لا يعرفه لكن سمع أنه وصل إلى هناك، وأنه بدأ يشتغل. وما يعرفه عنه، هو أنه بخير، وأنه موجود مع إخوان من أبناء طائفته، ولا خوف عليه، وعليها أن تتكل على الله سبحانه وتعالى، وأن تطمئن وأردف قائلا، إنه عادة ما يكون المهاجرون كسالى في الكتابة، فهم لا يسارعون إلى تحرير رسالة إلى أهاليهم، لأنهم ينتظرون أن يحققوا شيئا يكتبوا عنه لأهلهم لإخبارهم. وأضاف هذا الزائر، أن الأبناء هناك لا يعرفون بالضبط أهمية إرسال رسالة ولو قصيرة إلى الأهل، وهو يخبرهم أحيانا بذلك، لكنهم وليس صافي فقط، وإنما الأغلبية من الشباب منشغلون بأعمالهم وحياتهم الجديدة، وهم يريدون أن يثبتوا أنفسهم، وأن يقنعوا ضميرهم أن المجازفة التي قاموا بها تحقق النتيجة المطلوبة، وتجني لهم ما يأملون، وتساوي التضحية التي قاموا بها في ترك أهاليهم وبيتهم ووطنهم والقدوم إلى بلاد جديدة. وأنهى هذا الزائر كلامه لأم صافي بقوله، إنهم في بلاده هناك، يتداولون مثلا يجب أن تعرفه يقول: "الأخبار الجيدة هي عدم وجود أخبار" شارحا لها، أن خبرا مفرحا إيجابيا قلّما تتناقله الناس، أما الخبر السيء فإنه ينتشر بسرعة. وأخذت أم صافي تعزّي نفسها بعدم وصول أخبار أو رسالة أو إشارة من صافي بهذا المثل، فطالما لم يرِد من قِبله خبر سيء، فهو لا بد بخير، ويعيش حياة رتيبة، وإن شاء الله تأتي الرسالة او يأتي الخبر في الغد القريب.
وهكذا مرّت السنين وراء السنين، وأم صافي تعيش حياتها الرتيبة، تقوم في الصباح وتخرج إلى الحقل حوالي الدار، وتشتغل وتعمل ما يجب عمله، وعندما يمرّ أبو نجيب ساعي البريد ويحيّيها، تعلم هي بقرارة نفسها، أن أبا نجيب شغوف أكثر منها، أن يخبرها بوجود رسالة، وهي ليست بحاجة ان تسأله. فكانت تعرض عليه شربة ماء، أو حبة تفاح، أو عنقودا من العنب، مكتفية بالسؤال عن صحة زوجته وأولاده، ولا تذكر موضوع الرسالة بشيء. وتعوّد أبو نجيب أن يمرَ في أوقات منتظمة أمام البيت، وأحيانا يحاول أن يعزيها، بقوله إن هناك عائلات أخرى تنتظر رسائل من أولادها في المهجر، وهذه الرسائل إن وصلت تصل بعد سنوات. وبدأت تشعر ببعض المواساة في لقاء أبي نجيب ساعي البريد، لأنه ظل الأمل الوحيد في حياتها. طبعا كانت تحلم أحيانا وكانت تتمنّى أن تكون جالسة في البيت، وأن تسمع طرقا على الباب، فتفتح وتجد ابنها صافي أمامها، إما عائدا أو آتيا لزيارتها، لكن كل ما مر وقت وهو في الغربة، تعرف أن هذا صعب التحقيق، فأخذت تكتفي بوصول خبر، والخبر اليقين هو في رسالة. وقبل فترة جاء قادم آخر من البرازيل، واسرعت لمقابلته، وأخبرها أن صافي بخير، وهذا كل ما يعرفه عنه، وأنه يعمل ويسكن في مدينة قريبة من العاصمة، ولا يعرف عنه الكثير، إلا أنها اطمأنت أنه موجود وأنه بخير.
ومرّت سنوات أخرى على هذه الحال، وبدأت صحة أم صافي تتدهور، فهي الآن تمشي بصعوبة، وتستطيع السير فقط مع عكازة، وأصبح من الصعب عليها أن تعمل في الأرض، وكان لديها بعض الماعز والدجاج، وكانت ترعاهم وتستفيد من ألبانهم ومن البيض، فتبيع قسما منه وتوفر لحاجتها القسم الآخر. وفي المدة الأخيرة باعت العنزات وعددا كبيرا من الدجاج، وحافظت على المبلغ ليعينها في الأيام القادمة، مكتفية بثلاث دجاجات وديك.  وظل أبو نجيب على عهده، يمرّ بجانب الدار على الأقل مرة في الأسبوع، ويتحدث إليها عن كل الأمور، ويرى في عينيها كم هي توّاقة لأن يقول لها، وصلت رسالة.
 إلى ان جاء يوم تحقق فيه هذا الحلم، حيث شعر أبو نجيب بفرحة عظيمة، عندما سلّمه موظف البريد في بيروت الرسائل، وكانت من بينها رسالة من البرازيل موجّهة لأم صافي. طار من الفرح، وأراد أن يركض من بيروت إلى القرية، ليخبر أم صافي عن وصول الرسالة، فقد مرّ حوالي عشرين سنة، ولم تصل أي رسالة إلى أم صافي، وكانت المسكينة تنتظر هذه الرسالة يوما بعد يوم، وأسبوعا بعد أسبوع، وشهرا بعد شهر، وسنة بعد سنة، وها هي قد وصلت. وقد كانت الطريق في السيارة من بيروت إلى الضيعة تستغرق حوالي الساعة عادة، وشعر أبو نجيب اليوم أن الطريق تستغرق دهرا، وأحس أن الدقائق تمر ببطء، وهو لا يطيق مرور الوقت بهذه الرتابة، وكم هو تواق وراغب أن يصل إلى بيت أم صافي، ويصيح بأعلى صوته عن بعد مائة متر، رافعا الرسالة بيده، يا أم صافي وصلتك الرسالة.
وأخيرا وصل إلى مركز القرية، ونزل من السيارة، ولم يلتفت يمينا أو شمالا، وعنده رسائل إلى مواطنين يسكنون في الطريق إلى بيت أم صافي، إلا أنه لم يرد أن يضيّع لحظة واحدة قبل أن يصل إلى أم صافي، التي تنتظر هذه الرسالة بفارغ الصبر. واقترب من البيت، ولمح أم صافي جالسة أمام الدار، وشعرت أم صافي من حركات ابي نجيب، أن شيئا غريبا قد حصل، فهو يهرول مسرعا وهو ليس بالشاب القوي، وإنما بلغ الستين من عمره، وهو عادة يمشي ببطء وتأنٍ ورزانة، ولماذا يسرع اليوم!! وقف أبو نجيب أمام أم صافي وتلعثم، ولم يعرف ماذا يقول، لكنه رفع الرسالة بيده، وفهمت أم صافي، وأسرعت إلى البوابة، ونطق هو أخيرا وقال، يا أم صافي، أخيرا قيّض الله لي أن أحقق لك أمنيتك، وها هي الرسالة تصلك من البرازيل، آمل أن يكون فيها خيرا.
دعته أم صافي لشرب فنجان قهوة والراحة، وقبل أن يجلس طلبت منه أن يفتح الرسالة، ويخبرها ماذا بها، لأنها لا تجيد القراءة والكتابة.  فتح أبو نجيب المغلف، وأخرج منه الرسالة بيد مرتعشة، ووجم ووقف صامتا، ومع أنه يُعتبر من الرجال الأشداء في القرية، وقد حارب كثيرا، وعُرفت عنه بعض البطولات، إلا أنه في هذا الموقف كان ضعيفا، تناثرت من عينيه الدموع، وبصعوبة نظر إلى أم صافي، التي حملقت بعينين واسعتين، منتظرة أن يتفوّه بأي كلمة، وقال: يا أم صافي، أنت امرأة مؤمنة، أعرف أنك قضيت كل حياتك تصلّين وتؤمنين بالقضاء والقدر، الله يعوّضنا بسلامتك، انتقل صافي إلى رحمته تعالى...
ووقعت أم صافي مغشيا عليها، وراحت في غيبوبة، واستدعى أبو نجيب الجيران، ونُقلت إلى المستشفى، ولم تفق من الصدمة، وقضت نحبها بعد أيام... 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.