spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 12
جولة مع الرحالة ابن بطوطة إلى مزارات الأولياء الصالحين
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
العنف، لا مكان له، في المجتمع الدرزي الحقيقي طباعة ارسال لصديق

 
اهتز المجتمع الدرزي في السنوات الأخيرة وتزعزعت اركانه بعد أن وقعت فيه، للأسف الشديد، بعض ظواهر العنف الشاذة التي كنا دائما نقول، إن أحداث كهذه، لا يمكن أن يمارسها درزي أو درزية، ومع هذا حصل ما لم يكن بالحسبان، ووجهت هذه الأحداث بالمقت والاستنكار والتنديد من كافة أوساط المجتمع الدرزي، وانحصرت في دائرة ضيقة من أعمال مشينة غريبة عن الواقع الدرزي، وعن التعاليم والقيم التي نادى وينادي بها الدروز دائما. ويمكن تفسير إمكانية وقوع هذه الأحداث، بالانفتاح الهائل الذي اجتاح المجتمع الدرزي في الخمسين سنة الأخيرة، وتسرب عادات وأنماط وأفكار غريبة على الشباب والبنات والجيل الجديد، الذي ابتعد قليلا عن الأصول والمنابع والتراث والقيم التوحيدية. وما زلنا مصرين على القول والاعتقاد، أن الأعمال الشائنة التي وقعت ستظل وقائع منبوذة مستنكرة، وسيظل المجتمع الدرزي حصينا بشكل عام، عن كل عنف أو شدة أو إجحاف أو استعمال غير صحيح للقوة، لأن المجتمع الدرزي يستند على أسس سليمة ومبادئ واضحة، تجعل في مقدور القيمين عليه، التغلب على كل ظاهرة دخيلة سلبية، واحتوائها وحصرها واختفائها مع الوقت.
 وهذا المجتمع امتاز على مر التاريخ، بالبأس والشجاعة والقوة والاستعداد الدائم للحرب، وقهر الأعداء، والاستماتة في المعركة، والصمود والصبر على الشدائد والقسوة في الحرب، حينما يتطلب الأمر ذلك، وعلى كل أنواع الشدة أثناء القتال، لكن كل هذه الأمور تصبح عديمة الجدوى، وليس لها أي وزن أو قيمة أو معنى في أوقات السلم، عندما لا يكون المجتمع الدرزي مهددا. وفي نفس الوقت يمتاز الإنسان الدرزي بأقصى درجات البسالة والقوة والتضحية والتفاني والمغامرة والعطاء بلا حدود حتى بحياته، عندما يقف في معركة أو حرب أو واقعة فيها اعتداء على حرمته او أرضه أو مساس بدينه وبكرامته، لكنه في وقت السلم، يُعتبر من أرقى وأنقى وأبقى الشعوب، وهو في بيته وأرضه وقريته يظل سمحا رقيقا متعاونا سبّاقا للمساعدة وعمل المعروف، وتقديم العون حتى إلى أعدائه، إذا لم يكن مهددا أو في حالة خطر أو معرّضا لهجوم أو تعدٍّ.
 وقد نبع هذا الوضع من واقع الحياة الدرزية التي بدأت منذ ألف سنة، حيث تجمّعت المواقع الدرزية المتديّنة والقابلة لمذهب التوحيد في سفوح وذرى جبال الجليل والجولان والشوف وجبل السمّاق. ودخل أبناء الطائفة الدرزية في عزلة، يضمّدون جراحهم، ويسعفون واحدهم الآخر، ويبنون مجتمعا جديدا بعد المحن التي أصابتهم من قِبل الخليفة الظاهر، أو من قِبل جيرانهم، ومن قبل القوى التي حاولت أن تخمد وتخنق دين التوحيد في مهده بعد غياب الحاكم بأمر الله. وقد كان همّ المواطنين الدروز في تلك الفترة، ترسيخ جذور دين التوحيد والمحافظة عليه من الشوائب الخارجية، ومنع تسرب عناصر دخيلة إليه، والاستمرار في تداوله، والعيش بموجبه، والانتهاء بنواهيه، وتنفيذ مطالبه، وتحقيق ما بثّه ونادى به دعاة التوحيد. ولكي يستطيع المواطن الدرزي أن يحافظ على دينه الجديد، كان عليه في البداية أن يؤمّن قوت يومه له ولأولاده، وأن يبني له مأوى وبيتا يعيش به، وأن يجد له عملا يعتاش منه، ومن ثمة ان يحافظ على دينه. فانهمك الدروز في تلك الفترة في بناء كيان لهم في هذه المناطق، مكتفين بأن يحافظوا على ما لديهم، ولا يطمعون بالتسلط والتعدّي والاستيلاء على أماكن أخرى. وقد اتخذوا لهم خلال مئات السنين نهجا لم يتغيّر: أنا ملك في بيتي وفي مقرّي، أنا لا اعتدي على أحد، ولا أطمع بأحد، لكنّي أثب كالأسد الضاري أمام كل من يعتدي عليّ. ومنذ ذلك الوقت وقبل ذلك بشّرت كل الأديان وقالت: إن الدفاع عن النفس لا يُعتبر عنفا، وأقرّت ذلك هيئة الأمم المتحدة، عندما تأسست، في دستورها الذي وُضع عام 1946، وشارك في وضع صيغته النهائية الحقوقي الدرزي الكبير فريد زين الدين. إذن، الدرزي بطل في الدفاع، ومسالم وقت السلم مع أهله وأبناء عشيرته ومع جيرانه ومع أي إنسان كان. وقد كان هذا المبدأ أساسا سار عليه الدروز منذ ألف سنة حتى اليوم، ولم يتخطّوه، ولم يخالفوه ولا أي مرة في التاريخ، مع أن الدروز كانوا من اشدّ المحاربين في مختلف الحقب التاريخية، لكن حروبهم كلها كانت حروبا دفاعية، وقعت على أراضيهم، وفي قراهم، وبجانب بيوتهم، وعلى حدودهم، ولم تكن ولا مرّة في منطقة غريبة، وظهروا في كل هذه المعارك، أبطالا أشاوس استطاعوا أن يحموا طائفتهم بالرغم من أعدادهم الصغيرة.
والمبدأ الثاني الذي انتهجه الدروز في سلوكهم مع بعضهم، هو ما دعا إليه وشجّعه وفرضه الدين الدرزي على مؤمنيه، وهو نبذ العنف بتاتا داخل المجتمع، أو مع أي عنصر مسالم آخر. وكان الدين الدرزي من أكثر الديانات تشديدا وحرصا على تطبيق هذا المبدأ، حيث أننا نجد أن كل الديانات الأخرى تفتح بابا للتوبة لمن قتل أو زنا أو اغتصب أو تعدّى على امرأة، إلا الدين الدرزي، فقد اعتبر هذه الأمور من الكبائر التي لا غفران لها مدى الحياة. وإذا قام أحد الدروز بفعل من هذا القبيل، فهو يتحمّل نتيجة أعماله طوال حياته حتى موته، بحيث يذكر الجميع، أنه أخطأ في هذا المضمار، حتى ولو  مرة واحدة في حياته، فيظل يعاني من هذا العقاب كل الوقت. معنى ذلك، أن بعكس الأديان التي ترى أو تشجع القتل للكفار حسب رأيها، وتسمح بامتلاك السبايا من النساء واغتصابها والتصرف بها كما تشاء، فإن الدين الدرزي يحرّم ذلك بشكل مطلق، لدرجة أنه لا يكفي تنفيذ خطيئة من قِبل إنسان مع امرأة غير زوجته وقعت فعلا، وإنما يشدد الدين الدرزي بقوله، إنه يُسمح للإنسان أن ينظر إلى امرأة مرة واحدة تُعتبر صدفة، لكنه إذا كرّر النظر، فهذا يُعتبر شهوة، وهذه الشهوة هي إثم، وهذا الإثم يُعتبر زنا، فيُعتبر من المبعودين الذين يتحمّلون حتى هذا الإثم الصغير طوال حياتهم. وكل إنسان معرّض في حياته أن يُسأل، إن كان قد فعل الكبائر، ويقسم اليمين على ذلك، لذلك نشأ المجتمع الدرزي خلال ألف سنة، والقسم الأكبر من شبابه وشيوخه يتجنب هذه الآثام ويبتعد عنها ولا يزاولها، بالدرجة الأولى، اقتناعا لصدقها وبسبب إيمانه وتقواه، وبالدرجة الثانية خوفا من العقاب القاسي. ومعنى ذلك أن الشاب الدرزي أو الرجل الدرزي، ليس فقط يحافظ على بناته وأخواته وأهله وجاراته ونساء قريته، وإنما يحافظ حتى على نساء أعدائه من أن يمسهن أحد بسوء، فهو يرى بكل امرأة أختا له، ويكتفي من المرأة بالزواج من واحدة، وكل امرأة أخرى محرّمة عليه، فيحافظ عليها ويصونها ويحميها ويبذل حياته من أجلها. وهناك مئات الحوادث في تاريخ الطائفة الدرزية تبرهن هذه الأمور.
المبدأ الثالث هو المناخ العام السائد في القرى والتجمّعات الدرزية. صحيح أن كل مجتمع يرغب أن يشعر بالقوة وأن يبدو له أنه اقوى وأشرف وأحسن من كل المجتمعات الأخرى. والمواطن الدرزي، ككل إنسان في العالم، له أهواء ونزعات وميول وطموحات وأمانٍ وآمال، يحب العظمة والفخفخة والكبر والسؤدد والشعور بالقوة وبالأهمية. وهذا الأمر طبيعي لكل إنسان، وهو يستطيع أن ينظم كل هذه الأمور بدون أن يتسلط على غيره، أو بدون أن يستعبد وبدون أن يقسو وبدون أن يظلم أحدا آخر بدون سبب. فهو يكتفي بالشعور بالقوة، عندما يفتخر بنسبه وعائلته، ويشعر بالقوة عندما يكون متدينا ويضع كل ثقله في التعمق وفي الدراسة الدينية وفي الحفظ. وهو يشعر بالقوة عندما يفلح أرضه ويجعلها جنة ويتباهى بها أمام الآخرين ويطعمهم من خيراتها. وهو يشعر بالقوة إذا كان أهمل شؤون الدنيا والجاه والرفاهية وتركّز في تربية أولاده وإعدادهم إعدادا حسنا. وهو يشعر بالقوة عندما ينتبه إلى زوجته ويعاملها كأنها ملكة البيت ويدعمها وييسر أمورها ويزوّدها بكل ما تحتاج ويدفعها لأن تشقّ لها طريقا في المجتمع إما في الثقافة أو في عمل ما أو في مهنة مميّزة أو في هواية منتجة أو في البروز في المجتمع كمرشدة وخبيرة ولها ما تقوله للنساء وللمجتمع ككل. وهو يشعر بالقوة عندما يفتح ديوانه ويستقبل الزائرين والضيوف ويغمرهم بالكرم والعطاء ويجود عليهم ولا يبخل عنهم بشيء ويجعلهم يشعرون ان لهم ملجأ ومقرّا وخيمة أمان. ولو استمرينا باستعراض هذه الأمور لوجدنا أشياء كثيرة أخرى من داخل المجتمع وداخل القرية تبعث في المرء الزهو والفخر والخيلاء، هذه الأمور التي تجد لها في المجتمعات لأخرى تعابير وتفاسير أخرى تفرض عليهم أن يتصرفوا بعنف وبقسوة بالنسبة للآخرين.
والعنصر الرابع الذي يجعل من كل مواطن درزي أكبر نابذ للعنف،  يبتعد عنه هو الإيمان بالتقمص، ومعنى الإيمان بالتقمص، هو أن كل إنسان يموت ويولد من جديد في المجتمع، وربما يكون هذا الشخص الواقف أمامي، ابنا أو حفيدا لي في المستقبل، وبما أن موضوع التقمص هو أمر دارج ناضج متأصل في المجتمع الدرزي، فإن الكثيرين يحسبون له حسابا، ويعترفون بأهميته، وبكونه مصدرا للعدل ونبذ العنف وفعل الخير وعمل الأحسن، لأن كل إنسان درزي يقول إذا أنا أهنت شخصا ربما أموت في هذه الساعة وأولد عنده، أو عند أخيه أو قريب منه، وكل إنسان معرّض أن يولد عند كل إنسان. ونحن كدروز، نأخذ هذا الموضوع بعين الاعتبار، ونهتم به وهو منار لنا في حياتنا، يهدينا ويسدد خطانا، ويجعلنا نعمل بالعدل والإنصاف والتقوى والاستقامة والطريق الصحيح وعدم المبالغة في أي شيء.  

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.