spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 86
احتفال الطائفة الدرزية بتدشين مقام الشيخ الفاضل (ر) الجديد
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 138
العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134


 
كلمة العدد: شراسة "الغرب الراقي" مقابل شهامة "الشرق المتأخر" طباعة ارسال لصديق

ورد في كتب التاريخ، أن ملوك ورؤساء الإمبراطورية البريطانية، أمثال السير ونستون تشرشل، كانوا يستشيطون غضبًا وهم يرون الزعيم الهندي الكبير، المهاتما غاندي ملتحفًا مئزره وشاله البسيطين، حتى في المقابلات الرسمية في قصر بكنغهام، وبحضور الملكيْن جورج الخامس والسادس ورؤساء الحكومات. وذات مرة، سأله أحد الصحفيين الإنكليز: سيد غاندي، ألا تعتقد أنك كنتَ ترتدي القليل من اللباس مما لا يليق بمناسبة لقائك بجلالة الملك؟ فأجابه غاندي: لا تقلق، لقد كان جلالته يرتدي ما يكفي لكليْنا. وكان المهاتما غاندي يصرّ على ملابسه شديدة البساطة تلك، ليكون مثل أفقر رجل في الهند. هذا الزعيم الكبير، هو الذي استطاع أن يقود أحد أكبر الشعوب في العالم إلى الاستقلال من الاستعمار الغربي، بواسطة نضال غير مسلّح وبدون استعمال العنف، وقد كان مثقفا جامعيا، تخصص بالمحاماة، وكان بإمكانه ان يكون أحد أفراد الأسر الراقية أينما سكن، لكنه أعلن مبدأ البساطة والعفوية في لباسه ومأكله ومشربه وتصرفاته، لكي يعبّر عن مشاعر أبسط مواطن هندي، ويكون له الحق أن يمثله في طلب الاستقلال.
وجدير بالذكر أن الهند كانت في النصف الأول من القرن العشرين، ثاني أكبر دولة في العالم بعد الصين، لكنها كانت فقيرة جدا، وشعبها بعيد كل البعد عن التقدم والتطور، الذي شهده الغرب في تلك الفترة. وقد كانت مستعمرة منذ قرون هي ومئات ملايين سكّانها، من قِبل انجلترا، التي بلغ عدد سكّانها عشرة بالمائة فقط من سكان الهند. وبدأت موجة التحرّر والاستقلال من الدول المستعمِرة بعد الحرب العالمية الأولى، وكانت الهند من أوائل هذه الدول التي طالبت بالاستقلال، بعد أن استغلّت إنجلترا كل خيراتها ومواردها خلال مئات السنين. وكان الشعب الهندي فقيرا، لكنه كان شجاعا باسلا مقداما، ولو اضطُر إلى حمل السيف لاستطاع أن يحقّق ما يريد، لكن ظهر في تلك الفترة، المهاتما غاندي، وهو عبارة عن إنسان روحاني، وزعيم إنساني معتدل، تشبّع من عقائد الشرق ومن فضائل الأديان في تلك المنطقة، وأراد أن يثبت أنه بالإمكان أن يأتي بنهج آخر، بعد أن شهد العالم شراسة الحرب العالمية الأولى. فأعلن النضال المسالِم المجرّد من العنف، وكان ذلك في وقت بدأت عمليات التسلُّح والاستعداد لحرب جديدة في أوروبا، كانت أبشع وأشنع وأشرس بكثير من الحرب العالمية الأولى، وهي الحرب العالمية الثانية. واستطاع غاندي أن يقود شعبه إلى الاستقلال، بدون أن يسفك الدماء، ويهدم البيوت، ويخرّب الاقتصاد. وظلّ غاندي زعيما عالميا معترَفا به، في كل الأوساط الدولية، إلى أن قام أحد المتطرفين في بلاده، واغتاله وقضى على مسيرته السلمية، وذلك بعد تحقيق الاستقلال.
 ويمكن أن نشبّه أسلوب حياة المهاتما غاندي الذي تميّز بالبساطة، والمسالمة، والمقاومة المدنية، والتعامل بلين ورفق، ولكن بصرامة واحترام ذاتي، وإصرار، بمسيرة زعيم آخر عاش في تلك الفترة، وأعلن الثورة في بلاده للحصول على الاستقلال، لكن ظروفه كانت تختلف، فاضطر إلى استعمال السلاح، كشرّ لابدّ منه، لكنه تعامل برفق ولين مع أعدائه، وهو عطوفة سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى. ولا غرابة أن تنبثق هذه المبادئ في الشرق، وخاصة في آسيا، وبالتحديد لدى ابن بارّ للطائفة الدرزية، ولدى زعيم كبير للشعوب الهندية، حيث تربط عقائد مشتركة بين الطرفين، ويؤمن سكان هذه البلاد، وسكان تلك البلاد، بمبادئ وأصول تحمل الفضائل الروحانية، والسمات الإنسانية، والاشارات الرقيقة، والوسائل المجدية.
وهذا ينقلنا إلى أحد المقوّمات الرئيسية في الكيان التوحيدي الدرزي، وفي مسيرة الطائفة الدرزية منذ تأسيسها قبل ألف سنة حتى الآن، وهذا المبدأ، هو محاولة تحقيق المطالب، والأهداف والغايات بالحسنى، وترك اللجوء إلى استعمال القوّة فقط، كردّ فعل للتعدّي وللدفاع عن النفس. وقد أثبت الدروز في كافّة حروبهم ومعاركهم ونضالاتهم، أنهم لم يعتدوا يوما على أحد، لكنّهم تحوّلوا إلى اسود فتّاكة، حينما اعتُدي عليهم. ومع كل هذا، كشف سلطان باشا الأطرش وباقي زعماء الثورة السورية الكبرى، عن مبادئهم الأصيلة، ومناقبهم الإنسانية، حينما حاربوا كأبطال وكرجال، وقاتلوا جيوشا وجنودا وقيادات مثلهم، فيها رجال وفيها مقاتلون. ولو أراد سلطان الأطرش أن يستغلّ ضعف النساء والأطفال، لاستطاع أن يحقق إنجازات أكبر بكثير مما حصل عليه، لكنه تجاوز عن كل هذه الدناءة التي مارسها الآخرون، وظهرت بشاعتها في أوروبا " الراقية المتمدنة" أثناء الحرب العالمية الثانية، والحرب الأهلية الإسبانية، حيث أزهقت ملايين الأرواح، وخربت بلاد، واستعمل الإنسان السلاح الذري لأول مرة في الحياة !!  ظهرت كل هذه الشراسة عند الغرب "المتمدن الراقي"، الذي كان ينظر إلى الشرق وشعوبه باستعلاء وترفع، لكن هذا الشرق أثبت على الأقل، في زعيميه غاندي وسلطان الأطرش، أحلى آيات العفة، والنزاهة، والإنسانية، والترفع، والتجاوز، والتسامح، واحترام النساء والأطفال والعجزة، وعدم حشرهم في النضال العسكري، ومواجهة الموقف برجولة وبطولة وبسالة وشهامة.
وفي هذه الأيام، ونحن نحتفل بالزيارة السنوية لمقام سيدنا الخضر(ع)، يسعدنا أن نرى أن الأوضاع في سوريا بدأت بالهدوء، وقد رفعنا رؤوسنا وشعرنا بالفخر والاعتزاز، عندما هبّت الطائفة الدرزية في البلاد، ووقفت هي والحكومة وقفة بطولية من أجل حماية قرية حضر. ونحن نبتهل إلى الله، سبحانه وتعالى أن تعود المياه إلى مجاريها في سوريا، وأن يعيد المواطنين الدروز، وكذلك كافة سكان سوريا، إعمار بلادهم وترميم ما هُدم وما تضرّر خلال فترة قصيرة، وأن يستعيدوا مكانتهم الرفيعة، وإنجازاتهم، ومواقفهم المشهودة في تاريخ سوريا والأمة العربية. كما وندعو الله العلي القدير، أن يوفق إخواننا في لبنان وفي المملكة الأردنية الهاشمية وكذلك في بلادنا، وأن تظلّ الطائفة الدرزية شامخة رافعة الرأس تفتخر وتعتز أنها لم تتعدّ يوما على أحد، وأنها تستميت من أجل الدفاع عن مقدساتها، وهي تقوم بزيارة المقامات اعترافا بفضل الأنبياء وبمكاناتهم، وتباركا بقدسيتهم، معربين عن الحمد والشكر لله سبحانه وتعالى على النعم التي يمنحنا إياها. وكل عام وأنتم بخير.
زيارات مباركة
وكل عام وأنتم بخير

سميح ناطور
دالية الكرمل
كانون ثاني 2018
 
 Image

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.