spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 5
الافتقار إلى الروح العلمية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
المرحوم الشيخ أبو سلمان حسين دربيه طباعة ارسال لصديق


انتقل إلى رحمته تعالى, في قرية عين جرفا, في جنوبي لبنان, فضيلة المرحوم الشيخ الطاهر التقي الديّان المفضال, ابو سلمان حسين دربية, بعد أن أنعم الله, سبحانه وتعالى, على أبناء الطائفة الدرزية في البلاد, أن يتعرّفوا عليه, ويلتقوا به, وينعموا بحديثه ولقياه خلال سنوات, وذلك في الفترة التي انفتحت فيها الحدود بين الدولتين. وكان ذكر المرحوم الشيخ, على كل لسان, خاصة بعد أن أُغلقت الحدود نهائيا وانقطع كل اتصال. ولم يقتصر ذكر فضيلة الشيخ على المتدينين فقط, بل بلغ كافة أبناء الطائفة الدرزية, الذين سنحت لهم الظروف, بأن يسافروا إلى قرية الشيخ ويلتقوا به. وقد رُويت القصص والحكايات في كل مكان, عن أوصاف المرحوم, وفضائله ومزاياه وأعماله الخارقة. وفي صباح اليوم الواحد والثلاثين من شهر تموز 2005, عمّم فضيلة الشيخ موفق طريف, الرئيس الروحي للطائفة, نبأ انتقال المرحوم أبو سلمان إلى جوار ربه, فانتشر الخبر في البيوت الدرزية, في كافة القرى, وعمّ جو من الحزن والأسى, في كافة الأماكن الدرزية, وأخذ كل إنسان يذكر ما يعرفه, وما حدث له, مع فضيلة الشيخ, ويترحم عليه, ويتحسّر على غيابه. وقد دعا فضيلة الشيخ موفق, إلى موقف تأبيني, في مقام سيدنا شعيب عليه السلام, في مساء نفس اليوم, فهرع عدد كبير من المواطنين الدروز, شيوخاً وشبابا ونساء متدينين وغير متدينين, حتى بلغ عدد المتواجدين في المقام, في ساعة التأبين, أكثر من ثلاثة ألاف شخص. وعندما اقتربت  ساعة التأبين, امتلأت الساحة المتواجدة أمام المقام الشريف, بمئات المشايخ الدروز, الذين انتظموا في صفيْن, صف ضم مشايخ البلاد, والصف الآخر ضم مشايخ هضبة الجولان, وأخذ الطرفان يباشران عملية الندب التراثية المتبعة, التي ساد بفضلها في المكان, جو روحاني يعبق بالإيمان والخشوع والتواضع ورهبة الموت. وفي تمام الساعة السادسة مساء,دعا فضيلة الشيخ موفق الجموع, إلى القاعة الكبرى في المقام, فامتلأت القاعة بالحضور الجالسين على الكراسي, وعلى الأرض, والواقفين, وامتلأت النوافذ والباحات حول القاعة, وغصت قاعة النساء بالأخوات, اللاتي استمعن على وقائع الموقف عن طريق مكبر الصوت.

إفتتح الموقف الشيخ الشاعر إسماعيل فرحات من بقعاثا قائلاً:
"جئنا وإياكم إلى مقام سيدنا شعيب عليه السلام, لنؤبن شيخاً جليلاً, وعلماً فضيلاً, شيخنا " الشيخ أبو سلمان حسين دربية" من عين جرفا, المجاورة للمحل الأزهر الشريف.
جنّ الزمان بليل عاد يدلهم 
 والظعن سار ونار الشوق تضطرم
فما لربع زها قد عاد مكتئباً 
 وأورث البين أكباداً لها سقم
مالي أرى وجوه القوم واجمة 
 والصمت ران بحزن عاد ينفعم
وجو ناء السماء أدماها وقد وشحت
 فقد الأحبة فاحمرّت لها الأدم
شمس الزمان قد حاطت بها ظلم
  وحاشا أن تستوي الأنوار والظلم
فجاء نعي إلى الأوطان عن ثكل 
 عم صداها ربوع الشام والأكم
فغصت الروح والأنفاس تحرقها 
 وجادت العين سيلاً جارفاً عرم
يا سائق الظعن قد سقت لي أجلي 
 في نأي شيخ حبيب فضله عمم
يا سائق الظعن قد أسرعت مرتحلاً
 هل لي رجاء بلقيا السادة العظم
يا حسرتاه قد بانوا وقد بعدوا 
 عز اللقاء وعز النيل والسلم
يا معدن الجود هل عين لك نضبت
 فضلع البين كل الناس كلهم
يا معدن الحق فيك الناس قد بهروا
 يا عروة الدين فيها الكل يعتصم
مشيئة الله في علياك قد نزلت
  صبراً جميلاً عسى الغصات تنصرم
ورحمة الباري نحو الرمس واكفة
 تزجى إليك بغيث سابغ رزم
وهل يشفى مصاب القلب بعدكم 
 ومن يداوي بصوت ناعم رخم
إلهي عفوك لا تجعلنا في أصر 
 لك الرجعى ومنك الجود والكرم
حضرات مشايخنا الأجلاء إخواننا الأحباء أيها الحشد الكريم:
ها نحن نقف اليوم, وفي رحاب هذا المقام الجليل, مقام سيدنا شعيب عليه السلام, مطأطئين الرؤوس إجلالا وإكباراً وعرفاناً بالجميل, لشيخ تعلق قلبه مع الله تعالى وحدوده, فأطاعهم طاعة لا لبس فيها, ناسياً نفسه ودنياه, إلى أن أصبح إذا أراد منهم شيئاً تحقق له بفضله. وكما قيل لله قوم إذا أراد منهم شيئاً تحقق له بفضلهم, كما قيل الله بقوم إذا أرادوا أراده, أو كما قيل نحن لا نخالفه في ما يريد, وهو لا يخالفنا في ما نريد,
وأثمرت له طاعته هذه, طهارة القلب, ونقاء السريرة, فكان لا يرى إلا الجميل من إخوانه, فأحبهم وأحبوه. كما وحسن ظنه بهم, إلى أن فضّلهم على نفسه.ولقد ترادفت عليه النعم الدنيوية, فبذلها أمام إخوانه, وكأنها لهم ولم تستطع هذه الدنيا أن تحجبه عن الآخرة, فهنيئاً ثم هنيئاً ثم هنيئاً ثم هنيئاً ثم هنيئاً.

وألقى فضيلة الشيخ موفق طريف الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل الكلمة التالية:
"بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
الحمد لله رب العالمين. الحمد لله الذي تكرّم على عباده بوجود نعمته، الحمد لله الذي تقرّب إليهم بواسع رحمته، الحمد لله بلا بداية ولا نهاية على عظيم فضله بوجوده ومنّته، سبحان من تفرّد بجلال القدس والجبروت. سبحان من تعزّز بسلطان العظمة والملكوت. سبحان من حكم على خلقه بالفناء والموت وتسرمد بالبقاء والدوام وهو الحي الذي لا يموت جل جلاله.
شيوخنا الأجلاء الأفاضل, أيها الإخوة والمؤمنون، أيها الحضور الأكارم : لقد شاء القدر، الذي لا مفر منه ولا حذر، بأن يتواجد هذا الحضور العارم من الشيوخ والإخوان وأهل الدين من الجولان وكافة البلدان، في مقام سيدنا نبي الله شعيب عليه السلام, وذلك لإقامة موقف تأبيني موجوب شامل, لفضيلة المرحوم والمغفور له الراحل الكبير, والفقيد المكرّم, ولي الطهر والنور, والسر العارف بالله، ورمز التقى والفضل والخير, القريب من الله, سدّيق المعاملات والملاطفات، وقديس البركات والكرامات، وصاحب العلاقات والمكاشفات، الذي كان بإخلاصه آية من الآيات، راعي الأدعية المستجابة, وتاج المحامد والمخافر، ومعدن الدين والبر والجود المفضال الجليل الطاهر، ونبراس الهدى الديان المحق المجاهد، وشخص الوفاء السادق الأمين العابد الزاهد، الجوهر الروحاني، والعنصر الزكي. الحليم الكريم، والراحل المقيم فضيلة سيدنا وشيخنا, الشيخ أبو سلمان حسين دربية من عين جرفا لبنان, والذي سيشيع جثمانه الطاهر اليوم الأحد 31-7-2005. مما لا شك فيه بأن هذا اليوم, هو يوم مشهود, تغمّده بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جنته إنه سميع مجيب.
قال الشاعر:
 موت التقي حياة لا نفاذ لها    قد مات قوم وهم في الناس أحياء.
 إن فضيلة المغفور له, الراحل المرحوم, فقيدنا وفقيد أهل الدين والطائفة أجمع, شيخنا الشيخ أبو سلمان حسين دربية، هذا الولي المخلص, الذي يستحق أن تقول فيه (رضي الله عنه ونفّعنا ببركاته). وأيضاً (يا لها من ركضة إلى الفردوس الأعلى )(ويا لها من لحقة بالرفيق الأعلى). وهذا المحب المسداق الشهير، والعلم الوضّاء المنير،الذي تقصر عن وصف فضائله القراطيس والأقلام، وتعجز عن إعطاء حقه الألفاظ والأفهام، فيا له من مفضال راجح، ويا له من مؤمن فالح صالح، جاهد حياة الدنيا والنفس والهوى، وسلك منهاج الورع والعفاف والتقى، قد أذلَ نفسه فأعزّها، وأهانها فأكرمها، وأماتها فأحياها، عمّر قلبه بسر اليقين وأفضل الزاد، وبالغ مُجدّاً بتحصيل حسن الولاء والاعتقاد، فكان الجوهر المثالي ذات النفس الرضية السمحاء، والمآثر الشريفة الغرّاء، التي تميّز بها, وارتقى إلى الذروة العليا حقّاً وحقيقة. وكذلك فلا غرو على أمثاله ذوات الفضل الذين قيل فيهم :( لله قوم إذا أرادوا أراد)، فالمرحوم الشيخ أبو سلمان حسين, كان غنياً بكافة تلك المواد الجوهرية النفيسة المُصاغة من تكامل الثقة، ومكارم الأخلاق، وصفاء القلب، ونقاء السريرة، ومن حميد الصفات، وفاخر الخصال، وحسن النوايا، وسعير الفعال، وثاقب البصيرة، ولا سيما أن وجود شخصيته الكريمة القادرة كانت بجوار المحل الأزهر الشريف البياضة العامرة.
وبعد, فإن بفقدان فضيلته, فقدت مجموعة كافة أهل الدين في الجزيرة, عيناً من أعيانها الأماثل، وركناً من أركانها الأفاضل، وعلماً رافعاً، ومناراً ساطعاً، ورمزاً للمحبة والوفاء، وعنواناً للتواضع والسخاء. وخسرت الطائفة بهذا الفراغ الكبير, من هو كان معروفاً براعي المكرمات والألطاف الخفية، ومخصوصاً منه تعالى بتلك المؤهّلات, وصلة بصيرته بكشف الأنوار المضوية. فما أحسن المعاملة مع الله! فهنيئاً لروحه الرضية المرضية الطاهرة، وطوبى له لما تزوّد من صالح الأعمال للدار الآخرة، رحمه الله، وهذه مشيئة الله في خلقه.
وفي النهاية, فإني أتقدم موجهاً باسمي واسم الطائفة من هنا, من رحاب قداسة المقام الشريف، مقام سيدنا النبي شعيب عليه الصلاة والسلام, بإرسال التعزية الحارة, وأخلص المشاعر وأطيب المودة والتحيات, إلى أنجال المرحوم, وعموم أفراد بيت دربية وذويهم, وجماعة الأهل في عين جرفا الأكارم بصورة خاصة، وإلى مشايخنا وإخواننا وأهلنا الأعزاء بجوار البياضة الشريفة، مروراً بالوادي الأزهر، وفي الجبليْن والشمال بصورة عامة، وعلى رأس الجميع سيادة المفضال الفضيل الجليل الأغر، والقطب العماد المنير الأطهر، فضيلة سيدنا الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين، العلم المدار الموقر الرزين، وفّقه المولى سبحانه وسدده وأعزه وأسعده. ونسأله تعالى العوض بسلامة حضراتكم جميعاً ، وأن يلهمنا مع الأهل الأعزاء جميل الصبر والسلوان، ويتغمّد فقيدنا الغالي بالرحمة والرضوان، ويسكنه فسيح الجنان، إنه الغفور الكريم المنّان، والحمد لله وحده، وإنّا لله وإنا إليه راجعون.
 
وألقى الشيخ أبو حسن علم الدين أبو صالح الكلمة التالية:
"بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم
ألحمد لله, ولي الحكمة, ومنتهى الإنعام والرحمة، الذي جاد بالخير تفضله, فله الحمد كما هو أهله، والشكر لصفيه الهادي, الذي عدل بنا عن سبيل الجاحدين، وكشف لأبصارنا عن البيّنات والبراهين، وجعلنا من الموحدين هداية منه لنا إلى رب العالمين.
شاء القدر في ساعة محتومة مرقومة ومكتومة, سرها معلوم, ومعلومها مكنون, في حينه تلقينا نبأ صاحب التقوى والديانة, ومثال العفاف والصيانة, بوفاة صاحب الفضل والفضيلة, التقي النقي الشيخ أبو سلمان حسين دربية رحمه الله, حاوياً من الفضائل الإلهية, والمواجب الدينية, أقرّت له أرباب الأفهام والعقول, بعد أن حُقن في عنصره الأطهر, تلك القواعد والأصول. لقد حباه الله, الحسن والبهاء والجمال، ومنحه الكثير من أوصاف الكمال، كالصبر والاحتمال، والعدل والإحسان، ولم الشمل بين طبقات الإخوان، قائماً بالفروض والواجبات، الممنوح من قِبل الله تعالى ومن وليه العقل, والسكون والصيانة ومكارم الأخلاق والمواساة, فلما ظهرت عليه هذه الأخلاق الحميدة, بانت له المزية والفضيلة, هنيئاً له رحمه الله، رسخت لديه معالم الهدى في قلبه المملوءة بالإيمان, بعزيمة أكيدة تغني بشهرتها عن البيان, توفيقاً له إلى نهج السبيل وإلهاماً له بمشيئة الرحمن.
كما قال بعض العلماء العارفين:" علماً يقوم مدققاً ومحققاً, لعلم شعت الفضل بعد شتائه، يُمسي ويصبح عابداً ومجاهداً في الدين بين مسائه وغداته".
أيها الحشد الكريم, ليس الخلود في هذه الدنيا للأجساد, بل هي أعراض زائلة, بل الخلود للمآثر الجوهرية الخاشعة العارفة اللمّاعة التي تهب لصاحبها البقاء بعد الفناء والممات, هنيئاً لمن ثبّت أركان عبادته, بدوام التذكار, وهنيئاً لمن هذّب نفسه في الآداب والاستشعار, وهيّأها للفهم تأييداً للسعادة والاستبشار، وقابل أنوار حقائقها في التواضع والذل والانكسار، فيا سعد من حوى في قلبه من فضائلها, كان من وليه مدلولا, وبادر في الخير اغتناماً لفرصة عمره عند الله مقبولا. رحم الله شيخنا الجليل الراحل, وأن يلهم ذويه والعائلة الكريمة الصبر والسلوان . وختاماً الخشوع والإجلال والإكبار لله سبحانه أحداً سبحانه صمداً هو الباقي بلا زوال. 
 
وألقى الشيخ عاطف شعلان الكلمة التالية:
"بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للموجود بلا زوال، والمنفرد بالقدرة والكمال، المنزه عن الأقوال والأفعال، والذي تفرّد بالعظمة والجلال. وصلى الله على الذي من عند الله بُعث وبأمره نطق وإلى أمره دعا، وعرف الحق وأراده قوّاماً.
قيل: الدهر ذو دول، والموت ذو علل، والمرء ذو امل، والناس أشباه
ولم تَزلْ عِبرٌ فبِهُنَّ معتبرٌ 
 يجري بها قدرُ والله أجراهُ
وكلّ ذو اجلٍ يوماً سيبلغه 
 وكل ذو عملٍ يوماً سيلقاهُ
سادتي الشيوخ الأفاضل البارة المؤمنون، طوبى للإنسان الذي يجد الحكمة, وللرجل الذي ينال الفهم, لأن تجارتها وربحها خير من الذهب الخالص, لأن في يمينها طول أيام, وفي يسارها الغنى والمجد. قال السيد المسيح عليه السلام: الرب بالحكمة أسس الأرض, وبالفهم اثبت السموات, فالحكماء يرثون مجداً، والحمقى يحملون هواناً.
سادتي نفذت المشيئة, ونقله رب البرية, فغاب شمس من شموس العصر, في حجب ضيق اللحود, فكانت فادحة دهماء، وداهية دهياء، وبلية صماء، وقطيعة عظماء، وجد عظيم، وفادحة عميمة، فالألباب حارت، والخطوب جارت، والحسرات ثارت،على فقد شيخنا ودليلنا عنوان الزهد والتقى الشيخ الفاضل المفضال, ألا وهو الشيخ أبو سلمان حسين دربية، ريحانة الجنوب, وزهرة البياضة, العامل بأمر الله، الملتزم بالنافع المحمود، سالم القلب، طاهر السريرة، نبراس العشيرة، مفيد الإخوان، ومرشد الأقران، فخر السادات الأكابر، وصاحب المنازل العالية، والرتب الرفيعة، والعقل الرجيح، والنفس البارزة، والأخلاق الرضية، والبصائر الألمعية, والذي شهر الله فضله بعدة قضايا حدثت معه, وذلك باجتنابه للضار المذموم، والتزامه بالنافع المحمود، حتى أصبح من الطبقة التي علمت فعملت، وأخلصت حتى أصبح من المتطهرين, الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فرحمك الله يا أبا سلمان, رحمة من سرادق العزّة الإلهية, لأنك ركبت مطية لا تكبو، وهو الصدق. وتقلدت بحسام لا ينبو وهي المعرفة, لأنك اعتصمت بجلباب الحق, حتى غدوت من الذين لا يأخذهم في الحق لومة لائم.
سادتي الشيوخ, إخواني الميامين, ليس لمثلي الملتحف بجلباب التواني والتقصير, المعترف بعظمة الذنوب, الواقف على باب أكرم الأكرمين, أن أقف لأرثي أمثال هؤلاء السادة الأعيان, لذا ألتمس رضاكم, وألثم الأيادي والركبان, فأنتم أعظم الناس, نعمة الرافع إلى رضوان الله, وأشرف الآخرة, اللهم تجعلنا في الدنيا أشتات, وفي الآخرة أموات, وأن تفرّج عنا هذا الكرب, بحرماننا بمشاركة إخواننا في سوريا ولبنان, سراءهم وضراءهم, وأن تجمعنا على بساط رضاك . وإنا لله وإنا إليه راجعون.
 
وألقى القاضي نعيم هنو, كلمة شاملة, ذكر فيها مناقب الفقيد, ومما قاله عنه :" كان ناسكاً متعبداً, ناهلاً من أعماق جواهر العلم, فائضاً بالمعرفة, متمسكاً بالعروة الوثقى, مجاهداً نفسه في مرضاة ربه, فوفقه الله فيما يرضيه, وقرّبه إليه, وأسبغ عليه من نعمه ما يكفيه, وزوده ليوم الميعاد بخير الزاد, وإنما خير الزاد التقوى".

وألقى الشيخ جميل طاهر زويهد, كلمة جاء فيها :" هذا اليوم, وبرحيل الشيخ الفاضل أبو سلمان, يكتنف الحزن والأسى سائر أبناء التوحيد في كل مكان، الشيخ التقي النقي الطاهر الديان, شيخ التواضع والسماحة, شيخ اللطف والرقة والإنسانية, موئل الإخوان وصاحب الديار العامرة". وجاء في كلمة الشيخ علي معدي عن الشيخ ما يلي :" لقد اختفى مسلك الرعيل الأول من مشايخنا وساداتنا، رعيل شيوخ بررة أتقياء طهرة, اتخذوا من التواضع مسلكاً, ومن صفاء النية أساساً, ومن كتاب الله خير جليس, ومن ذكر الله خير أنيس..."

وجاء في كلمة الشيخ خليل عبد خليل, عن الشيخ, أنه كان قدوة السالكين, وعميد الناسكين والإخوان, ورشيد الأفاضل الأتقياء الخلان .اختتم الموقف بقصيدة ألقاها الشيخ مجد حلبي نوردها كما يلي:
في الخلقِ قد ظهرت لله آياتُ 
 دلتْ على حكمةِ الرحمن غاياتُ
غايات خِلقته فالعقل غايتها 
 به   أُنيطَ    لِخلقٍ       انتقالاتُ
فالموتُ كاليقظة فالناس تنذعر 
 فإنّ   في   قدَر   الجبّار   آهاتُ
لا ينفعُ هربُ الإنسانِ من قدرٍ
  فكل نفسٍ لها    للموت  سيقاتُ
يا طير غرِّد بنوْحٍ طار مبتعداً 
 ذا الطير فانبعثتْ في الروح حسراتُ
با حسرةً فأبا سلمان مرتحلاً 
 عنّا ففي ملكوت الشرق واحاتُ
حقاً فوالدنا   سلمان  كرّمهُ 
 للشيخ قد بهرتْ نوراً كراماتُ
فهوَ التقيُّ الطاهرُ الأنفاس مبتهلٌ
  تكاملت بالتُّقى فيهِ مَزِياتُ
فيه قد برزت، في نعته عجزت
  عن وصف ذاته أشعارٌ وأبياتُ
شيخٌ فضيل تُرابيٌّ تواضعه 
 صَحَتْ له بولا سدق مغالاة
في حبّ خالقه فالنفسُ قد انِسَتْ
  فذُوِّقَتْ من نعيم الأنس رشحات
نَبتُ الرضى أثمر التسليم مكتملاً
  بالنفس فامتزجت بالله مزجاتُ
يا شيخنا صُرِفتْ لله مهجتكَ 
 صحت لك للهُدى بالطُّهر نيّّاتُ
عشقاً فقد خَلُقَتْ لله نيّتكَ 
  بالشوق قد سُمعتْ للقلب أنّاتُ
أنتَ المُحبُّ وأنت الطائعُ أبداً 
 رِقُّ العبودية فيها مسرّاتُ
طوبى لك بطلاً فالنفسُ قد خُمِدت
  قهراً فإنّ لك في الحربِ كرّاتُ
قد فاحَ عِطرُ الولا لله منبعثاً 
 منكَ فامتلأتْ في الكونِ نفحاتُ
تَرَنَّحَتْ من شذاكَ الناسُ مَنْ نَسَموا
 روحَ الحياةِ رحيقاًً فيهِ نسماتُ
فالوردُ مُختبلٌ،منكَ استعارَ شذىً
  أيضاً فقد ثكِلتْ للهجر نحلاتُ
نجمُ الهدى افَلَ والجَوُّ  قَدُ ظَلُمَ
  من حزنِها أظلمَتْ غُبْناً سماواتُ
لِمَنْ تَرَكْتَ اليتامى يا مُؤدبنا 
 فاسمعْ فقد ندهت للغوثِ أصواتُ
يا سيِّداهُ أبانا آهٍ   فيا  أسفاً 
 فهيَ عِبارات أحزان ٍ وعَبَراتُ
عليكَ سيدنا رضوانُ مُبدعنا 
 كالغيثِ قد هطلتْ للشَّفْعِ رَحماتُ
لنا بسيدنا الجوّادِ منْ عِوَضٍ 
 في صَوْنِهِ أنِسَتْ أُسُدٌ ولبواتُ
لِعَيْنِ جرفا والبياضة أسفي 
 أُنْساً تعزّوا نمت للقبر باقاتُ

وأرسل فضيلة الشيخ, ابو محمد نور الدين حلبي, قاضي محكمة الإستئناف الدينية الدرزية سابقاً, الرسالة التالية للرئاسة الروحية, فقد تعذر عليه الوصول في الوقت المناسب إلى الموقف, وهذا ما كان بوده أن يقوله فيما لو وصل:
" بسم الله الرحمن الرحيم, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
في هذا اليوم المشهود, إذ تجتمع الطائفة الدرزية في البلاد, في المقام الشريف, تحية وإجلالا لفقيدنا الكبير, الشيخ المرحوم أبو حسين سلمان دربية, نبعث بأحر تعازينا ومشاركتنا, إلى جميع إخواننا دروز وادي التيم ولبنان, وإلى كافة المشايخ والأجاويد, في رحاب الجزيرة الشامية, وإلى كل أهل التقوى والإيمان والتوحيد, في كل مكان, ونحن ضارعون للمولى العلي القدير, أن يتغمد المرحوم بوافر رحماته, وأن يسكنه فسيح جنانه, وأن يلهم أهله وذويه وأبناء عشيرته, الصبر والسلوان.
كان المرحوم الشيخ أبو سلمان, من أتقياء هذا الجيل, ومن المشايخ الأجلاء, الذين أصبحت أعمالهم ومواقفهم, منارا وهداية ومشعلا, أمام جموع التوحيد في كل مكان.
 لقد كان المرحوم, أصيلا أصالة جبل الشيخ, وعريقا عراقة الوادي الخالد, ونقيا نقاوة البياضة الزاهرة.
 لقد نعمنا بصحبته وقربه سنوات طويلة, وتعلمنا منه الكثير, واكتسبنا من خصاله ومناقبه وكراماته, فشعرنا معه بالعزة والكرامة, وشموخ هذه الطائفة الأبية الكريمة.
إن التواضع, والسماحة, والهدوء, والمعرفة, والبساطة, والهمة العالية, والوجه السمح, والمؤازرة والنخوة, كل هذه صفات, لمسناها وتعرفنا عليها, ونعمنا بها, في وجه فضيلة شيخنا الذي يرحل عنا, تاركا وراءه, بصمات كثيرة, من الكرامة والسؤدد والإحترام.
فإلى جنات الخلد يا شيخنا الكريم
وإلى كبار مشايخنا الأفاضل في رحاب الجزيرة الواسعة, ندعوكم أن تسدوا لنا هذا الفراغ الكبير, الذي يتركه لنا فضيلة الشيخ الراحل رحمه الله.
وإلى إخواننا هنا وفي سوريا ولبنان, نقدم تعازينا,  داعين لكم, بطول العمر والصحة والسعادة والكرامة والهناء.
وإنا لله وإنا إليه راجعون." 

وكتب "للعمامة" الأستاذ الشيخ وسيم سلامة المدرس في المدرسة الدينية الخاصة في مقام النبي شعيب (ع) عن المرحوم مقالة مطولة عن مناقبه وخصاله نذكر منها الأسطر التالية:" حباه الحق قلبا ناصعا مشوقا لا يمل من الصلاة وطرفا له يرنو إلى غاية الغايات وروحا زكية عبقت بالطهر كريحان يداعبه نسيم صبا الحياة, وهالة تواضع صفت وسمت به إلى أسنى وأعلى الدرجات, لما في ذاته المأنوسة من التذلل والإنكسار لمبدع المبدعات فلم يزل أمره في علو ورجحان حتى ظهرت فضائله على الأقران وشاعت شمائله ووضحت مكارمه , فأصبح بيته محجة للقاصدين ومنهلا للواردين وملجأ للعامة من كافة الناس أجمعين, فهنيئا لتلك الروح الأبية الزكية والنفس السنية الرضية..  

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.