spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 54
كلمة العدد: لانهم سلم ارتقائنا...
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 140
العدد 139
العدد 138
العدد 137
العدد 136


 
قصة طباعة ارسال لصديق
ما بين اسمهان وعبد الوهاب
راحت الضيعة... رزق القرد

قصة بقلم: حافظ أبو المنى
عن مجلة "تراثنا"صدرت عن الجمعية الدرزية الأمريكية


في أوائل الأربعينات لم يكن جهاز الراديو معروفا في لبنان سوى من فئة قليلة من قاطني بيروت. ولقد كان امتلاك جهاز للراديو يخضع لرخصة قانونية تصدرها الحكومة حينئذ ويحتم وجود (أنتينا (ANTENA هوائي بطول ثلاث أمتار على عمودين من الخشب في مكان عال ومكشوف.
كان جبل لبنان وقرى منطقة عاليه على وجه التحديد المنطقة الوحيدة التي يقصدها القادرون من أبناء الساحل هربا من صيف بيروت الخانق ومنتجعا صحيا راقيا. ولم تكن المنطقة قد تأهبت بعد كما هي اليوم لاستضافة (المصيفين) على حد قول أهل الضيعة.
فكان المصطاف يأتي بأمتعته على ظهر أحد الطنابر من محطة القطار في بحمدون ليختار أول بيت يصادفه برسم الإيجار سلفا ويحطط أمتعته بمعاونة المؤجر على عبارات. يا ميت هلا، البيت بيتك، الغالي بيرخصلك... ولو ... كان أبو فارس معلم عمار (برنجي) على رأي اهل الضيعة يمتلك بيتا متواضعا على الطريق العام يحتوي على غرفتين وصالة للاستقبال ومطبخ صغير. امتدت أمامه سطيحة مطلة على الوادي المغمور بأشجار الصنوبر والسنديان في ركن من اركانها "مرفع" عليه جرتين وإبريق فخار شغل حاصبيا.
وعلى سطح البيت (علية) كبيرة نُصب امامها خيمة مغطاة بجذوع الوزال الرمادية لترد الشمس و "العين" كما ان يحلو لأم فارس أن تقول. تستعمل كمطبخ صيفي صغير في حال إيجار الطابق السفلي إبان موسم الاصطياف الذي كان قد بدأ يأخذ تباشيره الأولى. وفي ظهيرة احد الأيام توقف طنبر أبو ملحم أمام بيت ابو فارس محملا بأمتعة المصطاف الجديد الخواجة خليل. وبعد أن (مان) على أن فارس بقبول السعر نظرا لأن أبو فارس لا يزال بالشغل حالفا ألف يمين أن عليه لإقناع أبو فارس بالقيمة نسبة للصداقة التي تربط العائلتين.
قائلا لها :
أمن ما عليكي بيني وبين ابو فارس ما في حاجب ولا بواب إذا ما رضي بالمبلغ ... هه... (واضعا يده فوق شاربه الكث) أنا بدفع الفرق من جيبي.
وبالطبع فقد كان بين أمتعة المستأجر الجديد (راديو) جال ابو ملحم حوله عدة مرات مستهجنا ومتسائلا.
فطلب السماح له أن ينصب أعمدة الأنتين على سطح العلية فوق البيت.
وتبرمت ام فارس فاركة يديها بحركة لولبية تحت المنديل الذي يغطي رأسها وينسدل إلى الخاصرة.
فهي لا تعرف عن هذا الشيء معلومات ما... ولربما أنه (ضد الدين) ولن تعرض نفسها (للبعد) من قبل مشايخ الضيعة، كرمال بضعة ليرات إيراد من مأجور البيت الصيفي.
ولم تنفع محاولات أبو ملحم لإقناعها بأن هذا اختراع فرنجي جديد وأنه لا يتعارض مع منطوق المسلك الشريف بأي حال من الأحوال. لكنها رفضت ذلك قائلة بخفة
يا أخي بو فارس بالشغل نحنا اتفقنا على إيجار الطابق الأرضي وهلق صار بدو (تعني المسـتأجر  ) سطح العلية .. مستدركة قائلة.. لمن بيجي رجال البيت خليه يحكي معو إذا قبل كان به وإذا ما قبل أنا ما إلي رأي.
وانصرف أبو ملحم غاضبا من (جهل النسوان) كما قال بعد أن فقع البغل (ضربتين كرباج) رددت صداهم الوادي القريب وسمعت الضيعة كلها فرقعتهم.
وحضر ابو فارس عند العصر ليجد أن البيت قد أجر.
وأن مصطافه الجديد يحاول  أن يركز موجوداته القليلة في الطابق السفلي.
ولم ينتظر ليغسل وجهه وقدميه (بالمشط) الذي احضرته له أم فارس كالعادة. بل يمم شطر الطابق السفلي مسرعا ليتعرف على المستأجر الجديد تسبقه عبارات الترحيب.
أهلا وسهلا... شرفتونا
وقام الخواجة خليل لاستقبال صاحب البيت بنفس الهمة ونفس عبارات التجميل.
ومضى يشرح له بإسهاب ضرورة السماح بنصب أعمدة الأنتان على سطح العلية مؤكدا أن هذا الجهاز العجيب هو اختراع حديث يمكن من خلاله الاستماع إلى أخبار الحرب العالمية والتنسيط حتى إلى خطابات هتلر المنقولة بصوته من برلين إلى جانب سماع الموسيقى والغناء البلدي...
ومضى ابو فارس ينصت للكلام المنساب من فم الخواجة خليل سارحا في عالم عجيب ناظرا بين فينة وأخرى إلى هذه (الصحارى) العجيبة التي لا تشبه صندوق الفرجة المشهور. دائرا أمام الراديو مستعلما عن لوحة المفاتيح وعن البطارية الكبيرة بجانبه متفحصا بعجب ملؤه الفضول هذا الصندوق المسحور دون أن يسمح لنفسه بلمس الجهاز.
ولاحظ الخواجة خليل حيرة واستغراب مضيفه.
فسارع ليدعوه مع الست أم فارس للسهرة والاستماع إلى هذا الراديو على أن يسمح له بتركيب الأنتان على السطح. واتسعت عينا ابو فارس فتوجه من المصطاف الجديد متسائلا عن علاقة هذا المسمى بالأنتان بهذه (الصحارة) العجيبة.
وراح الخواجة خليل يشرح الموضوع من جديد مؤكدا أن هذا الجهاز لا يعمل إلا إذا تم إيصاله بشريط الانتان، وهو شريط مهمته التقاط الصوت من الهواء وتحويله إلى الميكرفون لكي يعمل.
راجيا إياه ان يقبل دعوته للسهرة على أنغام الموسيقى التي ستصل إلى الراديو عبر السلك المسمى انتان واقتنع ابو فارس.
وصعد إلى سطح العلة مساعدا الخواجة خليل على تركيب هذا السلك العجيب الذي يحضر الأصوات من المسافات البعيدة.
ومن على سطيحة الدار سهرت الضيعة كلها تلك الليلة على أنغام راديو الخواجة خليل فأبو ملحم (الطنبرجي) كان قد اخبر القاصي والداني بخبر هذه الصحارة العجيبة التي يملكها المستأجر الجديد عند ابو فارس.
وتصدر الخواجة خليل صدر السطيحة وبجانبه جهاز التحويل ينقل من محطة إلى محطة قائلا بفخر تشوبه مسحة من كبرياء العارف : هذا عبد الوهاب يغني من إذاعة الشام.
وهذه أسمهان تغني في مصر.
واستمعوا لهتلر يخطب بالألمانية من برلين.
منتقلا بحبور بين وجوه (لسهيرة) المشدوهين مستمعا بين الفينة والأخرى لبعض التعليقات البريئة الصادرة من الجمهور مثل  
(يا عمي عظيمة قدرة الفرنج)  و (سبحان مين خالق الصناع تصنع) وإلى آخر يقول ضاربا كفا بكف (بيقولوا آخر وقت ؟ هيدا آخر وقت ... اوايل إبليس) ومضت السهرة حتى منتصف الليل والكل يثني على هذا الاختراع العجيب بقدوم الخواجة خليل.
وانصرف الحضور وكلهم إعجاب بأريحية هذا المصطاف الجديد الذي حمل هذا الاختراع العجيب من بيروت ليعرفهم عليه لأول مرة.
ونام الخواجة خليل تلك الليلة وعلى ثغره ابتسامة المنتصر في قلبه أمل بأنه قد حاز على إعجاب هذه الضيعة ونال احترامهم ممنيا النفس بأن الصيفية ستكون حافلة بهدايا سلال العنب والتين وسهرات الراديو الجديد المفرحة.
وانحصر الليل عن القرية العالقة على سفح الجبل وأطلت خيوط الشمس الأولى بأشعتها الذهبية تطارد ضالات الضباب الرمادية التي تغطي الوادي السحيق...
ونهض الخواجة خليل باكرا إلى السطحية متنفسا ملء رئتيه نسيم الجبل العليل ممنيا النفس بفنجان قهوة مع الاستماع لنشرة الأخبار الصباحية التي يحملها إليه جهازه العجيب. وكم كانت دهشته كبيرة عندما وجد أن الراديو لا يعمل...
وحانت منه التفاتة إلى سطح العلية ليفاجأ بأن ركائز الانتان الخشبية قد تحطمت وشريط الأنتان النحاسي قد تقطع أربا صغيرة وانرمى على الجهة المقابلة للسطحية ولم يتمالك الخواجة خليل نفسه بل صاح بغضب وانفعال مناديا بلهجته البيروتية المميزة :
ولك يا ابو فارس!
وأطل ابو فارس على السطح ويبده بعكور من السنديان اليابس عابسا يقدح من عينيه شرر الغضب يرجف شاربه الضخم متراقصا تحت ارنبة انفه الحمراء وتراجع الخواجة خليل مبهوتا بالعا ريقه الذي جففته الصدمة محاولا أن يخفض صوته متكلما برفق :
ولو يا شيخ أبو فارس – شو صار ؟
وجاءه صوت ابو فارس هادرا مهددا من فوق السطح والبعكور الرهيب ينتقل من يد إلى اخرى.
شو صار ...؟ شو صار...؟ ليك يا حبوب نحنا قلة شئمة ما في عنا مبارح جبت لنا صوت اسمهان عم يتغنى من مصر وصوت عبد الوهاب عم يتغنى من الشام وصوت هتلر من برلين ...
عال إذا قمنا حكينا لها شي كلمة بالسر لأم فارس بالعلية بالليل تقوم تسمعها أنت عبكرة بالراديو .. هون مثل ما قلت لك قلة شئمة ما عنا تفضل خوذ الراديو وضب عفشك وشفلك شي بيت ثاني صيّف فيه.
ولم تنفع توسلات الخواجة خليل ذلك اليوم ولا شروحاته وإيضاحاته حول الموضوع.
فأبو فارس لا يمكن أن يتراجع عن رأيه وبعكوره الرهيب لا يزال بيده ... وانكفأ إلى الداخل متحسرا حزينا واجدا أن احلام سلال العنب والين وأمنيات السهر على هذه الضيعة الرائعة قد تبخرت.
ومضى يجمع اثاث بيته متأهبا للرحيل ..
وصحى ما تبقى من أهل الضيعة يومها على قرقعة دواليب طنبر أبو ملحم الذي حضر لنقل الأثاث من جديد بينما الوادي القريب يردد فرقة كرباجه قائلا بحنق وغيظ :
يخزي الشيطان ما بين صوت اسمهان وعيد الوهاب راحت الصيفية رزق القرد...    




 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.