spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 12
سيدنا سقراط
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129


 
الاحتفال بمناسبة مرور الف سنة على تأسيس دار الحكمة طباعة ارسال لصديق
بقلم الدكتور سلمان حمود فلاح
دار الحكمة, او دار العلم, او دار العلوم, هي مؤسسة ثقافية علمية فريدة من نوعها في عصرها، فقد كانت إنجازاً حضارياً لم يكن له مثيل في تلك الأيام, حيث كان الغرب يغطّ في سبات الإقطاع والجهل, وكانت الدول الإسلامية في بغداد وشمال افريقيا, منقسمة وتقاسي من صراعات وفِتن داخلية, وكانت امريكا غير مكتشفة بعد, وكانت في الشرق الأقصى, في الصين والهند, تجري اعمال ثقافية, لكنها كانت منعزلة عن مراكز الحضارة في الغرب وفي حوض البحر المتوسط. لذلك يبرز العمل الثقافي, الذي قام به الحاكم بامر الله في مستهل الألف الثاني في مصر, كعمل يبشّر بمستوى علمي وثقافي رفيع.
لقد تمّ إنجاز دار الحكمة, وجرى افتتاحها, في آذار عام 1005, وفي هذه الأيام, نحتفل بمرور ألف سنة على هذا الحدث العظيم. وإذا جئنا نقيس بالبُعد التاريخي, اهمية هذا الحدث, يمكننا ان نقول, ان بذور العلوم الأوروبية, التي حصلت في القرون اللاحقة, لا بد قد زُرعت بين جدران دار الحكمة التي بناها  الفاطميون في تلك القرون الغابرة. وقد جاءت دار الحكمة في القاهرة, كإستمرار طبيعي لمؤسستين مماثلتين, أقيمتا قبل هذا التاريخ, وهما دار الحكمة التي أنشاها الخليفة المأمون في بغداد, في القرن الثامن الميلادي, ومكتبة الإسكندرية, التي بناها الرومان في العصور الغابرة وأحرِقت فيما بعد. لهذا نرى, ان دار الحكمة الفاطمية, هي المحطة الثالثة في طريق الإنسانية, في مجال العلم والأدب والمكتبات والتوثيق.         
وقد جاء ذكر دار الحكمة, في مختلف الكتب والمراجع, التي تؤرخ للدولة الفاطمية. فقد جاء في كتاب: " تاريخ الموحدين الدروز السياسي في المشرق العربي",  تأليف الدكتور عباس أبو صالح والدكتور سامي مكارم, ص 51, نقلاً عن المقريزي في كتابه "المواعظ والإعتبار لذكر الخطط والآثار" نقلاً عن المسبحي, مؤرخ الدولة الفاطمية, يصف دار الحكمة فقال :" وفي يوم السبت, العاشر من جمادي الآخرة, سنة خمس وتسعين وثلاثمائة, فُتحت الدار, الملقبة بدار الحكمة بالقاهرة, وجلس فيها الفقهاء, وحُملت الكتب إليها من خزائن قصور المعمورة, ودخل الناس اليها, ونسخ كل من التمس نسخ شيء مما فيها ما التمسه, وكذلك من رأى قراءة شيء مما فيها, وجلس فيها القرّاء والمنجّمون واصحاب النحو واللغة والأطباء، بعد أن فُرشت هذه الدار وزُخرفت, وعُلقت على جميع ابوابها وممراتها السطور, واقيم قُوّام وخدام وفرّاشون وغيرهم, وسُموا بخدمتها وحصل في هذه الدار من خزائن امير المؤمنين, الحاكم بامر الله, من الكتب التي امر اليها من سائر العلوم والأدب والخطوط المنسوبة, ما لم يرَ مثله مجتمعاً لأحد قط من الملوك. واباح ذلك كله لسائر الناس على طبقاتهم, ممن يؤثر قراءة الكتب والنظر فيها, وكان ذلك من المحاسن المأثورة ايضاً, التي لم يُسمع بمثلها من إجراء الرزق السنّي, بمن رُسم له بالجلوس فيها, والخدمة لها من فقيه وغيره, وحضره الناس على طبقاتهم, فمنهم من يحضر لقراءة الكتب, ومنهم من يحضر للنسخ, ومنهم من يحضر للتعليم, وجعل فيها ما يحتاج الناس اليه من الحبر والأقلام والورق والمحابر."
" ويذكر المقريزي في موضع آخر, ان الحاكم بأمر الله, نقل الى دار الحكمة من خزائن قصره والقصور الأخرى في البلدان الفاطمية, ما يُقدّر بستمائة الف مجلد, وقد بلغ مجموع الكتب التي حوتها هذه الدار, مليونا وستمائة الف مجلد. وكان في دار الحكمة عدا الكتب والخطوط المنسوبة، الخرائط والالات الفلكية والتحف النادرة. وقد ذكر المؤرخون, ان من التحف التي كانت في دار الحكمة, كرتان ارضيتا, احداهما من الفضة, يقال انها من صنع الفلكي الإغريقي بطليموس, وقد كان خالد بن يزيد بن معاوية, الأمير الأموي العالم, قد حصل عليها. أما الكرة الثانية, فقد كانت من النحاس, وقيل ان ابا الحسن الصانع المشهور, كان قد صنعها لأسد الدولة صالح بن مرداس الكلابي, اول الأمراء المرداسيين في حلب. هذا وكانت دار الحكمة تحتوي الى ذلك صناديق مملوءة أقلاما, قيل انها من براية ابن مقلة وابن البواب وغيرهما من مشهوري الخطاطين. وهكذا لم تكن دار الحكمة, مؤسسة ثقافية وجامعية علمية, ومركزاً للدعوة الفاطمية فحسب, بل كانت ايضاً متحفا يحتوي التحف النادرة, والقطع الفنية الثمينة. وكان الحاكم بامر الله, يشرف بشخصه على دار الحكمة, وعلى ما يجري فيها, فكانت تجري بحضرته المناظرات والمجالس, دينية ام علمية ام فلسفية ام فقهية ام ادبية ولغوية. وفي سنة ثلاث وأربعمائة من الهجرة, أحضر الحاكم بامر الله, اهل الحساب والمنطق, كما احضر جماعة من الفقهاء والأطباء, وأخذت كل فئة من اولائك العلماء, تتناظر في حضرته, وكان الحاكم يخلع على هؤلاء العلماء الخلع ويصلهم بالصلات. وقد اوقف الحاكم بامر الله, الوقوف على دار الحكمة هذه, وكان ريع هذه الوقوفات يكفي للصرف على دار الحكمة, وعلى مرتبات موظفيها وصلات العلماء والفقهاء والطلاب. كذلك كان يصرف من ريع هذه الوقوفات على اثاث الدار وادوات الكتابة ولوازمها. ولم يكتفِ الحاكم بذلك, بل خصص للدار نسبة من اوقاف الجامع الأزهر وجامع المقس وجامع راشدة. وكان الحاكم قد بنى الجامعتين الاخيرتين, وهكذا فقد كانت الأموال تتدفق على دار الحكمة وعلى علمائها وطلابها, من هذه الوقوفات, بالإضافة الى الصلات الكثيرة والهبات الكريمة والخلع, التي كان يغدقها الحاكم على علماء دار الحكمة وفقهائها. وقد ذكر بعض المؤرخين ان مقدار النفقة على دار الحكمة بلغت ثلاثة واربعين مليون درهم في السنة".
وجاء في كتاب الدكتور مصطفى غالب   " تاريخ الدعوة الإسماعيلية , بيروت 1979 ص 222 " .. ازدحمت دار الحكمة بالمستجيبين وقيل بأن بعض الناسكانوا يموتون من كثرة الإزدحام, وخصص يومان   في الأسبوع لحضور المجالس, ولقد كانت دار الحكمة من أعظم وأفخم المؤسسات العلمية وأرقاها في ذلك العصر, انفقت عليها الأموال الطائلة وفرشت بأحسن الأثاث وزينت بأجمل النقوش وكان الإمام يشرف بنفسه على إقامة المناظرات  بين العلماء والفقهاء ويهبهم العطايا والمنح."
وذكر المؤرخ الدكتور حسن ابراهيم حسن في كتابه" تاريخ الدولة الفاطمية القاهرة 1964 ص 435: " أنشأ الحاكم جمعية علمية" أكاديمية"على مثال الأكاديميات ببغداد وغيرها من البلاد وأطلق عليها "دار الحكمة"  وحوت ما لم يجتمع مثله في مكتبة من المكتبات".  وجاء في كتاب المؤرخ محمد عبدالله عنان " الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية" الصادر بالقاهرة عام 1983 طبعة 3 ص 364":" وفي عصر الحاكم بأمر الله, كانت الحركة الأدبية, قد استقرت واتخذت وجهتها الجديدة في ظل الدولة الجديدة. وقامت دار الحكمة الفاطمية يومئذ, تغذي الحركة العقلية إلى جانب الأزهر والمسجد الجامع, الذي  كانت حلقاته العلمية والأدبية دائما, عنصرا بارزا في تكوين الحركة الفكرية المصرية في تلك العصور. وأولى الحاكم الحركة العقلية شيئاً من رعايته, فأجزل النفقة لدار الحكمة, وزوّدها بخزائن الكتب الجليلة, وعقد مجالس المناظرة للعلماء والأدباء, وغمرهم بصلانه, وقرّب إليه عدة من اقطاب المفكرين والأدباء في هذا العصر, مثل المسبّحي الكاتب والمؤرخ الكبير, ومحمد بن القاسم ابن عاصم شاعر الحاكم وجليسه, وابي الحسن علي الشابشتي الكاتب صاحب كتاب الديارات وقد توفي سنة 390 هجرية, وإبن يونس العلاّمة الرياضي والفلكي صاحب الزيج الشهير الذي الّفه خصيصاً للحاكم, وكان ايضاً أديباً وشاعراً, وقد كتب تاريخاً لمصر, وابي عبد الله اليمني المؤرخ صاحب تاريخ النًحاة وسيرة جوهر القائد وقد توفي سنة 400 هجري, والمهندس البصري الكبير ابن الهيثم وغيرهم ممن تولوا قيادة الحركة الفكرية في هذا العصر. ونبغ في تلك الفترة عدة من اكابر الأطباء, منهم التميمي وابن المقشّر النصراني واب يعقوب بن نصطاس. وكان المسبحي اعظم شخصية في الحركة الفكرية في عصر الحاكم, وقد تولى بعض المناصب الوزارية والادارية الهامة في عصر الحاكم. وقد شغف الحاكم بأمر الله برعاية الكتّاب والأدباء والمفكرين في القصر, وازدهرت الحركة الفكرية المصرية نوعاً ما خلال النصف الأول من القرن الخامس. وظهر من أعلام التفكير والأدب خلال هذه الحقبة, جمهرة لا باس بها, منهم ابو عبد الله القضاعي الفقيه والمحدّث والمؤرخ, وابو الحسن الحوفي النحوي اللغوي, وكان من ائمة الأدب واللغة في عصره. وابو العباس بن هاشم المصري, وكان من كبار المحدثين والمقرئين, واشتهر بتدريس علم القراءات. ومنهم ابو الحسن ابن بابشاذ النحوي الشهير, وكان إمام عصره في النحو واللغة, ومنهم ابو الحسن بن الزبير, وكان متضلعاً في الرياضيات والهندسة والمنطق, ومنهم الحافظ السلفي وكان إمام عصره في الحديث والنقد والرواية وغيرهم. "
وقد جاء في كتاب المؤرخ هاينز هالم "الفاطميون وتقاليدهم في التعليم" الصادر بترجمته العربية, عن دار المدى في دمشق عام 1999 ص 115, عن الظروف التي اقيمت فيها دار الحكمة ما يلي :" لم توجد في العالم الإسلامي في العصر الوسيط, اية مؤسسة ثقافية, كان بإمكانها توفير معرفة موسوعية. هنالك استثناء وحيد, فقد اسس الخليفة الفاطمي السادس والإمام السادس عشر للإسماعليين, الحاكم بامر الله, دار العلم في القاهرة سنة 1005 وكان يُطلق عليها في بعض الأحيان, التسمية المغلوطة "دار الحكمة", وهي تسمية مغلوطة من حيث ان الحكمة قد فُهمت عموماً, على انها العلم الباطني الإسماعيلي الخاص. الباطني الذي كان يأتي من الإمام عبر الدعاة. غير ان مؤسسة الحاكم, لم تخدم الدعوة, بل خدمت قبل الجميع, اولئك الذين اختصوا بالعلوم الدنيوية. لم يكن المعهد الذي اسسه الخليفة الفاطمي الأول من نوعه, فقد سبق الملك الساساني العظيم كسرى انو شروان, من فترة ما قبل الإسلام, أن أنشأ سنة 555 ميلادي في مدينة جنديسابور, نوعاً من الأكاديمية العلمية التي اجتذبت اهل العلم من كل الفروع, ولا سيما الطب والفلسفة, وذلك قرابة نهاية القرن التاسع ميلادي, ثم خدمت أكاديمية جنديسابور الخليفة العباسي التاسع المأمون, كنموذج أطلق عليه "بيت الحكمة" غير ان بيت حكمة المأمون, بقدر ما كان مكتبة ومكاناً لعمل أهل العلم, ولم تكن هذه المنشآت النموذج الذي اتخذه الخليفة الفاطمي الحاكم في تأسيسه لمنشآته, بل ان النموذج الفعلي, كان دار العلم التي اسسها الوزير الفارسي ابو نصر بن أردشير سنة 991 هجري, إبّان العهد البويهي في الكرخ في بغداد. ومن الممكن الزعم بأنه قد توفرت للحاكم معلومات مفصلة حول هذا المعهد, من خلال دعاته في بغداد والعراق, وشجّعه ذلك ليقوم بتطوير العلوم في امبراطوريته بصورة مشابهة أو حتى أكثر سخاء. " " أما أبرز اديب حاول الحاكم جذبه إلى دار العلم فقد كان الشاعر     الضرير ابو العلاء المعري الذي عاش في بلدة معرة النعمان  الصغيرة شمالي سوريا, ففي رسالة إلى أمير حلب  دعا الحاكم المعري , أحد أشهر شعراء اللغة العربية إلى القاهرة لكن الشاعر اعتذر عن عدم الحضور... أما ابن الهيثم , الذي كان طبيبا وفلكيا ورياضيا وفيلسوفا في آن معا, فقد كان الأكمل موهبة  من بين العلماء الذين عملوا في ظل الحاكم. وكان لعمله الرائد في مجال البصريات آثار بعيدة المدى في المفكرين الأوروبيين في العصر الوسيط.فقد كان لدراساته أهمية رئيسية بالنسبة للأبحاث في مجالي علم النجوم والأحوال الجوية.
قامت دار الحكمة بأداء وظائفها خير قيام في عهد الحاكم بامر الله فقد كانت لها عدة أهداف وتقوم بتغطية مجالات ونواحٍ ٍ مختلفة ويذكر الأساتذة ابو صالح ومكارم ص 52 عن هذه الأدوار ما يلي :" كانت الأهمية الكبيرة التي أعطيت لدار الحكمة تنبع من الأسباب التالية:
اولاً كانت دار الحكمة مركزاً لنشر الدعوة الفاطمية وتثبيت اركانها. فقد خرّجت الدعاة الفاطميين يُلقون العلم والمعرفة في العالم الاسلامي ويدعون الى المذهب الفاطمي وبالتالي الى الدولة الفاطمية.
ثانياً: كانت دار الحكمة مركزاً تقوم فيه البحوث العلمية التي تحتاج اليها الدولة الفاطمية من النواحي التنظيمية والهندسية والعسكرية والاقتصادية والتربوية والمالية، لذلك حوت الدار الى جانب الفقهاء والفلاسفة والدعاة، علماء الفلك والرياضيات والادارة والمال.
ثالثاً: كانت دار الحكمة جامعة علمية تثقف الناس في مختلف العلوم والفلسفات والمذاهب فلم تكن تُلقى في هذه الدار مبادئ الدعوة الفاطمية وحسب بل كانت تُعلم فيها مختلف المذاهب الدينية والفقهية الى جانب الفلسفة والعلوم والأدب واللغة والتاريخ والفنون، كل ذلك دون ان يتكلف طالب العلم شيئاً من ماله.
وقد ضاقت الدار بمن يرتادها من طلاب العلم فأخذ الفاطميون يعقدون بعض مجالس الحكمة في اماكن اخرى كالإيوان والمحول هذا وكانت العلوم تُلقى في دار الحكمة وملاحقها على مستويات مختلفة، حسب درجات الطلاب العلمية . فكان يُفرَد للأولياء مجلس وللخاصة وشيوخ الدولة مجلس ولعوّام الناس مجلس وللطارئين مجلس. كذلك الأمر بين النساء فكانت لخواص النساء تعقد مجالس تختلف عن تلك التي تعقد لعامتهن وكانت المجالس تدوَّن في كتب خاصة تسمى مجالس الحكمة
وكما قلنا فقد ازدهرت دار الحكمة في عهد الخليفة الحاكم بأمر اللهوتدهورت احوالها بعد ذلك وقد جاء في كتاب المؤرخ هاينز هالم الفاطميون ص 122 عن مصير دار الحكمة ما يلي :" بعد الإختفاء الغمض للخليفة الحاكم سنة 1021 لم نعد نسمع اي شيء حول النتائج العلمية التي حققتها دار العلم. ففي ظل الخليفتين التاليين الظاهر والمستنصر يبدو ان دار العلم لم تعد تضلع باي دور ذي اهمية بل يظهر انها وقعت ضحية الأزمة العامة التي عانتها الدولة الفاطمية في منتصف القرن الحاي عشر والتي أدت الى فوضى عامة في مصر أواخر الستينات. وعندما قام الجنود والموظفون الذين لم يتلقوا مرتباتهم لبعض الوقت بنهب قصور الخليفة وكنوزه عام 1068 فإنهم لم يعفّوا عن نهب المكتبات ايضاً لأن الكتب المخطوطة كانت بالنسبة للناهبين اشياء لا تقل قيمة عن جواهر الكنوز. وأول ما انتهب المغيرون المكتبة في قصر الخليفة وسرقوا منها ثمانية عشر الف مجلد في العلوم القديمة بالإضافة الى 2400 مخطوطة للقر’ن بزخرفات ذهبية وفضية، كل ذلك انتهبه الجنود الأتراك. وفي شهر المحرم شق خمس وعشرون جملا محمّلاً بالكتب الطريق في يوم واحد من القصر الى منزل الوزير محمد بن جعفر الذي لم يستمتع بغنيمته لفترة طويلة فاضطر هو نفسه بعد شهر للفرار من مصر وتمّ انتهاب منزله ايضاً ونثرت الكتب التي تملّكها. أما دار العلم فلم يكن نصيبها بأفضل من ذلك : وتم إفراغ مكتبة دار العلم بالقاهرة وصارت ملكية العديد من الكتب بيد شخص بعينه عو عماد الدولة ابو الفضل ابن المحترق في الاسكندرية. لكن عندما قُتل الأخير أُخِذ العديد منها الى المغرب. وحصل بربر قبيلة لواتة الذين عاشوا بدواً على الطرف الغربي لدلتا النيل في ليبيا اليوم على عدد لا يُحصى من الكتب الجميلة جمالا لا يوصف بواسطة الشراء او السرقة واخذوها معهم. واستعمل خدمهم وجواريهم الأغلفة في صنع أحذية لأقدامهم.  أما بالنسبة للأوراق فقد أحرقوها لأنها جاءت من القصر لاعتقادهم بأنها تضمّنت عقائد دينية للمشارقة (الإسماعليين) وهي عقائد تتناقض مع معتقداتهم (السنية). وشكل الرماد تلالا عظيمة في منطقة الأبيار في دلتا النيل التي لا تزال حتى اليوم تدعى بتلال الكتب ورُميت كتب كثيرة في النهر او أتلفت لكن الكثير منها وصل العواصم الكبيرة لبلدان اخرى.
ويذكر الأساتذة ابو صالح ومكارم ص 53 ان :" ان الدار عادت بعد ذلك (اي بعد نهب عام 1068) الى العمل وبقيت الى سنة 1122 عندما أغلقت ابوابها بعد ان استحكت الخلافات المذهبية بين أعلامها. غير انها عادت في السنة التالية، حين أعاد فتحها المأمون البطانجي وزير الآمر بأحكام الله غير انه نقلها من مكانها بجوار القصر بعيداً عن المعترك السياسي بعد ان بُني لها صرح كبير في مكان ٍ خال ٍ بلغت نفقته فيما يقال اكثر من مئة الف دينار وعُرفت بدار العلم الجديدة. ولم تزل عامرة الى آخر الدولة الفاطمية اي الى سنة 1171 للميلاد. 
وعن افتتان الخلفاء الفاطميين بالكتب وولعهم بالقراءة نذكر هنا حادثة نشرت في كتاب المؤرخ هاينز هالم "الفاطميون وتقاليدهم في التعليم" ص 40 : " يروي القاضي النعمان في كتابه" المجالسات والمسايرات" أن الخليفة الفاطمي المعز لدين الله كان قد وصف كيف سأل يوما عن كتاب معين أراد العودة إليه, لكن قيِّم المكتبة لم يستطع العثور عليه. وتابع الخليفة:" فقمت بنفسي إلى خزانة الكتب وفتحت بعض الصناديق وأنا قائم أطلب هذا الكتاب , من المكان الذي قدرت أنه فيه. وذلك في أول الليل, وقلبت الكتب فجعلت إذا مر بي كتاب لأتصفحه فيعرض لي فيه ما أحب أن أستقصيه, ثم يمر على يدي غيره فيجري مني كذلك مجراه, فلم أزل قائما كذلك أتصفح كتابا بعد كتاب  وقد شغلني ذلك من أن أذكر  ما أنا فيه فأجلس حتى حان نصف الليل, ونبهني على ما أنا عليه وجع شديد بقدمي من طول القيام.."
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.