spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 99
خلوة العدد: خلوة أبو سنان
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كبر التواضع وضعة الكبرياء طباعة ارسال لصديق
بقلم الدكتور جبر ابو ركن

التواضع قيمة أخلاقية عامة لها فوائد دينية واجتماعية وشخصية. للتواضع مكانة خاصة في دين التوحيد وعند الموحدين وهي من طبائع العقل الخمسة النورانية وعكسها الكبرياء أو الاستكبار من طبائع الضد والظلمة. طبائع العقل محمودة وطبائع الضد مذمومة. وفي عقيدة جماعة اللاميين والبوذيين من أهل التبيت أن الخطيئة الأولى التي ارتكبها أول مخلوق (الذي هو العقل) كانت الكبرياء وتشبه الخلوق بالخالق فكان نتيجة ذلك إبداع الضد الذي يتمثل في الظلام أو الشر أو الشيطان مقابل العقل الذي يتمثل في النور أو الخير أو الإمام أي النبي وهكذا مبدأ الازدواجية والتناقض يحكم الحياة والعالم. يوجد شبه كبيرا جدا لهذه العقيدة عند الموحدين في تعاليمهم وعقائدهم.
حول هذا البحث – التواضع الاستكبار – يدور محور هذا البحث لما له من فوائد على المستوى الشخصي والاجتماعي والديني والإنساني. ولما له حاجة في ظروف المجتمع الدرزي المعاصر الذي يمر في مراحل جذرية من التغيير والتحول منها نحو التطور والتقدم منها نحو التقهقر والرجعية والجاهلية.
لتكن مبادئ التوحيد وتعاليمه من تواضع وخصال أخلاقية التي بعضها في خطر الزوال والاضمحلال – شموعا وقناديل تضيء لنا الطريق في صراع القيم المادية والمعنوية. هذا الصراع المتواجد في كل فرد وبيت وعائلة وقرية في مجتمعنا الحاضر ولكل فرد حصة ونصيب في تقوية أو إضعاف أحد العاملين المادي أو المعنوي. هذا المقال محاولة لتقوية العنصر المعنوي والأخلاقية في حياتنا وفي نفوسنا ومحاولة لإيجاد التوازن بين المادي والمعنوي ووضع كل عنصر في مكانته الملائمة والطبيعية في ذواتنا وشخصياتنا وحياتنا.
عن شرف وأهمية وفائدة التواضع وضرر ودناءة الكبرياء جاء في كتاب بعنوان (دفع الهم ص 74 – ص 84) ما يلي:
"التواضع هو الخلة الرابعة المعينة على دفع الهم. وهو استعمال الوطأة واللين مع كل أحد وتنزيل النفس دون منزلها. ومرة ذلك يكون الإنسان محبوبا ومن كان محبوبا كانت همومه أقل مما إذا كان ممقوتا. وضد التواضع الكبر أو الكبرياء وهو التجبر والترفع على الناس واستصغارهم والاستهانة بهم العجب والتيه والصلف والبغي والنزف.
قال السيد المسيح لتلاميذه من آثر أن يكون بينكم عظيما فليكن لكم خادما.
ومن أحب أن يكون فيكم سيدا فليكن لكم عبدا. وقال أيضا : من تواضع ارتفع ومن رفع نفسه اتضع . وقال سليمان الحكيم في حكمته ثمرة التواضع الديانة والنعمة والجاه والبقاء. وقال غن الله يقلع بيوت المتجبرين قال يرميا النبي لا يفخر العالم بعلمه ولا الشجاع بشجاعته ولا الغني بكثرة ماله بل ليفتر من يفتخر بطاعة الرب عز وجل والفعل الجميل والتواضع.
وقال حكيم كن متواضعا في كل أفعالك فيدفع الله عنك أعداءك، وقال التواضع نعمة والكبر معصية وقيل التواضع صحة والكبر مرض، وبالتواضع ينال الشرف والتواضع علامة الجهل . وقيل التواضع يستر أكثر العيوب والكبر يخفي أكثر المحاسبة وقيل التواضع يرفع الصغير والكبر يضع الكبير زأن الله عز وجل يمقت المتكبرين ويذلهم ويحب المتواضعين ويرفعهم. والتواضع يزيد الشرف رفعة والتواضع حسنا وأحسن ما يكون في الرؤساء والكبر قبيح وأقبح ما يكون في العوّام، والجهل والبخل مع التواضع خير من العقل والجود مع الترفع، وقيل التواضع من كرم الأخلاق والكبر من لؤم الأخلاق، وقيل ثلاثة تورث المحبة : الدين والكرم والتواضع. وقيل ثلاثة تكسب البغضاء : النفاق والكبر واللؤم. وقيل المتواضع عند نفسه صغير وعند الناس كبير، والمتكبر عند نفسه كبير وعند الناس صغير. وازن خلال الإنسان لشمائله وأحفظها لمحاسنه وأصلحها لأموره التواضع. وقيل ثلاثة أحسن من كل شيء : تواضع لغير ذل وجود لغير جزاء وتعب لغير دنيا. وقيل من أفضل الناس؟ قال من تواضع عن رفعه وحلم عن قدره. وقال آخر :   أفضل الناس أنفعهم للناس. وقيل ما تكبر أحد على إخوانه إلا لنقص في جسده أو في نفسه وقيل الكريم المتواضع يهرب من المديح يتبعه. واللئيم المتكبر يطلب المديح والمديح يهرب منه. قيل أربعة تتم بأربعة : المحبة بالتواضع والمقت بالكبر والتوفيق بالصبر والصبر بالدين. قيل : من اجتنب أربع خلال كان خليقا ألا ينزل به من المكروه ما ينزل بغيره :  العُجب والعجلة والتواني واللجاجة. فثمرة العجب البغضاء وثمرة العجلة الندامة وثمرة اللجاجة الحيرة وثمرة التواني المذلة، والتواضع خير قرين والأدب خير ميراث وحسن الخلق أربح بضاعة ولا ناصر أعز من التواضع ولا عدو أشر من الكبر ولا موهبة أجل من العقل ولا مصيبة أعظم من الجهل. وقيل : اشد آفات العقل الكبر وما خاب وما هلك من عرف قدره. وإذا رأيت رجلا معجبا في رأيه فاعلم أن الجاهل أعقل منه، وعجب الإنسان بنفسه أحد حساد عقله، ولا رئاسة مع العجب والهلاك في أمرين ، العجب والشره. والذل في امرين الحرص والطمع، ومن أعجب بنفسه ذل ومن أعجب بعقله خلّ ومن أعجب برأيه زلّ وقيل إن أحد الملوك أعطى لرجل من خواصه كتابا وقال له إذا رأيتني في حالة الغضب ادفعه لي وكان فيه : "أمسك فلستَ بإله فأنت جسد بعد قليل يأكل بعضه بعضا ويصير مأكلا للدود والتراب. وقيل تواضع الأديب يدعو غلى كراكته وتكبر الجاهل يدعو إلى إهانته ومن علامة الحكمة ثلاث خصال : إنزالك نفسك دون منزلتها ومعاملتك للناس بما تحب أن يعاملوك به ومعرفة حالك وما عليك. قيل لبعض الرهبان : كيف يكون الإنسان فاضلا ؟ قال : بان يكون متواضعا وقنوعا ولا يغتاب أحدا والخاطئ المتواضع خير من الناسك المتكبر . وقيل لبعض النساك : ما كمال الديانة؟ قال : اتواضع. وقيل تواضع العالم يزيده رفعه وتواضع العاقل يسدد رأيه وتواضع رجل الدين يحسن ادبه وتواضع الخاطئ يغفر ذنوبه، والمتواضع إن أعطي شكر وإن مُنع صبر، والمتكبر إن أعطي كفر وإن مُنع افترى، وقيل : يكون  الإنسان محبوبا إما لتواضعه أو لحسن نيته أو لكرمه، ويكون ممقوتا إما لكبره أو لخبث نيته أو لبخله قال بعض العلماء : إن القلة والذلة وانحطاط المنزلة نعمة كثيرة من الله سبحانه وتعالى عند أكثر الرعايا والعوام لأن ذلك يمنع أن يكثر فيهم الكبر والظلم لأجل قصر اليد وقلة الحيلة ويظهر فيهم الوطأة والإنصاف والخيرية ولا يوصف أحدهم بهذه الأوصاف إذا رأيته يستعملها عن قدرة. وقيل العُجب يمنع من المعرفة بقدر النفس وجهل الإنسان بقدر نفسه يهلكها.أما على الإقدام على ما لا يقوى عليه وإما في التولي عما لا يعجز عنه.
الكبر والتكبر والاستكبار تتقارب، فالكبر هي الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه وذلك ان يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره وأعظم التكيبر : التكبر على الله بالامتناع من قبول الحق والإذعان له بالعبادة والاستكبار يقال في وجهين :
أحدهما ان يتحرى الإنسان ويطلب أن يصير كبيرا وذلك حتى كان على ما يجب وفي المكان الذي يجب وفي الوقت الذي يجب فممدوح والثاني أن يتشبع فيظهر من نفسه ما ليس له وهذا هو المذموم وعلى هذا ما ورد في القرآن وهو ما قال تعالى : "أبى واستكبر"(سورة البقرة 34) "استكبار في الأرض" (فاطر 43) "يتكبرون في الأرض بغير الحق" (الأعراف 146) "إنه يحب المستكبرين " (النحل 27) "فبئس مثوى المتكبرين" (الزمر 72) (مجمع البيان الحديث 1980 ص 732 – 734).
والكبيرة والكبر الإثم الكبير المنهى عنه شرعا، والكبير اسم من اسماء الله الحسنى معناه العظيم ذو الكبرياء . والمتكبر من أسماء الله الحسنى ومعناه المتعالي عن صفات الخلق ، والأكابر والكبراء : العظماء والوجهاء والأشراف. والكبر : البلاايا والدواهي ومفردها كبرى والكبرياء التجبر والترفع عن الانقياد.
وردت كلمة الكبر ومشتقاتها في القرآن في 161 موضعا.
والكبر هو استعظام الإنسان نفسه واستحسان ما فيه من فضائل والاستهانة بالناس واستصغارهم والترفع على من يجب التواضع له. وهذا الخلق مكروه ضار لصاحبه لأن من أعجبته نفسه لم يستزد من اكتساب الأدب ومن لم يستزد بقي على نقصه، وأيضا فإن هذا الفعل يبغضه إلى الناس ومن يبغضه الناس ساءت حالته.
قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه :"إياكم الكبر ،إياكم والإعجاب بالأعمال، من ذل نفسه رفعه مولاه ومن خضع لمولاه أعزه ومن اتّقاه وقاه ومن أطاعه أنجاه ومن اقبل إليه أرضاه ومن شكره جازاه، فعلى العبد أن يزن نفسه قبل ان يوزن ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب ويتهيأ للعرض قبل يوم الحساب (المراد والمريد ص 152)
قال الفضيل بن عياض أحد كبار الصوفية في تعريف التواضع :
"بأنه لا تخضع إلا للحق وتنقاد له ولو سمعته من صبي قبلته منه" (عبد الرحمن بدوي ، تاريخ التصوف الإسلامي : 1978 ص 272).
ومن كلماته :"من وقي خمسا فقد وقي شر الدنيا والآخرة، العجب والرياء والكبر والازدراء والشهوة" (تاريخ التصوف الإسلامي  ص 171)
قال الرازي في كتابه "الطب الروحاني" الفصل السادس في العجب :إنه من اجل محبة كل إنسان لنفسه يكون استحسان للحسنة منها فوق حقه، ويكون استقباحه للقبيح واستحسانه للحسن من غيره كان بريا من حبه وبغضه بمقدار حقه لن عقله حينئذ صاف لا يشوبه ولا يجاذبه الهوى.
ومن أجل ما ذكرنا فإنه إذا كانت للإنسان أدنى فضيلة عظمت عند نفسه وأحب أن يمدح عليها فوق استحقاقه، وإذا تأكدت فيه هذه الحالة صار عجبا".
ولا سيما إن وجد قوما يساعدونه على ذلك ، ويبلغونه من تزكيته ومدحه ما يحب ومن بلايا العجب أنه يؤدي إلى النقص في الأمر الذي يقع به العجب، لأن العجب لا يروم التزيد ولا الاقتناءوالاقتباس من غيره في الباب الذي منه يعجب بنفسه. والمعجب بعمله لا يتزيد منه لأنه لا يرى أن فيه مزيدا ومن لم يسترد من شيء ما نقص لا محالة، وتخلق عن رتبة نظراته وأمثاله لأن هؤلاء إذا كانوا غير معجبين لم يزالوا مستزيدين مترفين فلا يلبثوا ان يجاوزوا المعجب ولا يلبث المعجب أن يتخلف عنهم.
وجاء في كتاب أدب الدنيا والدين للماوردي في القسم الرابع في أدب النفس ما يلي :
الكبر والإعجاب يسلبان الفضائل ويكسبان الرذائل وليسلمن استويا عليه إصغاء لنصح ولا قبول لتأديب لأن الكبر يكون بالمنزلة والعجب يكون بالفضيلة.
فالمتكبر يجد نفسه عن رتبة المتعلمين والمعجب يستكثر فضله عن استزادة المتأدبين، أما الكبر فيكسب المقت ويلهي عن التآلف ويوعز صدوره الإخوان وقال ازدشير بن بابك : "ما الكبر الأفضل حمق، لم يدرِ صاحبه ايم يذهب به فيصرخه إلى الكبر". وحكي أن مطرف بن عبد الله بم الشخير نظر إلى الملهب بن ابي صعره وعليه حلة يسحبها ويمشي الخيلاء فقال: "يا ابا عبد الله ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله". فقال المهلب : "أما تعرفني؟1 فقال : بل أعرفك، أولك نطفة قذرة وآخرك جيفة قذرة وحشوك فيما بين ذلك بول وعذرة". فأخذ ابن عوف هذا الكلام فنظمه شعرا فقال :
عجبت من معجب بصورته        وكان بالأمس نطفة قذرة
وفي غد بعد حسن صورته            يصير في اللحد جيفة قذرة
وهو على تيه ونخوته            ما بين ثوبيه يحمل العذرة
حكي  عن نافع بن جبير بن مطعم أنه جلس في حلقة اللاء بن  عبد الرحمن الحزقي وهو يقرئ الناس، فلما فرغ قال : "أتدرون لم جلست إليكم؟ قالوا : جلست لتسمع. قال : لا لكني أردت أن أتواضع لله بالجلوس ليكم". فهل يرجى من هذا فضل او ينفع فيه عذل. وقال ابن المعنز : "لما عرف أهل النقص حالهم عند ذوي الكمال استعانوا بالكبر ليعظم صغيرا ويرفع حقيرا. وليس بفاعل". أما الإعجاب فيخفي المحاسبة ويظهر المساوئ ويكسب المذام ويصد عن الفضائل . ويقال : "إن العجب ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب". والإعجاب ضد الصواب وآفة الألباب وقال بزرجمهر : "النعمة التي لا يحسد صاحبها عليها التواضع والبلاء الذي أن مصيبته إلى ألبد وأنه أتم الناس نقصا وأعظمهم عيوبا وأضعفهم تمييزا وأول ذلك أنه ضعيف العقل جاهل. ولا عجب أشد من هذين لأن العاقل وهو من ميز عيوب نفسه فغلبها وسعى في قمعها. والأحمق هو الذي يجهل عيوب نفسه إما لقلة علمه وتمييزه وضعف فكرته ، وإما لأنه يقدر أن عيوبه خصال وهذا أد عيوب الأرض.
 وأعلم يقينا أنه لا يسلم أنسي من نقص حاشا الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين. فمن خفيت عليه عيوب نفسه فقد سقط وصار من السخف والضعف والرذالة والخسة وضعف التمييز والعقل وقلة الفهم بحيث لا يتخلف عنه متخلف من الأرذال وبحيث ليس تحته منزلة من ادناءة فليتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه والاشتغال بذلك عن الإعجاب بها الامتناع عن النطق بعيوب غيره لأن الاشتغال بعيوب غيره لا تفيده لا في الدنيا ولا في الاخرة بل تضره.
ثم يقول للمعجب : ارجع إلى نفسك فإذا ميزت عيوبها فقد داويت عجبك. ولا تمثل بين نفسك وبين من هو أكثر عيوبا منها فتستهل الرذائل وتكون مقلدا لأهل الشر. لكن مثل بين نفسك وبيم من هو أفضل منك. فحينئذ يتلف عجبك وتفيق من هذا الداء القبيح الذي يولد عليك الاستخفاف بالناس وفيهم بلا شك من هو خير منك، فإذا استخففت بهم بغير حق لأن الله تعالى يقول : "وجزاء سيئة سيئة مثلها" (سورة الشورى ىية 40) إن أعجبت بعقلك ففكر في حل فكرة سوء تحل أو تمر بخاطرك، وفي اضاليل الأماني الطائفة بك فإنك تعلم لم نقص عقلك حينئذ.
إن أعجبت بآرائك فتفكر في سقطاتك واحفظها ولا تنسها وفي كل رأي قدرته صوابا فخرج بخلاف تقديرك وأصاب غيرك وأخطأت أنت.
وإن أعجبت بخيرك فتفكر في معاصيك وفي تقصيرك وفي معايبك ووجوهه فوا الله لتجدن من ذلك ما يغلب على خيرك ويعفى على حسناتك.
وإن أعجبت بعلمك فاعلم أنه لا خصلة لك فيه وأنه موهبة من الله مجردة وهبك إياها ربك فلا تقابلها بما يسخطه فلعله ينسيك ذلك بعلة يمتحنك بها تولد عليك النسيان لما علمت وحفظت.
وقد أخبرني عبد الملك ابن طريف وهو من أهل العلم والذكاء واعتدال الأحوال وصحة البحث أنه كان ذا حظ من الحفظ عظيم لا يكاد يمر على سمعه شيء يحتاج إلى استعادته وأنه ركب البحر فمر به هول شديد أنساه أكثر ما كان يحفظ وأخل بقوة حفظه إخلالا شديدا لم يعاوده ذلك الذكاء بعد.
وأنا (أي ابن حزم) أصابني علة فأفقت منها وقد ذهب ما كنت أحفظ إلا ما قدر له فما عاودته إلا بعد أعوام.
ثم تفكر ايضا في أن ما خفي عليك وجهلته من أنواع العلم ثم من أصناف علمك الذي تختص به فالذي أعجبت بنفاذك فيه اكثر مما تعلم من ذلك فاجعل مكان العجب استنقاصا لها، فهو أولى. وتفكر فيمن كان أعلم منك تجدهم كثيرا وتفكر في إخلالك بعلمك وأنك لا تعمل بعا علمت منه فعلمك عليك حجة حينئذ ولقد كان اسلك لك لو لم تكن عالما، واعلم أن الجاهل لا يرحم صاحبه منه العجب".
وقال حكيم : "عجب المرء بنفسه احد حساد عقله".
وليس إلى ما يكسبه  الكبر من المقت حد ولا إلى ما ينتهي إليه العجب من الجهل غاية حتى أنه ليطفئ من المحاسن ما انتشر ويسلب من الفضائل ما اشتهر. وناهيك بسيئة تخبط كل حسنة وبمذمة تهدم كل فضيلة مع ما يثير من حنق ويكسبه من حقد .
قال بعض الشعراء :
يا مظهر الكبر إعجابا بصورته        أنظر خلاك فإن النتن تثريب
لو فكر الناس فيما في بطونهم        ما استشعر الكبر شبان ولا شيب.
وأحق من كان للكبر مجانبا وللإعجاب مباينا من جل في الدنيا قدره وعظم فيها خطره لأنه قد يستقل بعالي همته كل كثير ويستصغر معها كل كبير. وقال ابن السماك : "تواضعك في شرفك اشرف لك من شرفك". ويقال : "اسمان متضادان بمعنى واحد التواضع والشرف".
وللكبر اسباب فمن اقوى اسبابه علو اليد ونفوذ الأمر وقلة مخالطة الأكفاء. وللإعجاب أسباب فمن أقوى اسبابه كثرة مديح المتقربين وإطراء المتقربين الذين جعلوا النفاق عادة ومكسبا والتملق خديعة وملعبا . قال بعض الحكماء : "من رضي أن يمدح بما ليس فيه فقد أمكن الساخر منه".
ينبغي للعاقل أن يضبط نفسه عن ان يستفزها ويمنعها من تصديق المدح لها فإن النفس ميلا لحب الثناء وسماع المدح. قال الشاعر :
يهوى الثناء مبرز ومقصر        حب الثناء طبيعة الإنسان.
وقال آخر :
إذا المرء لم يمدحه حسن فعاله        فمادحه يهذي وأن كان مفصحا
وقال غيره :
وما شرف أن يمدح المرء نفسه        ولكن أعملا تذم وتمدح.
قال بعض الحكماء : "من برئ من ثلاث نال ثلاث ، من برئ من السرف نال العز ومن برئ من البخل نال الشرف ومن برئ من الكبر نال الكرامة".
روي عن وهب بن منبه أنه قال : كان رجل في بني إسرائيل عبد الله تعالى سبعين سنة ثم سال الله تعالى حاجة فلم يقضِ حاجته لو كانت لك منزلة عند الله تعالى لقضى الله حاجته ، فانزل الله تعالى ملكا قال له : يا ابن آدم تواضعك الآن أفضل عند الله تعالى من عبادتك سبعين سنة، فقضى الله حاجتك لتواضعك إليه، فاعتبروا يا اولي الألباب وكونوا من المتواضعين .(درة الناصحين في الوعظ والإرشاد للخوبري ص 262).
كيف يمكن للإنسان مداواة وعلاج الصفات الفاسدة في نفسه وسلوكه وشخصيته بنفسه هو او بمساعدة غيره؟
إليك هذه الطريقة التي تعتمد على الإنسان نفسه بنفسه لمداواة نفسه وتحريرها من صفات غير مرغوب بها وغير محمودة.
هذا ما جاء في كتاب "مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق والزهد في الرذائل "للعالم والأديب الشهير ابن حزم الأندلسي" (994 – 1063):
من امتحن بالعجب فليفكر في عيوبه فإن أعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنيئة فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى أنه لا عيب فيه فليعلم حينئذ أعقل منك وأحسن حالا واعذر فليسقط عجبك بالكلية.
وإن أعجبت بشجاعتك فتفكر فيمن هو أشجع منك ثم أنظر في تلك النجدة التي منحك الله تعالى فيما صرفتها فإن كنت صرفتها في معصية فأنت أحمق لأنك بذلت فيما ليس ثمنا لها. وغن كنت صرفتها في طاعة فقد فسدتها في عجبك. ثم تفكر في زوالها عنك بالشيخوخة.
وإن أعجبت بجاهك في دنياك : فتفكر في مخالفيك وأندادك ونظرائك ولعلهم أخساء وضعفاء سقاط فاعلم أنهم أمثالك فيما أنت فيه.
تفكر فيما قال ابن السماك للرشيد وقد دعا بحضرته بقدح ماء لشربه فقال له يا امير المؤمنين فلو منعت هذه الشربة بكم كنت ترضى ان تبتاعها؟ فقال له الرشيد : بملكي كله. قال يا امير المؤمنين فلو منعت خروجها منك بكم كنت ترضى أن تفتدي من ذلك؟ قال بملكي كله. فقال يا امير المؤمنين اغتبط بملك لا يساوي بولة ولا شربة ماء وصدق ابن السماك رحمه الله.
وإن أعجبت بمالك وثروتك فهذه أسوأ مراتب العجب فانظر في كل ساقط خسيس فهو أغنى منك فلا تغتبط بحالة يفوقك فيها غيرك. اعلم إن عجبك بالمال حمق لأنه أحجار لا تنتفع بها إلا أن تخرجها عن ملكك ونفقتها والمال غادِ ورائح وربما زال عنك ورأيته بعينه في يد غيرك ولعل ذلك يكون عدوك فالعجب بمثل هذا سخف والثقة به غرور وضعف. قال حكيم إن أغنى أغنياء العالم لا يأخذ معه ولا قرشا واحدا من أمواله الطائلة حين يفارق الحياة والعالم. وإن أعجبت بمدح إخوانك ففكر في ذم أعدائك إياك، فحينئذ ينجلي عنك العجب. فإن لم يكن لك عدو فلا خير فيك ولا منزلة اسقط من منزلة من لا عدو له. واعلم أنك إن تعلمت كيفية تركيب الطبائع وتولد الخلاق من امتزاج عناصرها المحمولة في التنفس فستقف من ذلك وقوف يقين على أن فضائلك لا خصلة لك فيها وأنها منح من الله تعالى، لو منحها لغيرك لكان مقلك وأنك لو وكّلت غلى نفسك لعجزت وهلكت فاجعل بدل عجبك بها شكرا وحمدا لوهبك إياها.
وإن أعجبت بنسبك فهذا اسوأ من كل ما ذكرنا لأن هذا الذي اعجبت به لا فائدة له اصلا في دنيا ولا آخرة وانظر هل يدفع عنك جوعه او يستر لك عورة او ينفعك في آخرتك. ثم لعل الآباء الذين تفخر بهم كانوا فسّاقا وظالمين وغلبتهم الرذائل والشرور. فإن العاقل من فكر في أن فضل آبائه وأجداده او أولاده لا بقربه من الله تعالى ولا يكسبه وجاهة او منزلة لم يجزها ويحققها هو وبفضله وأعماله. والمعجب بذلك هو كالمعجب بمال جاره وبجاه غيره كالغبي يزهى بذكاء ابيه فأي معنى للإعجاب بما ى منفعة فيه لا في دنيا ولا في آخرة.
وإن أعجبت بقوة جسمك فتفكر بأن البغل والحمار والثور اقوى منك وأحمل للأثقال. وإن أعجبت بخفّتك فاعلم بأن الكلب والأرنب يفوقانك في هذا الباب. فمن العجب العجيب إعجاب ناطق بخصلة يفوقه فيها غير الناطق.
واعلم أن من قدّر في نفسه عجبا أو ظن لها على سائر الناس فضلا فلينظر إلى صبره عندما يدهمه هم او نكبة او وجع او مرض او معصية، فإن رأى نفسه قليل الصبر فليعلم ان جميع اهل البلاء من المجذومين وغيرهم من الصابرين افضل منه.  إن رأى نفسه صابرة فليعلم أنه لم يأتِ بشيء يسبق فيه على ما ذكرنا بل هو إما متأخر عنهم في ذلك أو مساوٍ لهم ولا مزيد. واعلم أن رياضة النفس أو الأنفس اصعب من رياضة او ترويض السد لن الأسد إذا سُجنت في البيوت الذي يتخذ لها الملوك أمن شرها والنفس وإن سُجنت لم يؤمن شرها.  

 
 


 



 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.