spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 125
وحدة الصف
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 140
العدد 139
العدد 138
العدد 137
العدد 136


 
ألمُخدرات.. آفة العصر والمُجتمع طباعة ارسال لصديق
بقلم الشيخ أبو محمد رياض حمزة
Image

لقد بات جلياً واضحاً للجميع أن المخدرات تُسبب لمستعمليها، وللمجتمعِ مِن حولهم، كثيرا من المصائب والضربات النفسية والاجتماعية والاقتصادية، فالمدمن على الغالب هو إنسان ضعيف الشخصية، مُتبلد الإحساس، سريع الانفعال ويعاني من الاكتئاب والانفصام في الشخصية أحياناً، وهو إلى ذلك مريض جسدياً وعقلياً ويحتاج إلى عناية صحية خاصة. وهو يلعب دورا كبيرا في إحلال الانحطاط الأخلاقي، وانعدام الضوابط السلوكية في المجتمع، وتفتُت الروابط الأسرية، ويُصبح ضحية لهذا كله، وبالتالي فانه يجنح إلى الإجرام وانتهاج مسالك السوء والرذيلة على أصنافها واختلافاتها، أو يتحول الى الانطواء المؤدي إلى العُزلةِ أو الانتحار أحياناً. أما المدمنات من الفتيات، فكثيرا ما يجدن أنهن منبوذات مضطرات إلى احتراف الرذيلة والبغاء، بغية توفير ثمن المخدرات، أو للانتقام من المجتمع الذي غدر بهنَّ، أو مِن الأسرة التي لم تُحسن تربيتهن، والاهتمام بهنَّ كما يجب. ولقد ثبت علمياً أن للمخدرات آثار نفسيه واجتماعية وأسرية وصحية واقتصادية بالغة الأهمية على المُدمِن, مِن أهمها:
نفسانياً: كثرة القلق والتوتر( مع الميل للاكتئاب واحتمال الإصابة بانفصام في الشخصية) الشعور بالذنب والرغبة في عقاب النفس، الحساسية والعصبية مع  أرق  مستمر  ورغبة  شديدة في النوم، الخوف واليأس والإحساس بالذنب، هلوسة مع  تخيلات سمعية  وبصرية، الاتجاه نحو العدوانية مع شعور بالعدوانية والنقص، عدم القدرة على تحديد الزمان والمكان والمسافات، نشوة مؤقتة يليها اكتئاب رهيب، الأنانية  والإصرار على  إشباع  الرغبات بأية وسيلة، ضعف في النشاط والحيوية وعدم القدرة على العمل. ومِن المعروفِ والمُسلّم بهِ، أن العديد من الأدوية والعقاقير المُخدِّرة والمخدرات, تؤثر تأثيراً كبيراً على الحالة النفسية  والعقلية للفرد، فهي تُسبب له، في حالات عديدة، توتراً كبيراً، وتعيق قدرته على الأداء الوظيفي الملائم. يمكن رؤية هذه الآثار، ليس فقط عند من يتعاطى, ولكن أيضا عند من يعالج. وفي بعض الحالات  يمكن أن يؤدي التعاطي إلى أضرار نفسية وفسيولوجية مستديمة. يمكن التغلب على هذه الآثار ومُخلفاتها لدى العديد من المدمنين، عن طريق العلاج الطبي والنفسي المُكْلِف والدعم المعنوي المُكثّف. ومِن المعروف أن المدمنين على المخدرات لا يهمهم أي شيء في هذه الحياة، سوى الحصول على الجرعة التالية من المخدر، وفي بعض الحالات، يفعلون أي شيء بما في ذلك ارتكاب الجرائم للحصول عليها، وهذا بدوره يمكن أن يؤدي بهم إلى السير في طريق الدمار والخراب الذاتي الذي قد يصعب الرجوع منه دون مساعدة مهنية. وكما هو الحال بالنسبة للإدمان، فإن لبعض العقاقير آثار نفسية وعقلية قوية ومستديمة، فقد يؤدي تعاطي بعض المواد المُخدرة إلى حالات من النسيان والأوهام، وخصوصاً عقاقير الهلوسة المتميزة بتأثير جذري على عمل الدماغ، حيث يصعب جداً على المتعاطين لها لفترات طويلة، العودة إلى الواقع اليومي المعتاد. وتشتهر بعض العقاقير أيضا بقدرتها على التسبب في تفاقم حالات الصحة النفسية والعقلية لدى الشخص المدمن، قبل ادمانه وإثارة حالات كانت خامدة كامنة من قبل.
اجتماعيا وأسريا: الشعور بعدم الانتماء للأسرة وعدم الاحساس بالمسئولية اتجاهها، مما يؤدي الى التفكك الاسري، وما ينتج منه كالطلاق والهجر وتشرد الابناء والعزلة عن المجتمع وعدم المشاركة في المناسبات  المُهمة في  تحقيق التماسك الأسري، واكتساب السلوكيات السيئة كالكذب والسرقة(وهذه الظاهرة مُنتشرة وللأسف في قرانا) والاحتيال  والشذوذ على انواعه، وقد  ثَبُت أن تعاطي المخدرات من العوامل الرئيسة المؤثرة في زيادة ارتكاب الجرائم. ويعتبر تعاطي المخدرات والكحول من الأسباب الرئيسية في  حوادث الطُرُق، وبالتالي  في زيادة  عدد الوفيات  والإصابات  الشديدة والإعاقة، والى سوء علاقة المتعاطي مع جيرانه وزملائه في العمل أو المدرسة، ويصبح منبوذا، وقد يُفْصَل من العمل أو الدراسة.  ويؤدي ذلك الى سوء التحصيل العلمي والهروب أو التسرُّب من المدرسة أو الجامعة، والى انتشار الرذيلة، وفقدان القدوة الشخصية، وانعدام المُثل والأخلاق في المجتمع. والمتعاطي يؤثر تأثيرا سلبيا على العديد مِن الأفراد الاسوياء، ويدفعهم الى التعاطي فهو بؤرة السوء ومنبع الفساد، وازدياد عدد المتعاطين في المجتمع يؤدي الى دماره. وتُصبح آثار ومخلفات تعاطي المخدرات، والإدمان عليها عبئاً ثقيلاً على الأشخاص المصابين بها، ولكن ليس فقط المتعاطون هم الذين يعانون من ذلك، وإنما أسرهم أيضا وأصدقاؤهم وزملاؤهم والمجتمع ككل.
وفي حالة تعاطي الأطفال والأولاد والمراهقين للعقاقير المخدرة، الطبية العلاجية منها، وغير العلاجية، فإن هذه العقاقير تؤثر تأثيراً سلبيا على النمو الجسدي والعقلي والفكري والنفسي للمتعاطي، مما يؤدي إلى خسائر يتحملها هو والمجتمع ككل، وهذه الظاهرة وصلت إلى ابواب مدارسنا، وللأسف في الآونة الأخيرة، والأخبار حولها يتناقلها الطلاب وبعض المعلمين كذلك، ويد المسئولون قصيرة، أو أنها ترتجف خوفاً مِن المُرَوِّجين  للمخدرات. كما ويواجه المتعاطون البالغون درجات مُتفاوتة ومتباينة من المشاكل الاجتماعية والوظيفية، الفكرية والجسدية، نتيجة لتعاطيهم للمخدرات، وعندما يكون أحد أفراد الأسرة متعاطيا للمخدرات بشكل دائم، فإن ذلك يلقي عبئاً كبيراً على الأسرة الموسّعة ككل وعلى أهل بيته بشكلٍ خاص.   وكثيراً ما يُسبب التعاطي للمخدرات الوفاة للمتعاطي نتيجة للجرعة الزائدة، أو المغامرة غير المحسوبة، وحتى في حالات التعاطي الأقل خطورة، فإن المخدر يؤثر حتماً في إنتاج الفرد في عمله وتحصيله، اذا كان بمقدوره أن يعمل اصلاً، تأثيراً كبيراً، ويمكن أن يتسبب التعاطي المكثف للمخدرات إلى إعاقة الأداء الوظيفي والمَعْرِفِي للفرد، والى الإصابة بحالة انفصام الشخصية والأوهام والاضطرابات الذهنية والعجز الجنسي والعديد من المُخلّفات الأخرى التي قد تؤثر تأثيراً سلبياً على مسار حياة المدمن ومَن حوله.
صحيّا: من أهم التأثيرات الصحية, حسب التقارير الطبية الواردة، قلة الحركة والنشاط وضعف المقاومة للأمراض والصداع المزمن والشعور بالدوار (الدوخة ) واحمرار العيون واحتقانها والتهابات رئوية مزمنة, واضطراب الجهاز الهضمي الذي يَنْتُجُ عنه سوء الهضم، والشعور بالانتفاخ  والامتلاء والتخمة واضطراب وظيفي بحواس السمع والبصر مصحوبا بطنين في الأذن والإصابة بسرطان الرئة او الحنجرة أو كلاهما معاً وتلف الكبد والتأثير على النشاط الجنسي, فالمُخَدِّر  يقلل من الطاقة الجنسية ويُنْقِصُ من افرازات الغدد الجنسية.
اقتصاديا : إن التأثير الاقتصادي لتعاطي المخدرات لا ينعكس سلباً على ما يُنتجهُ الفرد المتعاطي ودخله فحسب, بل ينعكس أيضا على مدخول ومصروفات الأسرة المحيطة بالمتعاطي نفسه، وكذلك على الدولة برمتها، فنظرة واحدة فقط إلى المبالغ التي تخصصها كل دولة لمكافحة هذه الظاهرة، وخاصة ظاهرة الاتجار بها، من حيث إعداد الأجهزة المتخصصة لمكافحتها( شرطة، محاكم، سجون، مراكز بحوث جنائية وطبية، إنشاء عيادات طبية ونفسية ومستشفيات متخصصة) تجعلنا نُدرك أن ذلك يكلف الدولة الكثير من الأموال والطاقات البشرية المهدورة سُدىً.
وبما أن للمخدرات كل هذه المساوئ، على جميع الأصعدة، الصحية الجسدية منها والنفسية والاقتصادية والاجتماعية والأسرية، فقد حاربتها الأديان السماوية جميعا، وحاربت زارِعيها ومُنْتِجِيها والمروجين لها، خاصة لكونها تضر بالنفس البشرية التي خلقها الله، سبحانه وتعالى، وعمل ويعمل على صيانتها والتصرُّف بأمورها كما يراه مناسباً لها، الى جانب تحريمه المساس بها أو استنزافها وقتلها. فالمتعاطي والمُروِّج والبائع، مُخَالِف لأمرِ الله سبحانهُ، عاص لشرعهِ وتعاليم انبيائه ورُسله الكرام، ولذلك يستحق سخط الله تعالى عليهم.  وبعض الأديان ذهبت في التعامل مع كل مَن له علاقة بهذا الموضوع مذهب النبذ والبُعد والحرمان، فزارعها وصانعها ومُدمنها مُبعدون عن الدين والمجتمع، لا يشاركهم أحد افراحهم ولا أتراحهم،  وهُم لا يُرحمون. وقد جاء تحريمها، تجارة واستعمالاً، لأنها تذهبُ بالعقل كالخمر والمُسْكِر، وما كان كثيرهُ مُسكِراً، ذاهِباً بالعقل، فقليلهُ حرام. والمخدرات تذهب بالعقل وتُدَمِّر جسد صاحبهُ، وهذا حَرَّمهُ الله تعالى علانية  إذ قال، وهو خير مَن قال: " ولا تقتل النفس التي حَرَّم الله إلا بالحق " وقتلها بالمخدرات ليس فيهِ أيُّ وجه مِن وجوه الحق. كما وأن الدول والسلطات شرَّعت وسنت أنظمة وقوانين تحظر زراعة وتصنيع المخدرات غير القانونية، وهي تُحارب وتعاقب المخالفين مِن مزارعين ومُصنعين وتجار ومتعاطين بأشد العقوبات. ومِن هنا بات موضوع محاربة ومكافحة المخدرات, على اختلاف انواعها أمر الساعة وطلبها، وعلينا، أفراداً ومجموعات وسلطة اعلان الحرب على مُنتجيها وبائعيها ومتعاطيها، خاصة مُنتجيها ومسوقيها، بكل الوسائل المتاحة لنا، قانونياً وشرعياً، دون هوادة، وكان الله في عوننا جميعاً، ما دمنا في عون أنفسنا. ألهَمَنا الله سبحانهُ، وإياكم سواء السبيل، وسدد خُطانا وخُطاكُم الى ما فيه خير أنفسنا وأنفُسٍكُم، وخير مجتمعاتنا أجمعين. 
 


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.