spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 1
الجذور التاريخية للصراع الدرزي الماروني في لبنان
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 138
العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134


 
قصة: الست التي كان بإمكانها أن تكون أجمل عروس طباعة ارسال لصديق
قصة بقلم سهام ناطور (عيسمي)، عن كتابها المرتَقب (بيادر الفكر)   



فتحت الست تميمة عينيها على صوت صياح الديك مؤذّنا بأن فجرا جديدا يبزغ في الآفاق، ويوما جديدا يطلّ على الناس، وصباحا جديدا تشرق فيه الشمس بعد قليل، وتبدأ الحياة تعجّ في الأرض. وكل ما يهمّ الست تميمة لا يتعلّق بما يجري خارج جدران بيتها، ولا الأحداث القريبة في العائلة، أو في القرية، أو في المجتمع ككل، كل ما يهمّ الست تميمة هو صلواتها، ودينها، وصلتها بالخالق، وحياتها التي وهبتها كلها من أجل ربّها، فعزفت عن الدنيا، وطلبت أن تكون قريبة من الله سبحانه وتعالى، تطيعه، تتعبّد له، وتحاول أن تقرأ وتحفظ أكبر قدر من المعلوم الشريف، ومن الشروحات والتفسيرات وكل همها أن تصل إلى الحقيقة، حقيقة الكون، حقيقة الوجود، حقيقة الحياة وحقيقة الأشياء، وهي تعلم أن الحقيقة موجودة، ويمكن الوصول إليها، لكنّ الطريق طويلة جدا ولا يمكن الوصول إلى الحقيقة، إلاّ بعد جهد وعناء، وتفرّغ وتضحية، والعمل بذكر الله سبحانه وتعالى في كل ساعة وزمن.
قامت الست تميمة وجلست في فراشها، وشبكت يديها، وبدأت تقرأ كعادتها كل يوم، وهي سعيدة بهذا النظام، سعيدة بهذه الحياة، مقتنعة بما قرّرت، ومطمئنة أنها فعلت وتفعل الشيء الصحيح. وهي الآن تشارف إلى السبعين، والحمد لله، ما زالت صحّتها جيدة، وقوّتها معها، وتستطيع أن تقوم بكل واجبات نفسها. وهي تقرأ وتحفظ وتطالع وتبحث، وتصلّي وتبتهل، وتنشد أحيانا بينها وبين نفسها بعض الأناشيد الروحانية، ومع كل هذا يظل لديها أحيانا بعض الوقت، تشرب فيه فنجان قهوة وتفكّر بماضيها، بمستقبلها، بحياتها، بأوضاعها ولا أقول إنها ندمت في يوم من الأيام، أو أنها راجعت نفسها، أو حاسبتها، أو أنها حاولت أن ترى إن كانت مُصيبةً أو مُخطئة، أو إذا كان طريقها مُجديا أم لا، لأنها أفنت نفسها على مبدأ واحد، هو أن كل ما تفعله هو من أجل الله، وأن المقاييس التي يستعملها باقي البشر من ناحية فائدة أو جدوى من عمل شيء ليست في قاموسها، فهي في طريق، وهم في طريق. ومع كل هذا تتمعّن أحيانا وتتأمّل ماضيها، وتمرّ أمامها الصور المختلفة منذ كانت طفلة وحتّى اليوم، فيطيب لها أن تستعرض بعض المراحل في حياتها. وهي تذكر أنها كانت في الثالثة أو الرابعة عشرة من عمرها، وكانت بنتا صغيرة ككل بنات قريتها، تقوم بمساعدة أمها في عمل البيت، وكان والدها يعمل بالزراعة وتربية المواشي، فتشارك أهلها في أعباء المعيشة. ولم تكن الخيارات أمامها كثيرة، ففي تلك الفترة من العقود الأولى من القرن العشرين، كانت البنت لا تلتحق بمدرسة، وبصعوبة كانت هناك مدرسة للأولاد، فقد كان أعلى صف في المدرسة هو الصف الرابع، وهي تذكر أن إخوتها تعلّموا واندمجوا في العمل في الأرض. وشاهدت أخواتها وبنات خالتها وبنات جيرانها، ولاحظت أن الفتاة في هذا الجيل منشغلة بما تمليه عليها أمها، فكما قلنا لا تعليم ولا عمل والتفكير بالخطوبة والزواج ما زال مبكّرا. وكانت أحاديث البنات في ذلك الوقت أثناء اللعب بالألعاب البدائية التي كانت تستعملها البنات كان متركّزا في أشياء بسيطة: اللباس، تمشيط الشعر، محاولة تعلّم الخياطة وأمور حياتية أولية. أما هي فقد كانت تختلف عن باقي البنات فإذا سمعت أن بنتا نجحت أن تقلي بيضة، وأخرى تباهت أنها خاطت أزرارا، وأخرى ذهبت مع أمها إلى الحقل وعرفت كيف تميّز العلت والخبيزة عن الأعشاب الأخرى، وما شابه ذلك. أما هي فقد كانت ترى أمها في ساعات معيّنة من النهار أو الليل تفتح "القلاّبة" وهي (أداة من خشب تُكتب عليها نصوص من الدين) تقوم بمراجعتها النساء. وكانت ترى أنها تتمعّن بالقلاّبة وتقرأ وتحفظ ثم تضعها جانبا وتبدأ الأم بمراجعة ما قرأت وكثيرا ما لاحظت سعادتها عندما كانت تشعر أنها تمكّنت من الحفظ. وأثار حبّ استطلاعها ما يوجد هناك، وما هو الدين، ولماذا نحفظ؟ وسألت أمها وسألت جدّتها وقريباتها وقلن لها: إن الدين الدرزي هو فلسفة عميقة لا يستطيع فهمها إلا المتبحّرون والمواظبون والمتفرّغون للصلاة والعبادة والتوجّه إلى الله. وسمعتهم يتحدّثون عن الجنّة، وعن أمور أخرى، ويقولون إن القلائل فقط قد يصلون إلى الحقيقة ويفهمون معنى الوجود. وقد أعجبتها هذه الأوضاع، وسألت أكثر وفهمت أن الدين الدرزي مبني على حفظ النصوص الدينية وتكرارها والتمعّن فيها، ومن يفعل ذلك بقلب صافٍ، وسريرة نقيّة واهتمام، يمكن أن يكشف الحقيقة التي لا يعرفها الآخرون.  وبدأت الست تميمة تقرأ في القلاّبة بعد أن علّمتها أمها أصول الكتابة والقراءة، وبدأت تحفظ، وطبعا لم تفهم شيئا في البداية. لكنها عرفت حيث قيل لها إن الطريق إلى الحقيقة طويلة جدا. لذلك فهمت أنها، إن أرادت أن تنتهج هذه الطريق، فعليها أن تعلم أن مشوارها طويل، وعليها أن تعرف كيف تصبر، وكيف تتحمّل وتتجاوز عن كل ما ستواجه من عقبات في هذه الطريق. وشعرت الست تميمة أنها قادرة على ذلك، وأنها أهل لهذا الوضع، وأنه يمكنها أن تسلك الطريق الذي تعتقد أنه يوصل إلى الحقيقة. وكبرت شيئا فشيئا، وبدأت أحاديث أخواتها وبنات خالاتها تتغيّر، وكثر ذكر اسم عريس وزواج وخطوبة وأولاد أمامها، وسمعت اصطلاحات مثل أنه يحق للشاب أن يُنزل العروس عن ظهر الفرس إن كانت ابنة عمّه، وأن هذه الامرأة رُزقت ببنات فقط وليس لها أولاد، وأن قريبا لها سيتزوج بعد أن يبني الدار، وأشياء مماثلة، وشعرت أن هذه الأمور لا تعنيها، وكانت ترى الشغف والحرارة التي كانت تتحدث بها البنات حولها عندما تُذكر هذه الأمور، أما هي فقد كانت باردة القلب، ولم تهتم لا بالعريس، ولا بالدار، ولا بالأولاد، ولا بأي شيء آخر. ومن خلال مطالعتها الدينية فهمت أن المحظوظ هو من يستطيع أن يقهر نفسه، وأن يكبح جماح أهوائه وأن يتغلب على كل النزعات الدنيوية التي تشغل الناس، وأن يتجرّد من الشهوات الجسمانية، والأمور الحياتية. وشعرت بلذّة وسعادة لمجرد التضحية، والعزوف عن كل هذه الأمور التي بدت لها رخيصة وسخيفة وغير مهمّة. واستغرب أهلها هذا التصرّف وكانت في شبابها في غاية الجمال، وكانت كل عيون الشباب تنظر إليها، وكلهم يتمنى أن يحصل على ودّها، وأن تكون عروسا له. وفاتحتها عشرات النساء تطلبن يدها لأولادهن، وكلهم مميّزون، ناجحون يمكن أن يكونوا أحسن أزواج، ورفضت وأعلنت أنها لا تريد الزواج. واستغرب أهلها وفاتحوها بالموضوع أن الزواج هو سُنّة الحياة، وأن سترة البنت في زواجها وبيتها، واستطاعت بعد جهد جهيد أن تقنع والديها وإخوتها أن طريقها يختلف عن كل الطرق، وأنها تسلك سبيل الدين والتقوى والعزوف عن كل ملذات الدنيا من أجل الله، سبحانه وتعالى، وأنها ستنذر كل نفسها وكل قدراتها وإمكانياتها للصلوات وللقراءة والتعمق وعمل الخير. وفهمت من مطالعاتها الدينية أن إنسانا أو إنسانة ينذرون أنفسهم للدين لا يحققون هدفهم إن هم انعزلوا عن الناس، وقاموا بواجباتهم الدينية فقط، فعلى المتدين أو المتدينة أن يخدموا المجتمع وأن يعملوا شيئا ما من أجل الآخرين.
 وأخذت قرارا حاسما يفيد أن مناشدة الربّ ومحاولة الوصول إليه، والتفاني في عبادته، ويمكن أن يجعل الإنسان يسعد بالمشاهدة. وهذا لا يتحقق فقط عن طريق الصلاة، والابتعاد عن الرذيلة، وتجنب المنكر، الدين والسعادة في الدين هي في عمل الخير للآخرين. وكانت قد وصلت شأوا كبيرا في حياتها الدينية، وأصبحت معروفة ومميزة بين الناس، حتى أن كبار المشايخ من المجمّعات الدرزية في الدول المجاورة سمعت بها، وعندما كان أحد المشايخ الكبار، أو عندما كانت وفود من المشايخ تأتي إلى المنطقة التي تسكن فيها، كانت هذه الوفود تحرص على السؤال عنها، والتبرك بحضرتها، تماما مثلما كانوا يزورون كبار مشايخ الدين أو المقامات. وقد قامت بالإضافة إلى واجباتها الدينية الشخصية اتجاه الله سبحانه وتعالى، وانبيائه قامت بتعليم وإرشاد البنات والسيدات في بيتها الذي أصبح شبه صومعة تؤمّها طالبات المعرفة الدينية، والمتوجّهات إلى الدين والنساء الدرزيات اللاتي ترغبن في التنوّر والاطّلاع والاعتماد في تقرّبهم من الدين على مرجعية حقّة، ذات مصداقية وتجربة مثل الست الفاضلة تميمة. وقد قامت بكل هذه الواجبات بصدق وأمانة وإخلاص ونيّة صافية في أن تبلغ درجة النقاء وأن تشمل معها أكبر عدد من المؤمنات. ولم تتأسّف ولا مرّة في حياتها على انتهاج هذا المسلك، بل بالعكس، كلما مرّ يوم زادت يقينا وإيمانا بأن هذا الطريق هو الطريق السويّ بالرغم من أنه صعب المسلك. وهي تعرف أن الكل يعلم أنها سعيدة وقانعة وراضية بمسلكها هذا، وبمنهجها القويم، وبتفرغها للعبادة، وبعزوفها عن الدنيا، وبإيمانها الكليّ وبانسجامها التامّ، في حين كان بإمكانها أن تكون أجمل عروس في المنطقة.

 

 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.