spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 131
جبل الكرمل المقدس
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
أخوث شانيه طباعة ارسال لصديق
بقلم يوسف سيد احمد

إن ما يشهر الإنسان أعماله، فيصبح علما سياسيا او مفكرا اجتماعيا أو بارعا بالقانون وما إلى ذلك من صفات يتمتع بها عادة بعض الرجال. ولكن هناك بعض المشاهير الذين لا علاقة لهم بهذه الصفات، ولكنهم برزوا بشكل أو بآخر عن طريق الصدفة مثلا، فلا يصنفون من العظماء، ولكنهم اكتسبوا شهرة كبيرة ويبقى اسمهم على ألسنة الناس، يستشهدون بأقوالهم أو يذكرون نوادرهم من هؤلاء (اخوث شانيه).
في الحقيقة خطر لي ان اكتب عن هذه الشخصية الشهيرة في التاريخ وخاصة في لبنان، فهناك المل يعرف من هو أخوث شانيه ، ولكن في مجتمعنا هنا قد يجهل الكثيرون هذه الشخصية، ومن الأهمية بمكان إعادة ذكر ما رافق هذه الشخصية من ملح ونوادر أصبحت عبرة للتاريخ، فيكفي لأنه كان نزيلا شبه دائم في قصر بيت الدين ايام حكم الأمير بشير الشهابي المشهور بقسوته وشدته. فقد اقترن اسمه باسم المير بشير الشهابي الثاني كما أن شانيه القرية الجميلة الوادعة في جبل لبنان والمشرفة على البحر المتوسط وبيروت من جهة الشرق، لم تعرف بشيء مما عرفت (بأخوثها) مع أنها قرية جميلة وأهلها من خيرة الناس.
 أطلق عليه (الأخوث) وهي كلمة عامية تدل على اختلال في الفكير والتصرف والاختلال ليس جنونا ول أن المؤرخ المعروف "يوسف خطار أبو شقرا" في كتابه "الحركات في لبنان" قد اطلق عليه (مجنون شانيه) ولكننا نوافق رايه عندما يقول: إت الأستاذ أبو شقرا لم يقصد استعماله كامة مجنو لانطباقها على حالة (حسن محمد حمزة) المعروف بأخوث شانيه بل استعملها لأن كلمة (أخوث) عامية وغير عربية وليست فصيحة.
يذكر المفكر الكبير (فؤاد إفرام البستاني) في كتابه (على عهد الأمير) في وصفه لأخوث شانيه يقول : "لقد كان أخوث شانيه رجلا خفيف الروح عذب الحديث حلو النكات يصاب من وقت إلى آخر بنوع من السويداء فيأخذ بالهذيان المضحك، فكان جنونه سارّا فكها والجنون فنون".
فمن هو أخوث شانيه؟
نستطيع أن نجد تفصيلا بسيطا عن حياته في كتاب "قصص ومشاهد من جبل لبنان" للستاذ محمود خليل صعب فهو حسن محمد حمزة من بلدة شانيه التي تقع في جوار وإلى شرق بحمدون في قضاء عاليه، وقد عاش في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، تزوج إحدى قريباته ورُزق منها أربعة أولاد منهم ابنتان (مدللة ومياسة) إحداهما تزوجت إلى قرية عين زحلتا والثانية تزوجت إلى بيصور. أما الصبيان فهما (محمد وعبد السلام) تزوج كلاهما ومنهما ذرية في شانيه حتى اليوم)
ولا شك أن حسن محمد حمزة كان إنسانا طبيعيا عدا بعض الانحراف في تفكيره وسلوكه، الذي يظهر أحيانا، ويختفي أحيانا أخرى. وذليل ذلك زواجه ومصاهرته وخلو افراد اسرته من اية عاهة او علة.
فما دام الرجل (أخوث) فمن اين جاءت شهرته؟ في الحقيقة شهرته من بعض الحوادث التي مرّت معه والتي تظهر ذكاء برغم علته، واشهر هذه الحوادث حادثته التي يتناقلها الناس في لبنان بشكل واسع ويعرفها الكبير والصغير مع الأمير بشير الشهابي الثاني، وهي قصة جلب مياه نبع الصفا إلى بيت الدين وهذه النادرة هي التي خلّدت ذكر (أخوث شانيه) وتروى على أشكال مختلفة لكن المعنى واحد.
قدم هذا الأخوث على الأمير بشير فسرّ بحديثه وأمر له بغرفة ومرتب من المال، ولم يلبث أن ألحقه بحاشيته يتفكه بنوادره إذا ضاق صدره، ويتبهر بأقواله الفطرية وكانت في الكثير من الأحيان تفوق أقوال العقلاء حكمة وروية.
وشمل الأمير الخوث بعطفه فأذن له بالدخول عليه ساعة يشاء، إذا كان هناك ظلامة يشكوها، أو حكمة يوردها، ـو فكرة خطرت له فرأى من الواجب إطلاع الأمير عليها فكان أفراد الحاشية جميعهم يحترمون أخوث شانيه ويفسح الحجاب في القصر الطريق له إذا قدم القاعة مهرولا وكان لا يقدمها غير مهرول.
أما نادرة جلب المياه فهي : أن "بيت الدين" عاصمة الإمارة الشهابية والتي بٌنيت مقابل "دير القمر" عاصمة المعنيين والتي هي اليوم المركز  الأسمى للإدارة المدنية بإدارة الحزب التقدمي الاشتراكي. كانت تشكو من قلة المياه للشرب والري، وفكر الأمير بشير بإقامة مشروع جر مياه نبع الصفا إلى بيت الدين بقناة طولها 15 كم وقد كان مشروع كهذا في تلك الأيام وعلى أمارة صغيرة كهذه مشروعا ضخما ومكلفا. فقد احتار الأمير في كيفية تنفيذه وتوفير تكاليفه، وهكذا عقد الأمير مؤتمرا لمستشاريه ورجاله لدراسة المشروع واستمع إلى جميع الآراء ولم تكن هذه الآراء مجدية، فالوضع صعب والتكاليف باهظة، حتى أن صديق الأمير خوري قرية (بمهرية) أكد للأمير استحالة تنفيذ المشروع، فظهر التعب على الأمير وأراد الخلوة بنفسه وإذ بأخوث شانيه يدخل عليه مهرولا ممازحا، فضاق الأمير بممازحته لأنه مشغول الفكر بالمشروع، ولكن الأخوث لم يترك له مجالا للراحة بخفة روحه، فأراد الأمير أن يروح عن نفسه بالضحك على الأخوث فناداه وقال له : "وأنت يا حسن ما رايك بالمشروع؟ فأجابه حسن بلهجة الواثق من نفسه وبالعامية "يا أمير أتكون سيد البلاد وحاكم العباد وتعجز عن إيصال الماء إلى بيت الدين؟ كلف كل واحد من رعاياك أن يحفر مقدار قبره فتصل المياه".
فقال الأمير بشير : "والله أن رأي أخوث شانيه خير من راي خوري بمهرية" وتم المشروع كما قال حسن عن طريق اعمل الإلزامي والسخرة. وقد لحق كل رجل يوم عمل في السنة يشتغل فيها بدون أجر ودام العمل أقل من سنتين وتم تنفيذه سنة 1812 حيث أقيم احتفال ومهرجان كبيرين عند إتمامه.
وهكذا فإن الملح والنوادر عن (أخوث شانيه) كثيرة لا يتسع المقام لعرضها، ولكن زيادة في المعرفة نعرض لبعضها، وقد ذكر عددا منها الأستاذ محمود صعب في كتابه (قصص ومشاهد من جبل لبنان) فالإنسان يصادق من يتفق معه بالأفكار والميول فيأنس له وقد كان لأخوث شانيه أخوثا آخر يرتاح له، ويستأنس بقربه في بلدة مجاورة اسمها (الشبانية) قرب (حمانا) وكان بسكن مع والدته في البيت ويلتقي الأخوثان من وقت لآخر فنشأت بينهما صداقة ومودة ويتزاوران ويتحدثان على السجية، وحدث مرة ان زار أخوث شانيه في بيته وبعد أكل وشرب (وفرفشة) فجأة طلب أخوث الشبانيه من صديثه قائلا:
"يا حسن إني أرغب في جوارك لأراك كل يوم فإذا أعطيتك نصف بيتي أتقبل أن تعيش فيه؟
فقبل حسن بكل طيبة خاطر وتقاسما الغرفة فكان القسم الداخلي لأخوث شانيه والقسم الخارجي لصاحب البيت. وبقيا طوال النهار معا حتى مالت الشمس إلى الغروب فنهض أخوث شانيه مستأذنا في العودة إلى بيته فمنعه أخوث الشبانيه من المرور في حصته واشتد الجدال وتماسكا بالأيدي ولم يستطع حسن الخروج رغم تدخل الأم. وفجأة عاد حسن إلى إدراكه ودهائه فقال لصاحبه: "يا اخي لقد نسينا أمرا هاما وهو أن نقسم السطح بيننا" فنهض أخوث الشبانيه ومعه حسن ليتداركا هذا التقصير وخرجا من الدار.
وصعد صاحب البيت على السلم الموضوع على الحائط والمؤدي إلى السطح على أمل أن يلحق به صاحبه ولكن ما أن وصل إلى السطح حتى رفع أخوث شانيه السلم عن الحائط ورماه أرضا وأطلق ساقيه للريح نحو شانيه متخلصا من المأزق.
حكاية أخرى وهي أن جماعة من جبل لبنان خرجوا عن طاعة الأمير بشير وعادوا إليه فعاملهم باللين والعفو، على غير عادة الأمير، وكان (أخوث شانيه) موجودا فلم يعجبه الأمر فقد كان يريد الانتقام منهم على أنهم خونة، ولكم الأمير أصرّ على ذلك فسكت حسن على مضض.
وبعد بضعة ايام خرج  بعض رجال القصر لصيد الحجل ومعهم أخوث شانيه وكانت وسيلة الصيد هي (السركة) وهي أنثى الحجل يضعونها في قفص في أرض الجبل فلا تلبث ان تغرد فتتوافد ذكور الحجال على صوتها فيصطادونها، وبدأ إطلاق وراحت ذكور الحجال تتساقط فما كان من حسن أخوث شانيه إلا أن صوب بندقيته نحو السركة وقتلها. عاد الرجال غاضبين من عمل حسن وقد أخبروا الأمير عنا فعله حسن واستدعاه الأمير وسأله "لماذا قتلت السركة ؟ فقال له حسن " إنها تخون أبناء جنسها وتسترجهم للقتل. الخائن يجب أن يقتل". وفهم الأمير ما رمى إليه أخوث شانيه.
هذا قليل من كثير مما يقال عن أخوث شانيه وعن نوادره وحكاياته ومن الجديد بالذكر أن الفن الفلوكلوري اللبناني قد خلد شخصية أخوث شانيه وأبرز هذه الظاهرة التاريخية بخلق شخصية فنية عظيمة تقمصت شخصية الأخوث، وأعني الممثل المسرحي النادر (نبيه أبو الحسن) من ابناء قرية بتخنية قضاء المتن، الذي جسد هذه الشخصية بمسرحيات شعبية ناطقة على المسرح اللبناني. ولا يزال هذا الفنان المبدع نشيطا بأعماله المسرحية الانتقادية حتى اليوم.   

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.