spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 80
المجاهد شكيب وهاب
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كلمة العدد 16: الجاهلية الدرزية طباعة ارسال لصديق
وصف الخطيب الروماني الكبير كيكرو مدينة اثينا وصفا صورا قائلا ، إنك حيث تضع قدميك فيها تدوس على قطعة من التاريخ. ولو اتى اليوم إنسان من الفضاء وتمعّن في أوضاع الطائفة الدرزية في البلاد لتذكر هذا القول المأثور، ولسان حاله يقول ، إنك حين وجّهت انظارك بين أفراد الطائفة الدرزية لاصطدمت عيناك بشخصية زعيم.
نعم ، نحن طائفة تستورد في قراها الأطباء والمهندسين والمحامين والمعلمين والاختصاصيين ، وتصدر الزعماء. تنقصنا في قرانا مئات الوظائف لأصحاب المهارات التقنية التي تحتاج إلى تأهيل علمي مسبق، ونعاني من فائض في اصحاب الجاه. مقومات الزعامة عندنا رخيصة ويكفي ان ينهي أحدنا دراسته الثانوية ويحصل على شهادة اجتياز مع خمسة بالإنجليزية  ليعتبر نفسه قيّما على شؤون الطائفة الدرزية. يكفي ان ينهي أحدنا خدمته العسكرية برتبة شاويش ليصبح ناطقا بلسان الطائفة ، ويكفي ان ينعم الله على أحدنا ببعض القروش ان أن يُنتخب أو يُعيّن عضوا في جمعية تشجيع هطول الأمطار، لكي يصبح في نظر نفسه الزعيم الأوحد ويطلب كرسي شرف في كل منصة خطابة.
هكذا تغصّ منصاتنا للخطباء ويزداد الازدحام في كل احتفال وتكثر الولائم والاستقبالات ، وتنتعش المناصب والألقاب ويزيد الهرج والمرج ، ويختلط الحابل والنابل ونصبح طائفة تعداد زعمائها أكثر من تعداد عامّيتها.
ولو فرضنا زعامتنا وهيبتنا على الآخرين ، لكان بذلك خير وبركة للطائفة ورجالها ، لكن زعماءنا يتنافسون على بضعة مناصب وألقاب داخل الطائفة ، وهي بطبيعة الحال قليلة ولا يمكن أن تكفي جميع المتهافتين عليها ، فينتج عن ذلك اصطدام عنيف بين المصالح المتناقضة ، وصراع شديد بين الأهواء المختلفة ، فيكثر الفساد والتحريض والدس والتشويه، مما يجعل الآخرين من طوائف اخرى وسلطة ينظرون إلينا نظرة استخفاف وعداء وعدم اكتراث.  وبما أننا لا نحترم واحدنا الاخر فلا يمكن أن يحترمنا الآخرون. وبما اننا لا نساعد واحدنا الآخر ، فلا يمكن ان يساعدنا الآخرون. ولكوننا نحارب واحدنا الآخر يسهل على الآخرين أن يحاربوننا ويهزموننا. البعض منا يتصرفون بعكس كل منطق ودين ، فيتعاونون مع الغريب ضد القريب. إذا نجح أحدنا في عمل ما فبدل أن ننهال عليه ببرقيات التأييد والدعم تنهال على المسئولين عنه برقيات الدس والتحريض. وإذا شقَ احدنا طريقا له في مجال جديد ، فبدل ان يبحث الباقون عن طرق اخرى جديدة يشقونها يزاحمونه في طريقه ويعرقلون مسيره. ترى احدنا يعتبر نفسه صديقا لجاره وابن بلده طالما هو مستفيد منه. وعندما تحين الفرصة ينقضّ عليه ويطعنه من الخلف ويحتل مكانه بدون خجل أو تأنيب ضمير. لسنا ذلك القوم الذي إذا مات منه سيد قام سيد ، وإنما نحن قوم نقتل السيد ونضع مكانه عشرة ، فتفقد السيادة قيمتها.
لقد كثر في الآونة الأخيرة الناطقون باسم الطائفة الدرزية ، فاختلطت الصورة امام الذين ننطق بلسان الطائفة امامهم ن وأصبحوا لا يعرفون لنا وجها. إذا نجح احدنا في طريقه ، يعزو النجاح لشخصيته وثقافته وجهوده ، أما إذا فضل او أخطأ أو تعثر فلأته درزي ، وعلى الطائفة ان تهبّ لمساعدته بالرغم من أنه لم يقدّم في حياته خدمة واحدة لطائفته. وإذا وجد أن مصلحته تتطلب أن يتنكر لطائفته ويدّعي الأممية ، والتعالي على الطائفة والمذهبية الضيقة ، فهو يفقد ذلك بكل سرور واعتزاز وعندما يتغيّر مهب الريح تجده يتحجّر بطائفته ويغالي في تعصّبه وكأن المبادئ والقيم هي ازياء عابرة نستعملها مع تغيّر الطقس والأحوال الجوية.
وفي هذا الخضم ذاعت الزعامة الحقيقية والقيادة الحكيمة التي نحن بأمسّ الحاجة إليها في مثل هذه الأيام. وفي السابق كانت تحمينا أخلاقنا الحميدة وعاداتنا الموروثة وتقاليدنا العريقة وآدابنا الدينية وروابطنا الدموية. أما اليوم فقد انهارت أمامنا كل السدود وأصبحنا نهيم في ما يمكن ان نسميه ، بعصر الجاهلية الدرزية ولم يبقَ لدينا إلا ان ننتظر بفارغ الصبر ورهبة ووجل واهتمام  ... المنقذين من الضلال .....

سميح ناطور
1991

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.